سَقطَة أفغانستان تُحيي «خطة تشرشل» أمام بايدن

ماذا يحدث حال غزو الصين لتايوان؟

أمل محمود // وابامز 

يعد ملف استعادة الصين لجزيرة تايوان، هو أكثر الملفات التي يبرز فيها التنافس الجيوسياسي بين كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية والصين في منطقة المحيط الهادئ، وشهد هذا الملف تصعيدًا على مدار الفترة الماضية، خاصة في أثناء زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، نانسي بيولوسي إلى تايوان، خلال أغسطس من العام الماضي.

واتخذت المنافسة منعطفًا جديدًا؛ بدخولها إلى عالم التكنولوجيا، ومجال صناعة أشباه الموصلات، لدرجة أن التنافس التجاري بين القوتين العالميتين، قد يهدد مستقبل تلك الصناعة برمتها؛ ما جعل وزير الدفاع التايواني، تشيو كو تشينج، يحذر من أن القوات المسلحة لبلاده «لن تتسامح» حال تدمير أي منشأة تايوانية، سواء كان عمدًا أو عن غير قصد(1).

وجاء هذا التصريح؛ كَـ«رَدٍّ» على ما أدلى به عضو الكونجرس الأمريكي «سيث مولتون»، من حديث، حول استخدام الولايات المتحدة لسياسة «الأرض المحروقة» تجاه صناعة الرقائق الأمريكية؛ في حال غزو الصين لتايوان، إذ عبَّر عن ضرورة تحذير الولايات المتحدة الأمريكية للصين، وتهديدها باستهداف شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC)؛ إذا ما عزمت على مهاجمة تايوان، وذلك خلال مؤتمر في معهد «ميلكن» بولاية كاليفورنيا، والمنعقد في بداية مايو الجاري(2).

فعلى الرغم من تعهد واشنطن بالدفاع الدائم عن الجزيرة الواقعة على بحر الصين الجنوبي ضد أي عدوان صيني، ومحاولاتها المستمرة لتثبيت نفوذها- في تلك المنطقة بالتحديد- لتحجيم الخطر الصيني؛ إلا أنه في الآونة الأخيرة تردد الحديث عن احتمالية تطبيق «سياسة الأرض المحروقة» في تايوان، أكثر من مرة، على لسان مسؤولين حاليين وسابقين.

ولا يُعتبر تصريح عضو الكونجرس «سيث مولتون»، هو الأول من نوعه، ففي مارس الماضي، صرح روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في إدارة دونالد ترامب، لصحيفة «Business Insider»، بأن الولايات المتحدة لن تسمح أبدًا للصين بالاستحواذ على مصانع أشباه الموصلات في تايوان، وقارن «أوبراين» حالة لجوء الولايات المتحدة لتدمير المصانع، بحالة تاريخية، وهي قرار رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، بتنفيذ عملية لتدمير الأسطول الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، بعد استسلام فرنسا لألمانيا(3).

الأهمية الاستراتيجية لشركة TSMC لأشباه الموصلات

شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC)، هي أكبر شركة لتصنيع المعالجات والشرائح الإلكترونية في العالم، وتشكل ما يقدر بنحو 90% من سوق المعالجات المتقدمة، وتنتج الشركة «رقائق» لمعظم الأجهزة والمعدات، مثل الهواتف والسيارات، كما تُستخدم «الرقائق الأكثر تقدمًا» التي تنتجها الشركة، في التكنولوجيا المتقدمة للغاية، مثل التعلم الآلي والصواريخ الموجهة، فضلًا عن أنها المورد الرئيسي لشركات التكنولوجيا الرائدة مثل «Apple وAMD و NVidia و Qualcomm، وعملاق التكنولوجيا الصيني Huawei»، بالإضافة إلى العديد من رواد التكنولوجيا حول العالم.

ولا يتوقف الأمر عند سيطرة تلك الشركة على سوق المعالجات فحسب؛ بل يمتد ليصل إلى الأمن القومي الأمريكي، إذ أن شركة (TSMC) تصنع الرقائق الإلكترونية المستخدمة في معظم أسلحة الترسانة العسكرية الأمريكية، ومن أهمها «رقائق الطائرة الشبحية الأمريكية الأشهر (F-35)»، فضلًا عن أن إنتاج الشركة بلغ نحو 13 مليون رقاقة سنويًا اعتبارًا من 2020؛ ما يجعل سوق التكنولوجيا معتمدًا «بشكل كلي» على ما تنتجه هذه الشركة، خاصة وأنها تسبق شركة مثل   «INTEL» الأمريكية بـ«جيل واحد» على الأقل، وتسبق الشركات الصينية بـ«جيلين أو أكثر» في تكنولوجيا تصنيع الرقائق(4).

ويؤدي تدمير هذا المصنع، وفقًا للرؤية الأمريكية؛ إلى تأثير اقتصادي كبير قدره  2 تريليون دولار خلال العام الواحد، فضلًا عن أنه سيؤدي إلى توقف التصنيع العالمي.

وعلى الجانب الآخر، أوضح كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ويليام آلان راينش، أن الولايات المتحدة لا يتعين عليها تدمير مصانع أشباه الموصلات في تايوان، في حالة حدوث غزو؛ لأن النظام «مدمج بالفعل بعمق في سلسلة التوريد العالمية»، مما يعني أنه يمكن للولايات المتحدة والدول الأخرى «إيقاف» الإنتاج دون «تدمير» المصانع فعليًا، موضحًا ذلك بمثال، أن شركةTSMC  لن تكون قادرة على إنتاج رقائق معينة بلا مكونات من المورد الهولاندي  ASML (أكبر وأهم مورد للآلات التي تصنع الرقائق الإلكترونية)، والمحظور على الصينيين(5).

معضلة تشرشل في تايوان (عملية المنجنيق)

سبق وذكرنا أن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، قارن في تصريحاته، القرار الذي قد تلجأ إليه دولته من «تدمير مصانع أشباه الموصلات في تايوان»، بالقرار الذي لجأ إليه رئيس الوزراء البريطاني «ونستون تشرشل» خلال الحرب العالمية الثانية، وهو «تدمير الأسطول الفرنسي الخاص بالدولة الحليفة وجارة إنجلترا»، ولفهم هذا الربط الذي أشار إليه المستشار السابق؛ سنسرد عبر السطور التالية، ما يعرف بـ«معضلة تشرشل».

خلال الحرب العالمية الثانية وتحديدًا عام 1940، واجه رئيس الوزراء البريطاني أصعب القرارات على الإطلاق؛ بعد استسلام فرنسا لألمانيا، واستعداد الأخيرة للاستيلاء على الأسطول الفرنسي بالكامل، والذي كان يعد رابع أكبر الأساطيل على مستوى العالم- حينها-، إذ كان على «تشرشل» الاختيار بين خيارين، إما أن «يثق بوعد الفرنسيين له» بأنهم «لن يسلموا سفنهم إلى هتلر أبدًا»، أو أن «يدمرها بنفسه»؛ ليضمن عدم استيلاء النازيين عليها أبدًا ويصبح تهديد «هتلر» بغزو بريطانيا «حقيقة واقعة»، وبالفعل، اختار «تشرشل» تدمير الأسطول الفرنسي، في عملية تم تسميتها بـ«المنجنيق»(6)، والتي أسفرت عن مقتل نحو 1300 بحار فرنسي، ولا يزال بعض الفرنسيين يعتبرون تشرشل «مجرم حرب» بعد هذه الحادثة الدموية، والتي أطلقوا عليها «بيرل هاربر الفرنسية»، إلا أنه على الجانب الآخر فقد كان هذا القرار ضروريا؛ لضمان الأمن البريطاني، إذ لم يكن ليغامر «تشرشل» بسقوط أسطول كبير كالأسطول الفرنسي، في يد ألمانيا؛ ليستخدموه في غزو بريطانيا(7)، ولا زالت تلك العقيدة الاستخباراتية موجودة لدى البريطانيين حتى الآن.

وعلى نفس النهج، يبدو أن الولايات المتحدة تتبنى نفس العقيدة، وقد تلجأ إلى «معضلة تشرشل» بتدمير مصانع شركة (TSMC)؛ لضمان عدم وقوعها في أيدي الصين، ومن ثم تسيطر بكين على تلك الصناعة المهمة، بل وتهدد الأمن القومي الأمريكي، باستيلائها على تقنيات تسليح أغلب الأسلحة الأمريكية المتطورة، بل وصل الأمر إلى أن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، وصف في حديثه بأنه حال «استيلاء الصين على هذه الشركة»؛ ستكون مثل «منظمة أوبك الجديدة لرقائق السيليكون»، ما سيتيح لها السيطرة على الاقتصاد العالمي، بمعنى أن واشنطن قد تلجأ إلى تدمير مجال صناعة أشباه الموصلات بالكامل، في مقابل عدم تركه يقع تحت سيطرة بكين.

واللافت أيضًا أن الخطة الأمريكية لتدمير المصنع، ليست وليدة اللحظة، وإنما تم دراستها استخباراتيًا وعسكريًا، وبالفعل، أوصى باحثان أمريكيان بـ«نفس السياسة» (الأرض المحروقة)، في ورقة نشرتها الكلية الحربية للجيش الأمريكي في عام 2021، وجاء فيها: «يتعين على الولايات المتحدة وتايوان، وضع خطط لاستراتيجية الأرض المحروقة، التي من شأنها أن تجعل تايوان غير جذابة، إذا اسْتُولِيَ عليها بالقوة»؛ ما يعني، أنها «لم تكن مجرد فكرة» عبَّر عنها مسؤول سابق فحسب؛ وإنما قد تكون «عقيدة لدى الجيش الأمريكي» بعدم السماح للصين بالسيطرة الكلية على مثل هذه الصناعة، والتفوق على الولايات المتحدة فيها(8).

توتر أمريكي- تايواني

بعد التصريحات المتبادلة بين «واشنطن» و«تايبيه» حول احتمالية «تدمير مصنع TSMC»؛ أصبح هناك خلاف واضح بين الدولتين، فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة بينهما؛ لكن هذا لا يعني أن المصالح الأمريكية «تتطابق» مع حلفائها دائمًا، فأحد أسباب تمسك الولايات المتحدة بالعلاقات مع تايوان؛ ليس فقط موقعها الجغرافي، وإنما «إتقانها لتصنيع أشباه الموصلات»، فهذه الصناعة زادت من القيمة الاستراتيجية للجزيرة بالنسبة لواشنطن(9)، لهذا، عمدت على توثيق علاقتها بالحزب الديمقراطي التقدمي، الداعم للهوية التايوانية، والمدافع عن استقلال تايوان، إلا أن النوايا الأمريكية الجديدة بشأن مستقبل تايوان، ستعمل على التقليل من شعبية هذا الحزب، في مقابل حزب الكومينتانج (القومي الصيني) المنافس له، مع قرب الانتخابات الرئاسية هناك؛ ما يجعل احتمالية فوز الحزب المتقارب مع الصين «أكبر»، بل ويزيد من ضغط القادة السياسيين في تايوان لتعزيز دفاعات الجزيرة؛ ما يهدد مستقبل الولايات المتحدة في تلك المنطقة الاستراتيجية المهمة.

ويمكن تعليل النوايا الأمريكية- التي بدأت تتكشف الآونة الأخيرة- حول مصير تايوان، إذا ما فشل الردع العسكري الأمريكي للصين الراغبة في غزو الجزيرة؛ بأن «إدارة بايدن لا تريد تكرار نفس الخطأ الذي ارتكبته عندما تركت معدات عسكرية أمريكية بقيمة 7 مليارات دولار في أفغانستان(10)، والتي سقطت في أيدي حركة طالبان عام 2021»، ووقتها، تعرضت واشنطن للانتقادات الشديدة، وعليه، فلا يمكن أن نتخيل أن أي إدارة أمريكية في البيت الأبيض لن تفكر في تأمين صناعة قيّمة كـ(الرقائق التكنولوجية وأشباه الموصلات)، بعيدًا عن احتمالية سقوطها في أيدي قوى عظمى منافسة كالصين، حتى لو كلف ذلك العالم عواقب اقتصادية كارثية، جراء تدمير مصنع TSMC.

إن الالتزامات العسكرية الأمريكية لحماية الجزيرة «لن تدوم»؛ ما لم تخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، وما يجمع حكومتي واشنطن وتايبيه حاليا؛ هو البحث عن استراتيجية، تُبقي تايوان على حالها، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مع الصين.

المصادر:

Keoni Everington (1) ، Defense minister says Taiwan will not let US ‘blow up TSMC’ during Chinese attack، Taiwan News، 9 مايو 2023. https://bit.ly/3MJkVGh

(2) Ashiah DangwalK، US Threatens To ‘Blow Up’ Taiwan’s Semiconductor Manufacturing Firm If China Invades The Island; Taipei Unhappy، Eur Asian Times، 11 مايو 2023. https://bit.ly/3MnEzGj

(3) BRITNEY NGUYEN، US would destroy Taiwan’s semiconductor factories rather than letting them fall into China’s hands, a former national security advisor says، Business Insider، 15 مارس 2023. https://bit.ly/3OsOrBj

(4) رماح الدلقموني، حرب الرقائق.. النفط الجديد النادر والصراع بين أميركا والصين.. وما علاقة تايوان؟، الجزيرة، 30 أكتوبر 2022. https://bit.ly/3MH9oXZ

(5) مصدر سابق، https://bit.ly/3OsOrBj

(6) Michael D. Hull، Mers el Kebir: Why the Royal Navy Sunk the French Fleet in WWII، Warfare History Network، https://bit.ly/3pWOs6j

(7) CHURCHILL’S DEADLY DECISION: DESTROYING THE FRENCH FLEET، International Churchill Society، 14 مايو 2010. https://bit.ly/3BPr7Gd

(8) مصدر سابق، https://bit.ly/3OsOrBj

(9) Jason Willick، Opinion  Blow up the microchips? What a Taiwan spat says about U.S. strategy، The Washington Post، 12 مايو 2023. https://wapo.st/3ok31QV

(10) حرب الرقائق والفكرة الجهنمية، روسيا اليوم، 14 مايو 2023. https://bit.ly/43bJHnR

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى