أزمة النيجر.. سيناريوهات صراع المصالح على أرض اليورانيوم

خاص // وابامز

انتهت في 6 أغسطس الجاري، المهلة التي حددتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) للمجلس العسكري في النيجر لإعادة الرئيس المعزول محمد بازوم إلى السلطة، ما يعني أن الأزمة في البلاد أصبحت أمام سيناريوهات مختلفة ومفتوحة المدى عقب انقلاب مضى عليه أسبوعان.

الساعات الأخيرة شهدت تجاهل المجلس العسكري في النيجر، المهلة التي حددتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) لإنهاء الانقلاب وإعادة الرئيس المحتجز محمد بازوم إلى منصبه، وتقرر أن تعقد المجموعة قمة لقادتها الخميس المقبل، لبحث تطورات الموقفن وسط ترقب للعديد من السيناريوهات القابلة للتطبيق من بينها تدخل إيكواس عسكريًا.

وتنحصر عقوبات المجموعة “إيكواس” الراهنة على النيجر، في فرض حظر سفر وتجميد أصول على المسؤولين العسكريين الضالعين في محاولة الانقلاب بالنيجر، وتجميد أصول البلاد في البنوك المركزية للدول الأعضاء بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، بجانب إيقاف جميع المعاملات التجارية والمالية بين النيجر وجميع الدول الأعضاء فيها.

أرض اليورانيوم.. واحتمالات العزلة

حسب خبراء فإنه على المدى القصير، من المرجح اتساع دائرة العقوبات، مع تنامي احتمالية فرض عزلة إقليمية على النيجر، ما يعني خنق اقتصاد الدولة التي تعد من بين أفقر دول القارة الإفريقية، وتتكالب عليها قوى دولية كبرى بسبب امتلاكها كنوز ثمينة من الموارد الطبيعية، لعل أهمها اليورانيوم، وهو ما حول النيجر إلى ساحة صراع دولية.

تصنف النيجر ضمن أكبر 7 دول منتجة لليورانيوم في العالم في العام 2023، رغم أن إنتاجها من هذا المعدن عام 2022 تراجع إلى أقل من النصف، مقارنةً بما كان عليه في 2013.

ففي عام 2022، أصبح إنتاج النيجر نحو ألفي طن من اليورانيوم مقارنة بأكثر من 4,500 طن في عام 2013، حسب ما تشير إحصائيات الجمعية العالمية للطاقة النووية.

ويشكل اليورانيوم النيجري ما يطلق عليه كثيرون “الكعك الأصفر” الذي من شأنه أن ينتشل البلاد من مأزقها الاقتصادي، لكن طيلة السنوات الماضية لم يتحقق ذلك، ولا تزال عجلة التنمية متعثرة ويستمر الوضع الاقتصادي في التردي.

ويقول الباحث الاقتصادي بمركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، حسام عيد أبونعمة، إنه مع استمرار الأزمة الراهنة، ربما تتعرض فرنسا لأزمة طاقة؛ حيث يمثل يورانيوم النيجر نحو 35 بالمئة من احتياجات الصناعة الفرنسية، ويساعد محطاتها النووية على توليد 70 بالمئة من الكهرباء، وربما يكتسي الصراع بطابع غربي يحركه أمن الطاقة.

وأضاف حسام أبو نعمة في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط“: لطالما اعتبرت فرنسا إفريقيا ملعبها الخلفي، لكن الزمن تغير، وباريس تدرك ذلك وتحاول جاهدة منع التحولات الجيوسياسية، والقيادة الفرنسية والاستخبارات تدرك أن خروج دولًا مثل مالي وإفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو وغينيا واليوم النيجر، سيمتد لا محالة لبلدان غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية في وقت قياسي.

الحل العسكري

كان اللجوء إلى الخيارات العسكرية بتدخل “إيكواس” سيناريو قابلًا للتطبيق في النيجر وكان محتملًا بشكل كبير بعد ساعات من الانقلاب العسكري وتهديدات فرنسا ومجموعة “إيكواس”، إلا أن الأمر أصبح شبه مستحيل لأنه لو حدث قد يدخل الشعب في حرب أهلية دون نهاية قريبة.

دلالات ذلك ترتبط وثيقًا بعد رفض مجلس الشيوخ النيجيري التدخل عسكريًا والسماح للرئيس بولا تينوبو، الذي يتولى رئاسة إيكواس، بنشر قوات تابعة لنيجيريا في نيامي، أيضًا بعد إعلان بوركينا فاسو ومالي اعتبارهم أي تدخل عسكري ضد النيجر بمثابة عدوان على البلدين.

 كما أن غينيا وبوركينا ومالي أعلنوا خروجهم من مجموعة (الإيكواس) مما يجعل تهديدات الإيكواس الحالية للمجلس العسكري في النيجر مجرد “حبر على ورق”، خصوصًا أن الجزائر الدولة الإقليمية القوية رفضت بشكل لا لبس فيه أي حرب أو عدوان أجنبي على النيجر.

بل حتى الرئيس السنغالي ماكي سال حليف فرنسا والرجل القوي في الإيكواس يواجه مظاهرات كبيرة مؤيدة لزعيم المعارضة عثمان سونكو المعارض لفرنسا؛ وهي نفسها مظاهرات معارضة لأي تدخل عسكري في النيجر، كما أن الحاضنة الشعبية للمجلس العسكري الحاكم في النيجر كبيرة.

تمديد المهلة

يبقى تجديد مجموعة (إيكواس) المهلة الممنوحة للمجلس العسكري في نيامي حلًا قائمًا وتسود تخوفات أن يكون الطرح بالتمديد نوعًا من التنازلات أو ضعف الموقف السياسي والعسكري في مواجهة القوة العسكرية لجيش النيجر.

وتسود مخاوف بعد أن صعد المجلس العسكري من خطابه ضد الغرب وإيكواس إثر تعثر جهود الوساطة الدبلوماسية المبذولة من عدد من الدول الإفريقية المجاورة، وأعلن عسكريوا النيجر عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع نيجيريا وتوجو والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وقال إنه يعمل على إلغاء الاتفاقيات العسكرية مع باريس.

يتخوف مراقبون أن يتأزم طرح تمديد المهلة للمجلس العسكري في النيجر إثر إعلان الولايات المتحدة إيقاف جانبًا من مساعداتها لحكومة النيجر، فيما ستواصل تقديم المساعدات الإنسانية والغذائية.

انتقال السلطة

يُتوقع أن يتفق المجلس العسكري وإيكواس على جدول زمني للعودة إلى الحكم الديمقراطي في النيجر ضمن مساعي لتهدئة الأمور وإيجاد حل وسط، على أن يتضمن الاتفاق إطلاق سراح الرئيس المعتقل محمد بازوم وعدد من رؤوس السلطة والمعتقلين السياسيين الأخرين.

وترى دوائر غربية أن هذا الطرح سيكون مدعومًا بشدة من منظمات أممية ومنصات حقوقية دولية وطالما كان مطلبًا أساسيًا لأولئك الذين أدانوا الانقلاب في إفريقيا بوجه عام؛ لأنه يتوافق مع الطرح الديمقراطي لتداول السلطة، كما سيجنب النيجر الوقوع في براثن حقبة دموية كما حدث في دول إفريقية مجاورة.

يتوافق هذا السيناريو مع تكرار تجربة نجاحه السابقتين بالموافقة على عمليات انتقال إلى الديمقراطية في جارتين للنيجر في منطقة الساحل هما مالي وبوركينا فاسو، واللتين استولى الجيش على السلطة فيهما في السنوات الأخيرة.

صراعات النفوذ

أعلنت أمريكا براءة روسيا من التدبير للانقلاب في النيجر، وأكد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، الثلاثاء، أن ما حدث ويحدث في النيجر لا علاقة لروسيا أو مجموعة فاغنر به، لكنه عاد وحذر من أن فاغنر قد تستغل حالة عدم الاستقرار هناك لتحقيق مصالح موسكو.

ويرى محللون أن روسيا تسعى بقوة لبسط نفوذها في بلدان إفريقيا وطرد الوجود الفرنسي ذو الإرث التاريخي الذي امتد لأكثر من خمسة عقود، لذا فالتصريحات الروسية والبراءة من الاستفادة من انقلاب نيامي كانت للاستهلاك الإعلامي ليس أكثر.

ويقول الباحث بمركز الخليج للدراسات السياسية والاستراتيجية محمود رأفت إن روسيا المشغولة بالمستنقع الأوكراني الذي أوقعها فيه الغرب والمنهكة اقتصاديًا بسبب الحرب وبسبب العقوبات الغربية تريد الاستفادة من ثروات إفريقيا وهو ما تفعله الآن في مناجم إفريقيا الوسطى تحديدًا وتريد أن تفعله لاحقًا في مناجم اليورانيوم بالنيجر.

وأضاف محمود رأفت في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” إنه لم يكن من المستغرب رفع النيجريين لإعلام روسيا في حراكهم المؤيد للمجلس العسكري الحاكم، حتى أن بعضهم رفع الأعلام التركية بعد تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان عن “مظلومية الأفارقة” مع فرنسا التي نهبت ثروات بلادهم لعقود.

حلقة صراع جديدة

يرى الباحث في العلاقات الدولية بمعهد البحوث والدراسات العربية الدكتور يسري عبيد، مؤكدًا أن ما يحدث في النيجر هو رد روسي قوي على ما تبذله فرنسا من جهد في مساندة أوكرانيا خلال الحرب التي تجاوزت العام ونصف العام.

وقال يسري عبيد في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: الأمر يبدو أكبر من دوري فرنسا وروسيا؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لقادة الانقلاب في النيجر بالارتماء في الأحضان الروسية بشكل مطلق، وهذا ما أكدته وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند بعد ما التقت قادة المجلس العسكري الحاكم في النيجر عندما قالت: “إنهم يدركون مخاطر التحالف مع روسيا”.

تبقى المحصلة أن ما قاله الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، في 2008 إنه دون إفريقيا ستنحدر فرنسا إلى صفوف دول العالم الثالث، بات قريبًا للغاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى