أشهر أخطاء الكتابة الصحفية عربيًا ودوليًا .. الأسباب والحلول

سعد البحيري – وابامز
بالرغم من أن أخطاء الكتابة الصحفية قديمة وربما تعود إلى تاريخ الصحافة ذاته، إلا أنها في العصر الحديث تحولت إلى ظاهرة تؤثر بشكل سلبي على جودة المحتوى الصحفي خاصة مع التوسع في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وظهور مفهوم المواطن الصحفي الذي يمكنه نقل الخبر عبر كاميرا هاتفه الجوال مع بعض الكلمات البسيطة والتي يتلقفها البعض من العاملين في مجال الصحافة ليتناقلوها عبر وسائلهم الإعلامية دون التدقيق في محتواها أو دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في الموضوع من كافة جوانبه لكن الصراع حول السبق الصحفي يتقدم دائمًا على جودة المحتوى ودقته لدى فئة كبيرة من العاملين في الصحافة.
في هذه الدراسة يحاول مركز الوشم لدراسات السياسة والإعلام التطرق إلى أخطاء الكتابة الصحفية من حيث أنواعها والأسباب التي جعلتها تتحول إلى ظاهرة وطرق العلاج أو الحلول المقترحة.
أولا: أنواع الأخطاء الصحفية
يمكن تقسيم أخطاء الكتابة الصحفية إلى مجموعتين لكل منهما أسباب ومظاهر وأساليب للعلاج لكن يبقى الأمر في الأول والأخير مرهون بقدرات الصحفي وخبراته العملية والعلمية خاصة مع انحسار دور المدقق اللغوى بشكل أو بآخر بالتزامن مع انتشار الصحافة الإلكترونية.
1- الأخطاء المطبعية
وهذا النوع من الأخطاء اقترن بشكل كبير مع الصحافة المطبوعة حيث كانت الصحيفة تطبع وتوزع ولا يمكن تدارك الخطأ بل ربما في بعض الحالات كان لا يمكن اكتشاف الخطأ إلا بعد نزول الصحيفة إلى الشارع ودخولها البيوت وهذا النوع من الأخطاء تراجع بشكل كبير بعد التقدم في وسائل الطباعة والتدقيق اللغوي الآلي أو البشري على حد سواء.
أنواع الأخطاء المطبيعة
هناك العديد من حالات الأخطاء المطبعية الشهيرة حول العالم والتي تسببت في أزمات للصحيفة أو المسؤولين عن النشر ومن بينها ما يلي:
- عدم التقيد بوضع فواصل بين العناوين الرئيسية أو ألوان الفونتات المستخدمة في العناوين حيث يتم التعامل معها على أنها عنوان واحد مثل ما حدث في صحيفة مصرية نشرت خبرًا عن القبض على سفاح خطير كان الرئيس جمال عبدالناصر أوصى بمتابعة قضيته وتزامن نشر الخبر مع زيارة الرئيس عبدالناصر إلى الهند فجاء المانشيت الرئيسي لصحيفة الأهرام بعنوان :
القبض على السفاح
عبدالناصر في الهند وكانت أزمة كبيرة بسبب عدم وضع فاصل بين العنوانين. - الأخطاء في كتابة حرف بدلا من حرف آخر وهنا المعنى قد يتبدل وهذا ما أشار إليه الكاتب المصري أحمد رجب في كتابه عن الأخطاء الصحفية مستدلا على ذلك بمانشيت صحيفة الجمهورية عن الرئيس المصري الراحل أنور السادات حيث جاء العنوان كما يلي:
الرئيس المؤمن يتضاءل بالبيض وكان العنوان الصحيح الرئيس المؤمن يتفاءل بالبيض. - ونشرت صحيفة الأهرام المصرية مقالا تشيد فيه بالشيخ الخضري أحد مشايخ الأزهر وعنوان المقال كان : الصحيفة تثني على عمة الشيخ الخضري الكبيرة فيما كان المفترض أن يقول : الصحيفة تثني على همة الشيخ الخضري الكبيرة ولسوء الحظ كان معروفًا أن عمة الشيخ كبيرة فعلا مما أثار أزمة بينه والصحيفة.

- ومن ذلك ما كتبته إحدى الصحف أنها تتمنى ” الشقاء العاجل ” بدلا من الشفاء العاجل فيما أعلنت صحيفة أخرى عن نفسها فقالت بأنها “أوسخ” الصحف انتشارًا بدلًا من أوسع الصحف فتسبب حرف العين في تلويث سمعتها .
- أخطاء في استعمال الصور الشخصية أو الموضوعية كأن يتم وضع صورة شخص بدلا من شخص آخر سواء للتشابة في الشكل أو عدم معرفة المسؤول عن النشر أو قد يتم وضع اسم شخص خطأ تحت الصورة الصحيحة للمصدر.
- ومن هذا ما ذكره الكاتب المصري أحمد رجب حين أجرت صحيفة عربية حديثا مطولا معه ثم نشرته مرفقا به صورة لزعيم المافيا الشهير جياكومو منجوزي الذي يشبهه لدرجة كبيرة واعتذرت الصحيفة عن هذا الخطأ في العدد التالي ونشرت صورة صحيحة له ولكنها كتبت تحتها : جياكومو منجوزي !
- الأخطاء في صف الموضوعات الصحفية أو كتابتها وعدم إدراك بعض الملاحظات التي يكتبها سكرتير التحرير على البروفة ومن ذلك مقال نشرته صحيفة الزمان العراقية للكاتب طالب سعدون جاء فيه ” (الكهرباء وفوانيس رمضان) (أسود رجاء) وكانت كلمة أسود رجاء عبارة عن ملحوظة كتبها سكرتير التحرير لكي يتم تلوين العنوان بالأسود .
2- الأخطاء المعرفية
هذه الأخطاء تنتج عن عدم معرفة الكاتب أو المحرر الصحفي بكافة أبعاد الموضوع الذي يتحدث عنه وعدم درايته بخصوصية المجتمع محور الخبر أو المادة الصحفية وهذه الأخطاء تشمل العديد من المظاهر منها ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
- ضعف الثقافة العامة مثل الخلط في المناصب السياسية للمسؤولين كأن يضع اسم رئيس الدولة بدلا من اسم رئيس وزرائها مثلا أو أن يضع اسم أمير منطقة بدلا من اسم أمير منطقة أخرى.
- النقل من مصادر غير موثوق بها وعدم التمييز بين الشائعة والخبر الحقيقي دون أن يكلف نفسه عناء الحصول على معلومة موثوقة فمثلا خلال الأونة الأخيرة نشط وسم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “وفاة محمد عبده” وللأسف تناقلت العديد من الصحف الخبر دون البحث عن أصوله بالرغم من أن تاريخ هذا الوسم يعود إلى عام 2013 بحسب المواقع المتخصصة في معرفة تاريخ الهاشتاق ويتم تفعيل الوسم بين الفينة والأخرى وهذا الأمر تكرر مع العديد من المشاهير الذين استيقظوا أكثر من مرة على نبأ وفاتهم.
- غياب القدرة على الحكم على منطقية المعلومات المتداولة وذلك بسبب قلة معرفة الكاتب الصحفي فنراه يطنطن بما يتم تداوله عبر منصات التواصل دون أن يتمعن فيما يقول كأن تجد أحدهم يتناقل خبر تبرع السعودية مثلا بمبلغ 10 الاف ريال لدعم إحدى الدول المنكوبة في حين أن الرقم الصحيح هو 10 ملايين مثلا لكنه لم يلفت نظر أحد.
3- الأخطاء اللغوية أو الإملائية
وهذه الأخطاء تتمثل بشكل رئيسي في عدم القدرة على الكتابة بشكل صحيح أو التعامل مع الأخطاء اللغوية والإملائية على أنها أمور ثانوية ولا تستحق تعطيل الخبر من أجلها مع العلم أن بعض الأخطاء ربما تكون كارثية وقد تتسبب في أزمة أو مشكلة للصحيفة أو الوسيلة الإعلامية وقد تجبرها على الاعتذار في بعض الحالات.

ثانيًا : أسباب الأخطاء في الكتابة الصحفية
وحول أسباب هذه الظاهرة يقول الكاتب والمفكر السعودي يعقوب إسحاق إن الكتابة هي الكتابة سواء أكانت للصحافة أو من أجل تأليف كتاب وهي تستوجب من القائم على هذا العمل أن يبذل قصارى جهده في الخروج بالنص أو المحتوى في أكمل صورة وأن يكون سليمًا ومفهومًا وواضحًا.
وتابع الكاتب السعودي : الخطأ في الأسلوب سببه قلة قراءة الكاتب وعد اطلاعه إضافة إلى ضعف موهبته أما الأخطاء الإملائية سببها عدم دراسة الكاتب لقواعد الإملاء.
أما الدكتور محمد البغدادي، الأستاذ المساعد بقسم الفقه وأصوله بكلية العلوم الإسلامية- جامعة المدينة العالمية، في ماليزيا فيقول إن من أبرز أسباب الأخطاء في الكتابة الصحفية ما يلي:
1. عدم دراسة قواعد اللغة العربية دراسة جيدة.
2. النقل والتقليد للآخرين في الكتابة، وهذا من أبرز أسباب وقوع الأخطاء في الكتابة الصحفية.
3. استعمال الأخطاء اللغوية الشائعة في الكتابة الصحفية.
4. عدم المعرفة الجيدة بعلامات الترقيم؛ فالخطأ في علامات الترقيم يغير المعنى تمامًا.
5. عدم إتقان الرسم الإملائي للكلمات يؤدي إلى الخطأ في كتابة حروف الكلمة كتابةً صحيحة، ومن أبرز الأخطاء في ذلك الأخطاء في كتابة الهمزات والتاء المربوطة والهاء والتاء المفتوحة.
6. مراعاة الجمهور المتلقي لها دور كبير في وقوع الأخطاء في الكتابة الصحفية.
7. انتهاج أساليب أخرى في الكتابة غير أسلوب الكتابة الصحفية، مثل أسلوب الكتابة الإبداعية، وأسلوب كتابة الرسائل العلمية.

8. الكتابة بلغة متخصصة لا تلائم الجمهور المتلقي، مثل استخدام الكلمات الغامضة وإقحام المصطلحات المتخصصة، وإدراج بعض الكلمات بلغات أجنبية لا يعرفها القارئ العادي.
9. عدم مراعاة اختلاف دلالات الألفاظ؛ حيث إن بعض الألفاظ تختلف دلالتها من دولة إلى أخرى.
10. السرعة في الكتابة وعدم التأني؛ مما يؤدي إلى عدم تحرير الألفاظ.
11. كتابة العناوين مطولة بما يُغني عن قراءة المتن.
12. الإطالة في كثيرٍ من المتون التي لا تستدعي هذه الإطالة، والاختصار في بعض المتون التي تحتاج إلى إطالة وتوضيح وتفسير.
13. وضع كثيرٍ من الخلفيات غير الملائمة للمواد، والإطالة في بعضها مما يسبب مللًا للقارئ.
ثالثًا : طرق علاج الأخطاء الصحفية
وحول طرق العلاج يقول الكاتب يعقوب إسحاق إنه بالنسبة لأخطاء الأسلوب فإن هذا يتطلب من الكاتب القراءة المنتظمة الطويلة على مدى حياته، أما معالجة الأخطاء الإملائية سهلة بدراسة الكتب المتخصصة في قواعد الإملاء.

أما الدكتور البغدادي فيقول إن طرق علاج الأخطاء في الكتابة الصحفية أو تلافيها تشمل ما يلي:
1. دراسة قواعد اللغة العربية دراسة جيدة.
2. معرفة الأخطاء اللغوية الشائعة في الكتابة الصحفية؛ حتى لا يقع فيها الكاتب.
3. استخدام علامات الترقيم المناسبة أثناء الكتابة.
4. إتقان الرسم الإملائي للكلمات؛ فذلك سيؤدي إلى كتابة حروف الكلمة كتابةً صحيحة.
5. فحص وتمحيص كل ما ينقله الكاتب عن الآخرين.
6. البعد عن انتهاج أساليب أخرى في الكتابة غير أسلوب الكتابة الصحفية، مثل أسلوب الكتابة الإبداعية، وأسلوب كتابة الرسائل العلمية.
7. الكتابة بلغة تلائم الجمهور المتلقي، والبعد عن استخدام الكلمات الغامضة وإقحام المصطلحات المتخصصة، وعدم إدراج بعض الكلمات بلغات أجنبية لا يعرفها القارئ العادي.
8. مراعاة اختلاف دلالات الألفاظ؛ حيث إن بعض الألفاظ تختلف دلالتها من دولة إلى أخرى.
9. اختصار العنوان واشتماله على عنصر التشويق لقراءة المتن.
10. إطالة المتون التي تستدعي الإطالة والتوضيح والتفسير، واختصار التي تحتاج إلى اختصار.
11. وضع الخلفيات الملائمة للمواد وعدم الإطالة فيها؛ حتى لا يسبب ذلك مللًا للقارئ.
12. التأني في الكتابة وعدم السرعة؛ حتى يتم تحرير الألفاظ بدقة.
13. مراجعة الكاتب ما كتبه مرة أخرى بعد الكتابة.
14. التدقيق اللغوي من قِبل متخصص خبير بقواعد اللغة العربية.

رابعًا : نماذج من الأخطاء المطبيعة العالمية
على مدى العقود بل والقرون الماضية كانت هناك العديد من الأخطاء المطبيعة في في عالم الصحافة أو الكتابة والأدب والتأليف والنشر بعضها طريف وبعضها تسبب في مشاكل نورد منها ما يلي:
- في نهاية القرن التاسع عشر نشرت إحدى الصحف الفرنسية، إعلاناً عن تأجير مزرعة ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان بعد أن حلّ حرف (f) محل حرف (r) في كلمة المزرعة (ferme )وبذلك تحولت إلى ( femme) التي تعني (المرأة ) باللغة الفرنسية وأصبح الإعلان ” امرأة جميلة للإيجار أو البيع “.
- في عام 1940نشرت صحيفة ( الواشنطن بوست ) الأمريكية خبراً على صدر صفحتها الأولى وبمانشيت كبير تقول فيه أن ( فرانكلين ديلانو روزفلت في الفراش بسبب نزلة برد ) مع اختصار اسم الرئيس : FDR IN BED WITH COLD، ولكن كملة COLD كتبت بالخطأ ونشرت الصحيفة : FDR IN BED WITH COED ( الرئيس في الفراش مع طالبة ) وقد بادر مكتب التوزيع في الجريدة إلى شراء كافة نسخ هذه الطبعة وإتلافها ، وصدرت الجريدة في اليوم ذاته بطبعة جديدة بعد تصحيح عنوان الخبر.
- في 16 سبتمبر ، 2013 نشرت The Sunday People مقالًا بعنوان “لقد كان لدي مور نساء أكثر من جيمس بوند” وقد ادعى فيه الكاتب أن السير روجر مور تحدث مؤخرًا حصريًا إلى The People وأدلى بتعليقات حول حياته الخاصة لكن في الحقيقة هذا الموضوع كله كان محض خيال من الكاتب واضطرت الصحيفة للاعتذار ودفع تعويض مالي.
- وقعت صحيفة الغادريان البريطانية في خطأ واحد مرتين خلال نفس الأسبوع حيث ربط بين سويسرا وساعة الوقواق وذلك في مقالتين يوم 15 أغسطس 2013، الصفحة 21 ؛ ويوم 12 أغسطس من نفس العام ، الصفحة 20 لكن الحقيقة فإن منشأ هذه الساعات في ألمانيا.
- حتى وكالة أسوشيتيد برس لم تسلم من الخطأ حيث نشرت في 10 أكتوبر 2013 عن المتظاهرين الذين ألقوا أكياسًا من النقود في مبنى مكاتب مجلس الشيوخ ، حيث أخطأت الوكالة في التعرف على الأشخاص الذين احتجوا واعتقلوا في عناوين الأخبار، فقد كان المتظاهرون من منتقدي شركة مونسانتو العملاقة للبذور ودورها في إنتاج الأغذية المعدلة وراثيًا ولم يكونوا من نشطاء القنب كما قالت الوكالة.
- صحيفة نيويورك تايمز أخطأت في توصيف أحد الأشخاص بسبب التشابه في الأسماء، ففي خبر لها حول انتخابات سحب الثقة التي واجهها نواب كولورادو حيث قالت (انسحب جاكسين بوبيس ، الروائي الذي تحول إلى سياسي ، من السباق) والحقيقة أن المقصود عضو سابق في مجلس المدينة ، وليس مؤلفًا للروايات المثيرة.
خامسًا : الخاتمة
من خلال ما سبق يمكن استخلاص النتائج التالية :
- الأخطاء الصحفية ظاهرة قديمة ومستمرة لكنها في الصحافة الإلكترونية أكثر انتشارًا وشيوعًا بسبب السرعة في تناقل الأخبار من المصادر الإعلامية.
- يمكن تدارك الخطأ في الصحافة الإلكترونية أسرع من الصحافة المكتوبة حيث يمكن تعديل الخبر وإعادة نشره في ثوان معدودة وكذلك يمكن طحتى حذف الخبر بالكامل وفي بعض الحالات يمكن حذف المحتوى من أرشيف جوجل من خلال بعض المعلومات الفنية.
- كما أنه يمكن تلافي الأخطاء الصحفية أو تفاديها بشكل كبير إذا ما تم توفير التدريب اللازم للصحفيين والكتاب وإلحاقهم بدورات تدريبية في اللغة العربية وفي التعامل مع الوسائط الرقمية .
- يمكن تلافي العديد من الأخطاء الصحفية من خلال الاستعانة بمدققين متخصصين ومراجعة المادة الصحفية أكثر من مرة قبل النشر خاصة العناوين والمانشيتات الرئيسية وإن كان ذلك قد يتسبب في تأخر بعض المصادر عن نشر الخبر بسرعة لكن يبقى التوازن بين الدقة والسرعة هو المعيار الأهم.
- انتهاج سياسة تصحيح الأخطاء في الصحف من خلال تخصيص بريد الكتروني في مكان ظاهر على الموقع للتواصل مع إدارة النشر في حال وجود أخطاء في المادة المنشورة.
- الاعتذار عن الخطأ غير المقصود وكفالة حق الرد على صفحات الصحيفة بنفس المساحة والفونت.



