إيران وأمريكا.. اتفاق مؤقت يفتح بابًا طويلًا من الغموض الدبلوماسي

ترجمات| ستيفن إيرلانجر مراسل الشؤون الدولية في صحيفة نيويورك تايمز

يبدو أن الاتفاق المبدئي بين إيران والولايات المتحدة لم يكن نهاية للصراع بقدر ما كان بداية لمرحلة جديدة من الغموض السياسي والدبلوماسي، حيث يترقب العالم ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستتحول إلى اتفاق شامل أم ستظل مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الحسم.

ورغم الترحيب الدولي الأولي بالاتفاق، خاصة في أوروبا التي رأت فيه فرصة لوقف حرب أضرت بالتجارة العالمية ورفعت معدلات التضخم، فإن معظم المراقبين يعتبرون أن ما جرى لا يتجاوز “فترة تعليق” مدتها ستين يومًا، يُفترض خلالها بدء مفاوضات تفصيلية حول القضايا الأكثر تعقيدًا.

مفاوضات مؤجلة

تركز المفاوضات المرتقبة على ثلاثة ملفات رئيسية: البرنامج النووي الإيراني، وممر الملاحة في مضيق هرمز، وبرنامج الصواريخ الإيراني. ورغم أن هذه القضايا هي جوهر الصراع بين إيران والغرب منذ سنوات، فإن الاتفاق الحالي لم يقدم سوى إطار عام دون حلول تفصيلية.

ويكمن القلق الأساسي لدى الأوروبيين في أن هذه الفترة المؤقتة قد تتحول إلى حالة دائمة من “التجميد الدبلوماسي”، حيث تبقى الأزمة معلقة دون اتفاق نهائي أو عودة إلى الحرب، وهو سيناريو سبق أن تكرر في ملفات تفاوضية سابقة مع إيران.

البرنامج النووي

أحد أبرز نقاط الغموض يتعلق بمصير المخزون النووي الإيراني، بما في ذلك كميات من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يقترب من المستوى المستخدم في تصنيع سلاح نووي. فالاتفاق الحالي ينص فقط على تخفيف نسبة التخصيب إلى حدود 3.67%، وهي نفس النسبة التي اعتمدها اتفاق عام 2015، دون إلزام واضح بنقل المخزون خارج إيران.

هذا يعني أن المواد النووية ستبقى داخل الأراضي الإيرانية تحت رقابة دولية، مع إمكانية إعادة تخصيبها في حال انهيار الاتفاق، وهو ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج الأزمة في أي لحظة.

كما أن دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية يظل محورياً لكنه غير محسوم بشكل كامل، إذ ستتولى مراقبة عملية تخفيف اليورانيوم، بينما تبقى تفاصيل التفتيش والرقابة المفاجئة محل تفاوض. وتعتبر هذه النقطة جوهرية بالنسبة للدول الأوروبية والسعودية، التي ترى أن أي اتفاق دون آليات تحقق صارمة لن يكون قابلًا للاستمرار.

مضيق هرمز

يمثل مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في الاتفاق، نظرًا لدوره الحيوي في تدفق النفط العالمي. فالاتفاق ينص على السماح بحرية الملاحة خلال فترة التفاوض، لكنه يترك مستقبل المضيق مفتوحًا للنقاش، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم أو ترتيبات إدارية جديدة.

وتشير بعض التسريبات إلى أن إيران تسعى، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، إلى فرض نوع من الرسوم على عبور السفن، وهو ما تعتبره أطراف دولية تناقضًا مع القانون البحري الدولي. ومع ذلك، تبقى الفكرة مطروحة ضمن الإطار التفاوضي، ما يثير قلق الدول المستوردة للطاقة.

الصواريخ الإيرانية

من اللافت أن الاتفاق لم يتطرق بشكل مباشر إلى برنامج الصواريخ الإيراني، رغم كونه أحد أهم مصادر القلق في المنطقة وأوروبا. هذه الصواريخ، التي تطورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، قادرة على الوصول إلى إسرائيل وعدد من العواصم الأوروبية، ما يجعلها عنصرًا رئيسيًا في حسابات الأمن الإقليمي.

لكن في المقابل، لا يشكل هذا الملف أولوية لدى الإدارة الأمريكية في الاتفاق الحالي، وهو ما اعتبره بعض المراقبين تنازلًا إضافيًا يقلص من حجم الضغط على طهران، خاصة في ظل غياب تهديد عسكري واضح بإعادة الحرب.

تراجع أدوات الضغط الأمريكية

أحد أبرز التحولات التي رافقت الاتفاق هو تراجع الولايات المتحدة عن استخدام بعض أدوات الضغط التقليدية، سواء عبر العقوبات النفطية أو التهديد العسكري المباشر. هذا التراجع أدى إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المفاوضات، في وقت تستفيد فيه إيران من هذا الانفراج لإعادة ترتيب وضعها الاقتصادي والسياسي.

كما أن وقف العمليات العسكرية أو تجميدها يضعف من قدرة واشنطن على فرض شروط تفاوضية صارمة، ويجعل المسار الدبلوماسي أكثر اعتمادًا على التفاهمات السياسية بدلًا من الضغط الميداني.

أوروبا بين القلق والأمل

ترى الدول الأوروبية أن الاتفاق، رغم هشاشته، يمثل فرصة لتجنب تصعيد إقليمي جديد قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي. لكن في الوقت نفسه، هناك قلق واضح من أن تتحول المفاوضات إلى حالة دائمة من التأجيل دون نتائج ملموسة.

فالتجارب السابقة مع إيران أظهرت أن فترات التهدئة غالبًا ما تتحول إلى جولات جديدة من التوتر، خاصة عندما تغيب آليات رقابة صارمة أو التزامات واضحة من جميع الأطراف.

مستقبل غير محسوم

المشهد الحالي يعكس توازنًا دقيقًا بين رغبة في إنهاء الحرب من جهة، وخلافات عميقة حول القضايا الأساسية من جهة أخرى. وبينما تسعى إيران إلى تثبيت مكاسبها السياسية والاقتصادية، تحاول الولايات المتحدة تجنب حرب مكلفة سياسيًا واقتصاديًا، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض أهدافها الاستراتيجية.

لكن الأكيد أن هذا الاتفاق لا يمثل نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، حيث تصبح الدبلوماسية بديلاً مؤقتًا عن الحرب، دون ضمانات بأن هذا البديل سيكون مستقرًا أو طويل الأمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى