قمة الناتو في أنقرة.. أوروبا الشرقية تبحث عن ضمانات أمنية مع تراجع الدور الأمريكي

أماندا كوكلي – المستشارة الاستراتيجية وزميلة برنامج مستقبل أوروبا في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، ، في موقع World Politics Review

إن دول أوروبا الشرقية تدخل قمة الناتو في أنقرة وسط حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الالتزام العسكري الأمريكي بأمن القارة، في وقت تتزايد فيه التهديدات الروسية وتواصل الدول الأوروبية رفع إنفاقها الدفاعي بوتيرة غير مسبوقة. وترى أن القمة تمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي، لكنها قد تكشف أيضًا أن أوروبا باتت مطالبة بتحمل مسؤوليات أمنها بصورة أكبر، في ظل توجه واشنطن لإعادة توزيع أولوياتها العسكرية عالميًا.

قمة الناتو في أنقرة

شهدت مدينة غدانسك البولندية اجتماعًا ضم قادة إستونيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا والسويد، في خطوة عكست تنامي التنسيق الأمني بين دول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.

وأكدت الدول المشاركة، في إعلانها المشترك، دعم مبادرة الاتحاد الأوروبي الخاصة بمراقبة الجناح الشرقي، إلى جانب الالتزام بهدف الناتو برفع الإنفاق على الدفاع والأمن إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، في رسالة تؤكد استعداد هذه الدول لتحمل جزء أكبر من مسؤوليات الدفاع الجماعي.

ويأتي هذا التحرك في ظل قناعة متزايدة بأن المواجهة مع روسيا لن تكون مؤقتة، وإنما تمثل تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد يتطلب تعزيز القدرات العسكرية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، وزيادة الاستثمارات في الطائرات المسيّرة والاستطلاع العسكري والبنية التحتية اللوجستية.

مشكلة دول شرق أوروبا

رغم الزخم الذي تشهده برامج التسلح الأوروبية، ترى دول شرق أوروبا أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بحجم الإنفاق فقط، وإنما بكيفية تعويض أي تراجع في الدور العسكري الأمريكي داخل الحلف.

فالقوات الأمريكية لا توفر مجرد أعداد إضافية من الجنود، بل تمنح الناتو قدرات يصعب تعويضها سريعًا، مثل أنظمة القيادة والسيطرة، والاستخبارات، وطائرات الإنذار المبكر، والطيران الاستراتيجي، وقدرات التزود بالوقود جوًا، وهي عناصر تشكل العمود الفقري لأي عملية دفاعية واسعة داخل أوروبا.

ولهذا تأمل دول الجناح الشرقي أن تخرج قمة الناتو في أنقرة برسائل واضحة تؤكد استمرار الالتزام الأمريكي بالدفاع الجماعي، حتى مع مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من الأعباء المالية والعسكرية.

واشنطن تقلص مساهمتها في الحلف

تزايدت المخاوف الأوروبية بعد إعلان الولايات المتحدة تقليص مساهمتها في نموذج قوات الناتو، وهو النظام الذي يحدد القوات الجاهزة للتدخل خلال الأزمات أو النزاعات الكبرى.

وتشمل الإجراءات الأمريكية خفض عدد الطائرات المقاتلة المخصصة لعمليات الحلف في أوروبا، وتقليص طائرات الاستطلاع البحري، إلى جانب سحب طائرات التزود بالوقود جوًا، وهي قدرات تعد ضرورية لزيادة مدى العمليات الجوية واستمرارها لفترات طويلة.

كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة شاملة لانتشار القوات والقواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا خلال الأشهر المقبلة، ما أثار مخاوف من احتمال اتخاذ خطوات إضافية لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة.

ورغم أن الكونغرس الأمريكي وضع قيودًا على أي خفض كبير للقوات دون التشاور مع الحلفاء، فإن هذه القيود لا تمثل ضمانة دائمة، بل تعكس إدراكًا داخل واشنطن بإمكانية حدوث تغييرات أكبر مستقبلًا.

انقسام أوروبي

تكشف التحركات الأخيرة وجود تباين داخل أوروبا بشأن أفضل السبل للتعامل مع التحولات الأمريكية. فبعض الحكومات ترى أن الأولوية تتمثل في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الناتو لا يزال يخدم المصالح الأمريكية، وأن استمرار الالتزام العسكري الأمريكي يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار القارة.

في المقابل، تعتقد حكومات أخرى أن أوروبا مطالبة بالاستعداد لسيناريو يتراجع فيه الدور الأمريكي بصورة أكبر، وهو ما يفرض تسريع بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة تستطيع تعويض أي انسحاب أمريكي مستقبلي.
ويعكس هذا الانقسام اختلافًا في تقدير حجم المخاطر، لكنه يتفق على ضرورة استمرار التنسيق بين الدول الأوروبية لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

قمة الناتو في أنقرة بين الطموحات والواقع

تدخل دول أوروبا الشرقية قمة الناتو في أنقرة بتوقعات محدودة، إذ تدرك أن القمة قد لا تنتج اتفاقًا جديدًا يعيد صياغة العلاقة الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة، لكنها تأمل على الأقل في الحفاظ على مستوى الوجود العسكري الأمريكي الحالي، ومنع إجراء تخفيضات إضافية في القدرات التي يعتمد عليها الحلف.

كما تتطلع هذه الدول إلى استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، وتعزيز الدفاعات الجوية الأوروبية، وتسريع برامج تطوير الصناعات الدفاعية، بما يقلل تدريجيًا من الاعتماد على القدرات الأمريكية.

ورغم الزيادات الكبيرة في الإنفاق العسكري الأوروبي، فإن بناء قوة ردع قادرة على تعويض الدور الأمريكي يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والتطوير، سواء في مجالات الدفاع الجوي، أو الضربات بعيدة المدى، أو الاستخبارات، أو النقل العسكري، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة انتقالية أكثر منها تحولًا كاملًا في بنية الأمن الأوروبي.

وتشير المعطيات إلى أن قمة الناتو في أنقرة لن تكون نقطة انطلاق لتحالف جديد بقدر ما ستكون اختبارًا لقدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه، في وقت تتغير فيه أولويات الولايات المتحدة، بينما تسعى أوروبا إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا دون التخلي عن الشراكة عبر الأطلسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى