أبعد من وحدة سوريا

بقلم| رفيق خوري

عرفت سوريا التقسيم والوحدة والانقسام والوحدة مع سواها. أیام الانتداب الفرنسي جرى تقسيمها إلى أربع دول: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، ودولة الدروز. لكن هذا التقسيم لم يصمد أمام إرادة الشعب في کل سوریا وعزم قادته في تلك الأيام وأبرزهم سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي.

سوريا محكومة بأن تكون واحدة موحدة أرضاً وشعباً ومؤسسات. لكن التحكم بالشعب والمؤسسات يجعل الوحدة الجغرافية شكلية والمؤسسات مجرد هياكل فارغة. والمسألة ليست المركزية أو اللامركزية. المسألة هي أي مركزية وأي اللامركزية. فالمركزية من دون تشاركية في السلطة تشمل كل ألوان الطيف السياسي هي طغيان وبطاقة دعوة إلى انفجار. واللامركزية على أسس غير جغرافية هي عودة إلى ما قبل الدولة. وهما معاً من دون ديمقراطية ومواطنة مجرد صراع على “غنيمة” يتم تقاسمها بین “قبائل” بحسب قوة كل منها أو يستحوذ عليها الطرف الأقوى بينها.

وليس قليلاً ما جربته سوريا من أشكال وأنظمة وفرز وضم قبل الاستقلال وبعده. وهي أصلاً أسيرة ازدواجية وطنية وقومية في الفكر الأيديولوجي والعمل السياسي. فمن جهة هي “قُطر” إلى جانب “أقطار” في أمة لن تصبح وطناً إلا في مشروع الوحدة العربية وقيام “الدولة‐الأمة”. ومن جهة أخرى هي، في نظر نفسها، مركز العمل للأمة و”قلب العروبة النابض” كما سماها الرئيس جمال عبدالناصر. والمفارقة أن الدعوات إلى “الدولة الوطنية” صارت هي النموذج في هذه الأيام على حساب الدعوات إلى الدولة – الأمة، العربية أو الإسلامية أو السورية القومية، في حين قصّرته سوريا في بناء الدولة الوطنية.

ذلك أن سوريا عرفت التقسيم والوحدة والانقسام والوحدة مع سواها. أیام الانتداب الفرنسي جرى تقسيمها إلى أربع دول: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، ودولة الدروز. لكن هذا التقسيم لم يصمد أمام إرادة الشعب في کل سوریا وعزم قادته في تلك الأيام وأبرزهم سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي. بعد الاستقلال اندفعت سوريا عام 1958 إلى وحدة اندماجية مع مصر كانت قصيرة العمر بحيث انتهت في خريف 1961. بعد سقوط الوحدة ووصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وسوريا جرت محاولات لإقامة وحدة اتحادية ثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، لكنها انتهت قبل التنفيذ. حتى محاولات الوحدة بين سوريا والعراق، فإنها فشلت وتحولت إلى عداء بين ما سمي البعث السوري والبعث العراقي.

أما في حقبة آل الأسد الطويلة، فإن سوريا بقيت موحدة بالعنف والقمع في مواجهة انتفاضات دموية جرى سحقها بمجازر مخيفة كما حدث في حماة، ثم وصلت بعد عام 2011 في حرب سوريا إلى انقسام بين المناطق، إذ تحكمت بالأرض أربعة جيوش ومعها ميليشيات من كل نوع. أما إحدى النظريات التي شاعت خلال ثورات ما سمي “الربيع العربي”، فإن قوامها أن ما انتهت إليه في سوريا هو عكس ما أراد رئيس النظام السابق بشار الأسد الحصول عليه.

فهو سارع إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين في رهان على “عسكرة” الانتفاضة، لأن العسكرة تقود حكماً إلى “التطرف والتطيف” ومن ثم تُخرج المعتدلين وتترك الساحة للمتشددين، بحيث يضع أمام العرب والغرب خياراً محدداً: النظام أو الأصولية، على أمل أن يبقى في السلطة. لكن اللعبة انتهت بانهيار النظام وهرب الأسد وحمل أميركا وتركيا “هيئة تحرير الشام” التي قادها أبو محمد الجولاني، قبل كشف اسمه الحقيقي أحمد الشرع، وتوليه الرئاسة.

والخطوة المفترضة بعد استعادة دمشق لشرق الفرات والتفاهم مع “قسد”، هي إيجاد تسوية لمسألة السويداء ومسألة الساحل الغربي. وإذا كانت استعادة شرق الفرات احتاجت إلى مزيج من العمل العسكري والاتفاق السياسي بإشراف أميركا وتركيا، فإن التسوية في السويداء والساحل تكون سياسية خالصة أو لا تكون.

والأهم من التسوية هو ما بعدها. وإذا كان الرئيس الشرع قد نجح بامتياز في انفتاح سوريا على الخارج وانفتاح الخارج على دمشق بعد عزلة طويلة وعقوبات، فإن التحدي هو إکمال الانفتاح الخارجي بالانفتاح الداخلي. لا بالخطابات بل بالأفعال. ولا بالوعود بل ببناء ما لا بد منه في المرحلة الانتقالية.

والحد الأدنى هو شراكة ضرورية في السلطة المركزية، وأداء مرن في الإدارة اللامركزية. رؤية واضحة للنظام الاقتصادي الليبرالي وقوانين عصرية للاستثمار وقضاء عادل شفاف ومستقل، وإلا بقيت الاستثمارات على الورق. والأهم وضع دستور وقانون أحزاب لإعادة السياسة إلى الحياة بعد “تصحرها” الطويل، ومن ثم لكي يدرك الناس ماذا في نهاية المرحلة الانتقالية.

المصدر|  “اندبندنت عربية”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى