العلاقات السعودية الصينية.. مسارات تعاون مختلفة منذ 3 عقود

تتمتّع السعودية والصين بعلاقات تمتد منذ قرابة 8 عقود، واتسمت هذه العلاقات بتسارع وتيرتها مع تقادُم الزمن، ليجد البلدان نفسيهما في نهاية المطاف أمام شراكة استراتيجية عميقة في مختلف المجالات.
ومع ظهور الصين في السنوات الأخيرة كقوّة صناعية عظمى واعتبارها ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة اقتصاديا، شجّع ذلك العديد من الدول للدخول في شراكات قوية من شأنها نمو وازدهار الاقتصاد بين البلدين.
لذلك حرصت المملكة على عقد عدة شراكات من خلال الاتفاقيات التي أُبرمت مؤخّرا، والتي تعمل على ارتقاء الشراكة الاقتصادية والعلاقات الثنائية بين البلدين؛ التقرير التالي يُسلّط الضوء على مسارات العلاقات الثنائية وأوجُه الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية.
مسار العلاقات
شهدت العلاقات الثنائية تطوّرا متواصلا منذ أكثر من 80 عاما، وذلك حين قرّرت الرياض في عام 1939 التمهيد لعلاقات سياسية قوية مع الصين.
وفقا لمصادر تاريخية صينية، فقد ذُكر أنّ أول لقاء رسمي بين مسؤولين رفيعين من البلدين، في أبريل من عام 1955 خلال مؤتمر دول عدم الانحياز في «باندونغ»، وجمع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن عبدالعزيز، ورئيس مجلس الدولة الصيني شو إين لاي، بطلبٍ من الأخير. وحسب مطلعين على تاريخ العلاقات السعودية الصينية، فقد أسهم ذلك اللقاء في فتح الباب أمام الصين الجديدة للتفاعل مع دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

بدأت المملكة في بناء علاقاتها القوية مع الصين في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، حيث عقد أول اجتماع رسمي بين البلدين في سلطنة عُمان نوفمبر عام 1985، كأول بادرة للعلاقات الثنائية الرسمية.
بداية التسعينيات وبالأخص 1990، أحرز البلدان تقدّما كبيرا في العلاقات، وذلك عن طريق ما يقرب من 16 زيارة واتفاقيات تعاون رفيعة المستوى في مختلف المجالات، لتتوّج بزيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز حينما كان وليا للعهد في عام 1998، واعتبرت تلك الزيارة الأعلى مستوى من ناحية الوفد الرسمي إلى الصين.
وتعزّزت العلاقات بعدما قام الرئيس الصيني جيانغ زيمين في عام 1999، بأوّل زيارة رسمية لرئيس صيني للسعودية، كما قام الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في بداية فترة حكمه، بزيارة إلى الصين في عام 2006، كأول زيارة رسمية خارجية له.
ومع رؤية المملكة 2030 ودورها الإقليمي والدولي خلال السنوات الأخيرة، انتقلت العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب بعد زيارتين تاريخيتين أجراهما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى العاصمة بكين في عام 2016، وفي عام 2019 وقّع خلالها الجانبان عددا من اتفاقيات التفاهم والتعاون الاقتصادي في عدد من المجالات.
وفي عام 2022، استضافة الرياض أول قمة عربية-صينية بحضور الرئيس شي جين بينغ، لتصبح بذلك المملكة البوّابة الحقيقية والأقوى بالنسبة إلى الصين في منطقة الشرق الأوسط.
التعاون الاقتصادي
تطوّرت العلاقات الصينية السعودية منذ مطلع الألفية الثالثة لتشمل العديد من مجالات التعاون بين البلدين، وذلك بسبب الأهداف المشتركة لكلّ منهما للبحث عن شراكات استراتيجية غير تقليدية، ولقد أسهمت المتغيّرات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة الماضية في منطقة الشرق الأوسط في دفع هذه العلاقة وتطويرها.
وكان لالتقاء الأهداف الاستراتيجية للبلدين من خلال مبادرة “الحزام والطريق الصينية” و”رؤية السعودية 2030″ دورٌ كبيرٌ في تعزيز هذه العلاقات وتطوير التعاون بين البلدين وفتح المزيد من مجالات التعاون التي تشمل الاقتصاد، والتجارة، والنقل، والبنية التحتية، والطاقة، وكذلك المجالات الناشئة؛ مثل تقنية الجيل الخامس، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الكبيرة، وصولا إلى شراكة استراتيجية شاملة في كل جوانب التعاون.

وشكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للمملكة في ديسمبر 2022 أحدث وأهم مناسبات تطوّر العلاقة بين الصين والسعودية، وكانت لها دلالاتها الكبيرة على مسار الحضور الصيني في المنطقة.
ففضلا عن أهميتها الاقتصادية المتمثلة بتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية بقيمة 30 مليار دولار، وقَّع الطرفان مذكرات تفاهم للتوفيق والدمج بين “مبادرة الحزام” الصينية و”رؤية المملكة العربية السعودية لعام 2030″.
ولا تعد العلاقات الاقتصادية القوية بين السعودية والصين وليدة اللحظة، بل تعود إلى عقود ماضية، بينما بلغت قيمة التجارة البينية أكثر من 106 مليارات دولار عام 2022، بزيادة 30% عن عام 2021، بفضل شهية الصين الكبيرة للواردات النفطية السعودية.
ومنتصف العام الماضي، أعلن الجانبان عن صفقة استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار خلال مؤتمر الأعمال العربي الصيني العاشر في الرياض، فيما يعد مؤشّرا قويا على تحول خريطة التوازنات والقوى في الشرق الأوسط.
كما وُقّعت 30 اتفاقية في قطاعات متعددة؛ بما في ذلك التكنولوجيا والطاقة المتجددة والزراعة والعقارات والتعدين والسياحة والرعاية الصحية.
وتعدّ المملكة أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا للعام الثالث عشر على التوالي، والمملكة أكبر مزوّد للنفط الخام إلى الصين التي تعتبر أكبر مستورد للنفط السعودي، والصين هي المقصد الأكبر للاستثمارات الخارجية المباشرة بالنسبة إلى السعوديين.
كما أصبحت السعودية تحمل صفة “شريك للحوار” في منظمة شنغهاي للتعاون منذ 29 مارس 2023، وهي المنظمة التي تقودها الصين ويقع مقرها في بكين، ما يعكس التطوّر في العلاقات ما بين الدولتين.
التوافُق السياسي
تتأسّس تلك العلاقات على قواعد ثابتة من مبادئ الاقتصاد السياسي بشكل عام، والاقتصاد السياسي للطاقة بشكل خاص، حيث تشكّل القوة الاقتصادية بنية أساسية للدور التوافقي بين الطرفين سياسيا، وبالأخص في القضايا الإقليمية.
تسعى الدولتان إلى تعزيز علاقاتهما العسكرية والدفاعية، فقد أظهر البيان الختامي لقمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية في ديسمبر 2022، “تطوير التعاون والتنسيق في المجالات الدفاعية”، خاصة في مجالات مكافحة الجرائم المنظمة والإرهاب، وتبادل الخبرات في مجالات “الإنذار الاستخباراتي المبكر وتقييم المخاطر الأمنية”، وترتبط الدولتان باتفاقيات دفاعية منها الشراكة ما بين الشركة السعودية لأنظمة الاتصالات والإلكترونيات المتقدمة، مع مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية لتصنيع أنظمة حمولات الطائرات المسيرة في السعودية.

ويُعد الحدث الأبرز الذي برهن على قوة وتنامي الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، هو نجاح الوساطة الصينية في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، حين أعلنت السعودية وإيران في بيان ثلاثي، مارس الماضي، إعادة فتح سفارتيهما واستئناف العلاقات الدبلوماسية بعد انقطاعها منذ عام 2016.
رؤية استشرافية
تسير العلاقات السعودية الصينية في مسار براغماتي تقدمي، يتّسم بالتعمق والتطور الهادئ، في ظل تحولات كبيرة يشهدها المجتمع الدولي سياسيا واقتصاديا، وهو ما يصبّ في المصالح الاستراتيجية للدولتين، ويتوقّع أن يشهد مسار تلك العلاقات تطوّرات متسارعة في الشهور والسنوات المقبلة؛ كما أن لدى الجانبين تطلعا لتحقيق السلام بالمنطقة وحل القضايا الإقليمية.
ويعدّ التوجّه الصيني لتطوير العلاقات مع السعودية ودول الخليج والشرق الأوسط توجّها استراتيجيا، تعمل على تحقيقه بكين.



