فرنسا في مأزق.. «ماكرون» يخسر نفوذ الأجداد بالقارة السمراء

خاص // وابامز
ضربت عدوى الانقلابات عددًا من الدول الإفريقية، لا سيما، في مناطق (الوسط والساحل) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والتي كانت تشكل نافذة مهمة للنفوذ الفرنسي من بينها (مالي وبوركينا فاسو والنيجر والجابون)، وشكل سقوط الأنظمة المتقاربة مع فرنسا في القارة السمراء أزمة كبيرة واختبارات كبيرة للدبلوماسية الفرنسية عالميًا.
يتزامن ذلك مع أزمة واسعة أيضًا يعيشها الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني بشدة جراء استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت شهرها التاسع عشر دون هوادةـ وفاتورة الدعم المرهقة بحزم المساعدات المالية المثقلة للميزانية العسكرية وإمدادات الأسلحة الغربية المتضامنة فيها فرنسا كلاعب أساسي، والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا ما أثر بشدة على أمن الطاقة في أوروبا كلها وفرنسا بشكل ضمني، لا سيما مع قرب حلول الشتاء، خاصة أن منظومة الكهرباء في فرنسا تستورد نحو 70 بالمئة من اليورانيوم المستخدم بتصنيع الكهرباء من النيجر.
تراجع الدور الفرنسي مع اجتياح الانقلابات 9 دول في غرب ووسط إفريقيا آخرها النيجر والجابون خلال آخر 3 سنوات، ما أفسح المكان وسلط الضوء بقوة على الدور الروسي والصيني المتعاظم هناك والمدعوم من نزعات داخلية في دول إفريقية أصبحت رافضةً للتواجد الفرنسي على أراضيها، فالقوة الفرنسية برخان التي خرجت من مناطق في غرب إفريقيا لا سيما في مالي وأخلت الطريق أمام عناصر إرهابية ومسلحين ساهمت في تهديد أمن العديد من الدول الإفريقية ما جلب غضبًا شعبويًا ورفضًا لأدوار فرنسا هناك.
يأتي ذلك في ظل اعتماد “باريس” بشدة على حلفائها الأفارقة فيما يخص واردات حيوية من بينها اليورانيوم من النيجر المستخدم في محطات توليد الطاقة الكهربائية، أيضًا تهديد سيطرة شركات فرنسية على صناعة النفط في الجابون التي تنتج حوالي 200 ألف برميل نفط يوميًا بحسب ما ذكرت صحيفة فايننشيال تايمز.
فضلًا عن دور الجابون الأهم في إنتاج المنجنيز الذي يستخدم في صناعة أقوى أنواع الصلب في فرنسا، بالإضافة إلى اعتماد الفرنسيون على خامات إفريقية هامة صناعيًا ومواد أخرى مثل الخشب والذهب والماغنسيوم والمنجنيز ولن تضحي بخسارتها بسهولة، ما استدعى توقع عدد من المحللين وجود صدام قوي بين روسيا والصين من جانب وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر في صراع على النفوذ والثروات وتقسيم الغنائم في أرض إفريقيا بمناطق (الغرب والوسط).
القوى الغربية تتقدمها فرنسا حاولت كسر النفوذ الروسي والصيني المتنامي برفع سلاح العقوبات الدولية في محاولة للعودة إلى الديمقراطية إلا أنه لم يحقق النتائج المنتظرة، وفقًا لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، وفي سياق متصل، حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن “ميع الرؤساء في أنحاء المنطقة على دراية بالمصير الذي ينتظرهم، وهو ما يعكس قلقًا فرنسيًا كبيرًا من مصير باقي العواصم والأنظمة الإفريقية المتقاربة مع باريس.
إرث تاريخي في الأرض السمراء
استطاعت فرنسا منذ بداية الحقبة الاستعمارية وخاصة بعد مؤتمر برلين 1884 – 1885 والذي تم خلاله تقسيم القارة الإفريقية على القوى الاستعمارية الكبرى أن تحكم قبضتها على أكثر من 20 دولة إفريقية في شمال ووسط وغرب القارة السمراء واستمر حكمها منذ ذلك الحين وحتى حقبة الستينيات من القرن الماضي والذي يسمى عقد التحرر الإفريقي.
وعلى الرغم من الاستقلال الرسمي وتمتع كافة دول القارة الإفريقية بسيادتها التامة على أراضيها إلا أن الاحتلال الفرنسي والذي كان يتبع نمط الاحتلال المباشر داخل القارة الإفريقية نجح في فرض سيطرته وثقافته وهيمنتها على أغلب شعوب تلك الدول التي احتلها.
ويرى محللون أنه بخلاف الاحتلال الإنجليزي الذي كان يتبع نمطًا غير مباشر يسع من خلاله إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية والثروات والخامات وفقط عبر نظام للإدارة اتبع فيه تعيين زعماء القبائل وأبنائهم في الوظائف الإدارية وجمع الضرائب لصالح بريطانيا مقابل منافع يحصل عليها هؤلاء الزعماء سواءً مادية أو مناصب إدارية.
وحسب تقارير، ظلت الهيمنة الفرنسية على أغلب الدول التي احتلتها عبر إيجاد وخلق نخبة متشبعة بالثقافة الفرنسية والعمل على دعمها ومساندتها من أجل الوصول إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات أو بتدبير الانقلابات العسكرية مع توفير الحماية الكافية لها لضمان استمرار النفوذ الفرنسي في تلك البلدان وربما كان لمنظمة الدول الفرانكفونية دورًا هامًا في توحيد الدول التي تتحدث باللغة الفرنسية تحت غطاء تنظيم دولي وهو ما يعبر بشكل أكثر وضوحًا عن الهيمنة الثقافية الفرنسية.
ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي مستشار المركز العربي للدراسات والبحوث أبوبكر الديب، إن فرنسا سعت منذ بداية استقلال الدول الإفريقية إلى ربط اقتصادات مستعمراتها بواسطة “الفرنك الإفريقي” أو ما يعرف باسم CFA وهي اختصار لاسم (المستعمرات الإفريقية الفرنسية)، وقد طلبت فرنسا بحجة ضمان العملة إيداع نصف الاحتياطيات النقدية لتلك الدول، ومن ثم أصبح التعامل في منطقة “الفرنك الإفريقي” يسمح بتحويل رؤوس الأموال في منطقة الفرنك الفرنسي إلى فرنسا فقط وليس العكس.

وأضاف أبو بكر الديب في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” أن باريس قامت بخفض قيمة الفرنك الإفريقي بشكل حاد أمام الفرنك الفرنسي ثم ربطه باليورو فاحتفظت بالسيطرة النقدية لهذه الدول ومواردها وهو ما كرس لمسألة التبعية الاقتصادية للاستعمار الفرنسي وسيادته على تلك الدول، إلا أن السقوط المتتالي للدول الإفريقية بشكل أقرب لـ”أوراق الدومينو” في دوامة انقلابات ترفض الدور الفرنسي يضع نفوذ باريس على المحك ومصالحها الاقتصادية ويخلي الملعب في غرب ووسط إفريقيا أمام نفوذ متزايد لكل من (موسكو وبكين).
دور باريس المرفوض
يقول الخبير في شؤون الدراسات الإفريقية، الدكتور محمد فؤاد رشوان، إن الشهور القليلة الماضية شهدت مظاهرات حاشدة ضد التواجد الفرنسي في دول كل من مالي وتشاد وبوركينا فاسو والتي تشير إلى ما يمكن تسميته بالموجه الثانية للتخلص من الاستعمار الفرنسي في إفريقيا.
وأضاف محمد فؤاد رشوان في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” أن شعوب تلك الدول أدركت أن هذا الاستعمار ليس عسكريًا فقط ولكن اقتصادي وثقافي ومالي، لذا قامت تلك المظاهرات لوقف نهب الثروات وتجريف ثقافتهم الوطنية والسيطرة عل إرادتهم السياسية عبر سياسيين، أو انقلابيين موالين لها.
وتابع رشوان قائلًا: في الوقت الذي وقفت فيه فرنسا مع الانقلاب في تشاد لأنه موال لها ويقمع احتجاجات الشعب ضدها، بينما اتخذت موقفًا مغايرًا في مالي لأنهم وقفوا مع المطالب الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي.
لذا فقد خرجت المظاهرات الشعبية في تشاد، منددةً بالموقف الفرنسي الداعم للمجلس العسكري الانتقالي الذي تقلد السلطة عقب اغتيال الرئيس إدريس ديبى في أبريل 2021، وقام المتظاهرون بمهاجمة قاعدة عسكرية للقوات الفرنسية في أبشى وحطموا نصبًا تذكاريًا كان بداخلها.
كما شهدت الأشهر الماضية تدهور العلاقات بين مالي وفرنسا بشكل متسارع ففي مطلع شهر فبراير الماضي أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي طرد السفير الفرنسي في باماكو جويل ميير والذي تم استدعاؤه من قبل وزير الخارجية وإبلاغه بضرورة مغادرة البلاد عقب تصريحاته بأن المجلس العسكري الحاكم في مالي لا يتمتع بالشرعية، وكذلك التصريحات المعادية من قبل المسؤولين الفرنسيين بشأن تدهور الأوضاع في مالي عقب الانقلاب العسكري الأخير وصعوبة استمرار تواجد القوات الفرنسية في مالي.

وقد تصاعدت حدة التوتر بشكل ملحوظ بين الدولتين منذ وصول العقيد عاصمي جويتا إلى السلطة في مايو 2021، وتواجد العديد من الخبراء الروس لدعم جهود الحكومة في مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن، فضلًا عن مطالبتها باريس بمراجعة الاتفاقيات الدفاعية الثنائية بينهما، بالإضافة إلى تصاعد حدة الرفض الشعبي للوجود الفرنسي في دول الساحل، والذي عكسته التظاهرات المتكررة المناهضة لباريس وقيامهم بقطع الطريق على القوافل الفرنسية العسكرية.
التنين الصيني يبسط جناحيه
تصاعد الدور الصيني في منطقة ساحل إفريقيا الغربي بالتزامن مع الدور الروسي المتعاظم وتراجع الدور الفرنسي أيضًا، وذلك لتأمين كافة الموانئ اللازمة لنجاح مبادرة “الحزام والطريق”، وذلك عبر قيام الصين باستخدام استراتيجية مختلفة عن القوى القديمة في إفريقيا وهي تقديم الدعم دون التدخل في الشؤون الداخلية وللتدليل على ذلك.
فقد قدمت الصين قرضًا لأنجولا بقيمة 2 مليار دولار بفائدة بسيطة 1.5 بالمئة لمدة 17 عام بعد الضغوط التي تعرضت لها الحكومة الأنجولية وفشلها في الحصول على القرض من صندوق النقد الدولي، وفى مقابل ذلك نجحت الصين في توقيع عقد للحصول على عشرة آلاف برميل نفط يوميًا من أنجولا كما استحوذت على 70 بالمئة من عقود مشاريع البناء والخدمات بها.
كذلك أنقذ تعليق سداد الديون لمدة ثلاث سنوات كل من أنجولا وتشاد والكونغو وموريتانيا والتي تعرضت لضغوط مالية شديدة بسبب انهيار أسعار السلع الأساسية نتيجة أزمة “كوفيد 19″، وبالتالي فقد وجدت تلك الدول بديلًا اقتصاديًا عن السياسة الغربية التي تزيد من الضغوط عليها.
وكذلك الصعود والتواجد العسكري لقوات “فاجنر” الروسية في المنطقة والتي رأى فيه قادة المنطقة وشعوبها خلاصًا من تهديد الجماعات الإرهابية، حيث بدأت قوات شركة فاجنر الروسية في ممارسة دورها الأمني والعسكري معًا وأن تحل محل القوات الفرنسية بمناطق غرب ووسط القارة، كان آخرها تسلمها قاعدة ميناكا في شمال شرق مالي عقب تسلم الجيش المالي للقاعدة من الفرنسيين بيومين اثنين، وتعد قاعدة ميناكا، هي المرحلة قبل الأخيرة من رحيل قوة برخان نهائيًا من الأراضي المالية.
آخر الانقلابات.. والدروس المستفادة
وأخيرًا انقلابي النيجر والجابون باعتبارهما ضمن أواخر مواقع للوجود الفرنسي في غرب إفريقيا وبذلك يتقلص النفوذ الفرنسي لأدنى مستوياته منذ مؤتمر برلين الاستعماري في إفريقيا وكتأسيس لمرحلة جديدة للتعاون مع الدول الإفريقية.
وختامًا، تبرز العديد من الدروس المستفادة من أفول النفوذ الفرنسي في إفريقيا التي يمكن استخلاصها من الفشل الفرنسي في مالي ومنطقة الساحل الإفريقي، منها عدم وجود استراتيجية واضحة المعالم لفرنسا في التعامل مع التغيرات الجديدة لدى شعوب وحكومات الدول الإفريقية، والتي ظلت تتعامل معها بنفس الرؤية والأساليب التي كانت خلالها فرنسا هي المسيطر الرئيس على المنطقة، كذلك عدم وجود تأييد داخلي في فرنسا للوجود الفرنسي والبث عن جدوى ذلك الوجود في ظل تعرض القوات الفرنسية لهجمات متتالية راح ضحيتها العشرات من القوات الفرنسية.
بالإضافة إلى الخسائر المالية في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها اغلب الدول الأوروبية بالتزامن مع عدم توضيح الاستراتيجية الفرنسية داخليًا مما مثل ضغوطًا متزايدة على حكومة مانويل ماكرون، وأخيرًا أن التعاون خارج الشرعية القانونية مع الأنظمة التي تصل إلى السلطة مخالفة للشرعية والدستور لا يمكن ضمان ولائهم لا سيما أن أهم ما يهم تلك الأنظمة، هو استمرارها على كرسي الحكم بغض النظر عن المحرك الكبير من وراء الستار سواء كان فرنسا أو بديل روسي أو صيني.



