اصطفاف عربي بقيادة السعودية لإنهاء أزمات المنطقة بعيدا عن «براجماتية الغرب»

من «المصالحات» إلى «إعلان جدة»

أمل محمود // وابامز

تتخذ السياسية الخارجية السعودية نهجًا جديدًا في علاقتها مع دول الشرق الأوسط؛ مُحاوِلة تأسيس مبدأ جديد لـ«إرساء السلام والاستقرار في المنطقة» وفقًا لرؤية جديدة مستقلة، تبعد تمامًا عن الأجندة الأمريكية التي دائمًا ما كانت ترسخ إلى أنه «لا توجد خطة تضمن أمن واستقرار الإقليم لا تتضمن إدماج إسرائيل بدول المنطقة، وصياغة تفاهمات بين الدول العربية وتل أبيب؛ لضمان أمنها ضد أي تهديد في المنطقة على رأسها التهديد الإيراني».

والمتابع لسير الأحداث في المنطقة؛ سيلحظ بوضوح، أن هناك آلية جديدة تصاغ؛ لضمان الاستقرار في الإقليم، ترعاها المملكة العربية السعودية، فاجأت العالمين العربي والغربي، وعملت على إغلاق عدد من الملفات المشتعلة التي أسهمت في عدم استقرار المنطقة لسنوات طويلة، كملفات «إيران واليمن وسوريا وحتى تركيا».

وكان من بين ما أفسح المجال للدبلوماسية السعودية لتلفت الأنظار إليها، خاصة في الشهور القليلة الماضية؛ هو غياب الولايات المتحدة الأمريكية، وانشغالها بأزمتها الاقتصادية الداخلية، والحرب الروسية الأوكرانية، فضلًا عن التهديد الصيني المحتمل لغزو جزيرة تايوان؛ ما جعل الفرصة مواتيه للغاية، لتتوج السعودية مساعيها نحو إرساء الاستقرار في المنطقة، والتي لم تكن وليدة اللحظة، فقد شهدت زخمًا كبيرًا على مدار الفترة الماضية، تجسد في «عقد مصالحة مع الجانب الإيراني»، ما يعني بذلك حلا سياسيا لعدد من الملفات، نلمسه حاليًا بشأن الصراعين اليمني والسوري.

على الجانب الآخر، فالدبلوماسية السعودية لم تغير رؤيتها لصراعات الشرق الأوسط فحسب؛ بل أصبحت توزان في علاقتها بين الجانبين الأمريكي والصيني، خاصة بعد التقارب السعودي الصيني، وتقديم الصين نفسها كـ«بديل»؛ لسد الفراغ الأمريكي، وإيجاد حلول لصراعات الشرق الأوسط، دون تدخل في شؤونه الداخلية، وخلال السطور القادمة، سنتطرق إلى الدور السعودي في تهدئة عدد من أهم ملفات الشرق الأوسط.

إعلان جدة

اختتمت القمة العربية الثانية والثلاثون أعمالها في جدة على مستوى القادة، أمس الجمعة، بحضور رؤساء وملوك وأمراء عدة دول عربية، من بينهم الرئيس السوري بشار الأسد لأول مرة منذ 2010، وبمشاركة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي.

تضمن البيان الختامي للقمة “إعلان جدة” أكثر من 32 بندا شملت العديد من القضايا الهامة في المنطقة، منها القضية الفلسطينية والأزمة السورية والوضع اللبناني، والتعامل مع إيران، وكذلك قضايا الأمن القومي العربي والأمن الغذائي والملفات الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد البيان على استمرار تمسك الدول العربية بدعم المبادرة العربية لحل الدولتين والأزمات المستجدة في السودان وليبيا، والرفض التام للميليشيات والكيانات المسلحة خارج نطاق الدولة، وتوحيد المواقف في علاقات الدول العربية بمحيطها الإقليمي والدولي.

وفي لبنان كان هناك مطالبة للسلطات اللبنانية بمواصلة الجهود لانتخاب رئيس للبلاد، وتشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، وإجراء إصلاحات اقتصادية للخروج من الأزمة الخانقة.

أما في الشأن السوري، فقد شددت مسودة البيان على تجديد الالتزام بالحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها واستقرارها، وتكثيف الجهود لمساعدتها على الخروج من أزمتها، وإنهاء معاناة الشعب السوري.

الملف الإيراني وارتباطه بعدد من الصراعات في المنطقة

فوجئ العالم في العاشر من مارس الماضي، بعقد الصين لمصالحة بين المملكة العربية السعودية وإيران، واستعادة البلدين للعلاقات الدبلوماسية، في مدة أقصاها شهرين، وطي خلافات الماضي، وتطبيع العلاقات  بعد قطعها لمدة 7 سنوات منذ عام 2016، في أعقاب اقتحام محتجين للسفارة السعودية في طهران؛ بسبب إعدام رجل دين شيعي معارض يدعى «نمر النمر».

