مدائن صالح ورؤية 2030.. رحلة العلا من التاريخ إلى المستقبل

خاص / مركز الوشم الأوسط
جذبت منطقة الجزيرة العربية الرحالة والمستكشفين غير العرب على مر العصور، حيث تجشموا عناء السفر منذ أكثر من 100 عام لدراسة تراث حضاراتها المتعاقبة، ومن أبرزها محافظة العُلا. تعدّ العُلا موطنًا لمعالم تاريخية عريقة، أبرزها مدائن صالح التي تعود إلى 300 سنة قبل الميلاد، ووصفها المؤرخون بأنها مرآة لحضارات العالم القديم.
تقع العُلا في الجزء الشمالي الغربي من المملكة، على بعد 300 كم من المدينة المنورة، وتمتد على طول 25 كم وعرض 3 إلى 5 كم، وتتميز بتضاريسها الجبلية وكثبانها الرملية الذهبية، ما يجعلها موقعًا فريدًا يجمع بين الطبيعة الخلابة والتراث الغني.
العلا.. مزيج من الطبيعة والتراث
يستقبل الزائر للعُلا نسيمًا هادئًا ومناظر طبيعية تأسر النفس، خاصة خلال الليل الذي تتحول فيه السماء إلى لوحة متلألئة بالنجوم. وتكتمل جمالية المكان بوجود نخيل باسق في الوادي، وريّ ماء العيون الجوفية العذب الذي يغذي هذه الأشجار.
في ظل رعاية القيادة الرشيدة، تم تأسيس الهيئة الملكية لمحافظة العلا لتطوير المحافظة بطريقة تحافظ على تراثها الطبيعي والثقافي، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030. أطلقت الهيئة مؤخرًا رؤية العلا لتطوير المحافظة لتصبح وجهة عالمية للتراث، مع التعاون مع المجتمع المحلي وخبراء عالميين لضمان استدامة المشروع.
مدائن صالح والاعتراف العالمي
حظيت العُلا باهتمام عالمي منذ اعتماد موقع الحِجر (مدائن صالح) ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، كأول موقع سعودي يُسجّل عالميًا. وتواصل المملكة تسجيل المزيد من المواقع التراثية ضمن رؤية 2030، لتعكس مكانتها التاريخية والحضارية، وليصبح تراثها متاحًا للباحثين والزوار من جميع أنحاء العالم.
عرفت العلا قبل الإسلام باسم “دادان” وورد ذكرها في كتب آشورية وقديمة، كما كانت تُعرف باسم وادي القرى. وقد ارتبط اسمها بإرث الأنباط الذين بنوا مدائن صالح، بالإضافة إلى قصة نبي الله صالح وقوم ثمود، مع معالم تاريخية مثل ناقة صالح المحفورة بين الصخور.
زار العلا رحالة مسلمون خلال رحلاتهم إلى الحج مثل ابن بطوطة وعبد القادر الجزيري، كما زارها المستكشفون الغربيون بين أعوام 1880 و1964. وأعد الرحالة الإنجليزي ج. كوك دراسة عام 1903 عن “الكتابات السامية الشمالية”، دلالة على اهتمام الغرب بدراسة التراث القديم الممتد من الشام إلى الجزيرة العربية، وقد قامت دارة الملك عبدالعزيز بترجمتها للعربية.
العلا على طريق التجارة القديم
احتل موقع الحِجر مكانًا استراتيجيًا على طريق التجارة القديم المعروف بـ”طريق البخور”، الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها والمراكز الحضارية في بلاد الشام والعراق ومصر. سكن الموقع قوم ثمود، ثم الأنباط بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، ما جعله محورًا تاريخيًا وتجاريًا هامًا.
إلى جانب مدائن صالح، تضم العلا القرية التراثية التي يوجد فيها مسجد بناه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى مزارع النخيل والحمضيات والفواكه. وتتميز العلا بتربة خصبة ومياه عذبة من 35 عينًا جوفية، ما جعلها منطقة زراعية حيوية عبر العصور.
الرحلات الأثرية ودورها في حفظ التراث
سخّرت المملكة جهودها منذ أكثر من 45 عامًا في خدمة التراث القديم ودعم الدراسات التاريخية، حيث أعدت دارة الملك عبدالعزيز كتيبًا مترجمًا عن رحلة علمية إلى مدائن صالح عام 1964، ضم فريقًا عالميًا من 28 باحثًا. وزار الرحالة أنطوان جوسن ورفائيل سافينياك الجزيرة العربية ثلاث مرات بين 1907 و1910، موثقين آثار مدائن صالح ونقوش الأنباط والمعينية والثمودية.
كما قام المستكشف الفرنسي شارل هوبر برحلتين إلى الجزيرة العربية عامي 1880 و1884، زار خلالها مناطق مختلفة مثل الجوف وحائل وتيماء، مساهماً في دراسة التراث القديم للجزيرة.
التقنيات الحديثة في توثيق التراث
ساهمت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في استخدام أجهزة المسح الليزري لتحويل معالم مثل قصر الفريد إلى نماذج ثلاثية الأبعاد، ما يسهل على الباحثين دراسة المعالم ومراقبة التغيرات عبر الزمن. تُستخدم هذه التقنية لتوثيق مواقع العلا مثل مدائن صالح والخريبة وجبل عكمه، بما يعزز الحفظ والدراسة الأكاديمية للآثار.
رفع الإيقاف على الأراضي.. خطوة تنموية استراتيجية
أعلنت الهيئة الملكية رفع الإيقاف عن عمليات بيع وشراء الأراضي في وسط وجنوب العلا، لتعزيز التنمية العمرانية والاقتصادية المستدامة، وتحفيز الاستثمار العقاري، بما يتوافق مع رؤية المملكة 2030. يُتاح للمستثمرين والملاك استخدام منصة البورصة العقارية لإتمام تعاملاتهم، كما يمكن الحصول على تراخيص البناء واختيار التصاميم المعمارية بما ينسجم مع تاريخ العلا وتراثها.
تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الحياة
تعمل الهيئة على تطوير البنية التحتية في مجالات النقل والطاقة والمياه والاتصالات، بالإضافة إلى مشاريع نوعية في الصحة والتعليم والسياحة والثقافة. ويشمل ذلك إنشاء محطات كهرباء، ومراكز لتخزين المياه، وتوسعة مطار العلا الدولي، وتطوير المستشفيات والعيادات، بما يرفع جودة الحياة ويزيد عدد السكان في المحافظة.
المخطط الرئيسي: نحو مجتمع مزدهر
يمثل المخطط الرئيسي الثاني “نحو مجتمع مزدهر” خارطة طريق لتطوير وسط وجنوب العلا، مع التركيز على التوازن بين الأصالة والتجديد، وتعزيز الهوية العمرانية والثقافية. ويهدف إلى خلق بيئة استثمارية جاذبة، وتطوير الخدمات والمرافق، وتحسين تجربة التنقل المستدام، مع تعزيز الصحة العامة والرفاهية للمجتمع المحلي.
العلا: إرث حضاري واستثمار مستقبلي
رفع الإيقاف عن الأراضي يعكس جاهزية العلا لاستقبال الاستثمار وتنمية المجتمع، بما يحقق التنمية الشاملة المستدامة ويضع المحافظة على خارطة المدن العالمية التي تجمع بين الثقافة، التراث، والطبيعة. وتستمر العلا في كونها وجهة للمعيشة والعمل والزيارة، حاملة إرثًا حضاريًا يمتد آلاف السنين، مع خطة تطويرية واضحة تواكب تطلعات رؤية المملكة 2030.