الدولتان اللتان طالما شهدت العلاقة بينهما توترًا؛ اتفقتا على احترام سيادتيهما، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما، وبدأتا بالفعل في فتح سفارتيهما، واستئناف الرحلات الجوية المدنية، فضلًا عن النشاط التجاري، إضافة إلى الموقف السعودي الإنساني الذي ظهر خلال إجلاء مواطنين إيرانيين من السودان- على إثر الاشتباكات الدائرة في الخرطوم-، وترحيب قائد المنطقة الغربية بالسعودية، اللواء أحمد الدبيس، بهم، على متن الطيران السعودي؛ لنقلهم إلى جدة ومنها لإيران، مؤكدًا أن الأمر جاء من خادم الحرمين الشرفين الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، في إشارة إلى أن كلا القوتين عازمتان على تخفيف حدة التوتر بينهما.

كما اتفقت الرياض وطهران أيضًا على تفعيل اتفاقهما للتعاون الأمني الذي أبرم في 2001، وكذلك اتفاقهما العام الذي أُبرم في 1998 للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والأعمال والتكنولوجيا والعلوم والثقافة والرياضة والشباب .‏

ويعد هذا الاتفاق بين السعودية وإيران، هو أهم حدث دبلوماسي تشهده المنطقة خلال السنوات الماضية، والذي ستكون له- إذا ما تم الالتزام به- العديد من التأثيرات على منطقة الشرق الأوسط التي مزقتها الصراعات:

الملف اليمني

يكمن التوتر في الملف اليمني، في أن إيران تُعتبر الداعم الأول لجماعة «الحوثي» التي تسيطر على أجزاء كبيرة في شمال البلاد، منها العاصمة صنعاء، في مقابل أن السعودية تقود تحالفًا عسكريًا يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها في اليمن، لهذا كان من ضمن الشروط المسبقة للمصالحة؛ هو «تهدئة التوتر في اليمن».

وبالفعل، بعد أسابيع قليلة من المصالحة؛ وصل وفد سعودي، رفقة آخر «عماني»، للقاء ممثلين من الحوثيين؛ تمهيدًا لجمع الأطراف اليمنية على طاولة واحدة، لمناقشة مستقبل اليمن بعد الحرب ، كما تمت عملية تبادل للأسرى بين الحكومة لشرعية والحوثيين في اليمن، والتي بلغت تبادل نحو 800 فرد من أسرى الجانبين، وذلك خلال أبريل المنقضي، ومن بين هؤلاء الأفراد، 16 سعوديًا كانو ضمن قوات التحالف، ووصلوا إلى مطار الملك خالد الدولي بالرياض، مقابل إطلاق سراح 250 أسيرًا من الحوثيين، غادروا مطار أبها الدولي إلى صنعاء .

كما أن السفير السعودي، محمد آل جابر، صرح لوكالة الأنباء الفرنسية «فرانس برس»، بعد اجتماعه مع قادة الحوثيين في صنعاء، أبريل الماضي، بأن أطراف الحرب في اليمن «جادون» بشأن إنهاء الحرب المدمرة التي اندلعت قبل 8 سنوات، ويأتي اجتماعه ضمن مساعي «تثبيت الهدنة» التي من المفترض أنها انتهت في أكتوبر الماضي، إلا أنه نتيجة محاولات التقارب بين السعودية وإيران خلال الفترة الماضية، تم تمديدها إلى تمت المصالحة ، ومن المفترض أن تنعكس بصورة إيجابية على الوضع في اليمن.

وعلى الرغم من أن المفاوضات لم تُفضِ إلى اتفاق حتى الآن؛ إلا أن السيناريو الأقرب هو الوصول بشكل أو بآخر إلى «حل للأزمة اليمنية»، خاصة وأن إيران ستسعى جاهدة للضغط على الحوثيين؛ للقبول بوقف دائم لإطلاق النار وحل الأزمة.

ويبدوا أيضًا أن الملف اليمني عاد من جديد لواجهة الاهتمام الأمريكي، حيث أعلن البيت الأبيض أن مستشار الأمن القومي «جيك سوليفان» التقى بولي العهد السعودي «الأمير محمد بن سلمان»، في زيارة إلى المملكة خلال الأيام القليلة الماضية، وناقشا «الملف اليمني» بين عدد من القضايا، وكان المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن «تيم ليندر كينج» قد سافر إلى عُمان والسعودية، في وقت سابق من هذا الشهر؛ سعيًا لدفع جهود السلام في اليمن، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية .

الملف السوري

يعد الملف السوري من أكثر الملفات تعقيدًا؛ نظرًا لتعدد الأطراف الخارجية به، فضلًا عن أن الصراع الدائر به دام لفترة طويلة، إذ بدأ منذ نحو 12 عامًا، وخلَّف ورائه الملايين من القتلى والمشردين واللاجئين في مختلف دول العالم.

وشهدت الأيام الماضية دورًا حيويًّا للدبلوماسية السعودية نحو استعادة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية، وبالفعل، جرى الإعلان- في بيان صادر عن الجامعة، بداية مايو الجاري- عن أن وزراء الخارجية العرب وافقوا في اجتماعهم بالقاهرة على عودة سوريا لمقعدها بعد غياب دام 11 عامًا-على خلفية الاحتجاجات الذي تحولت إلى نزاع مستمر-، وعلى الرغم من معارضة دولة قطر لتطبيع العلاقات مع حكومة الأسد، والتي أوضحت على لسان المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد بن محمد الأنصاري، أن موقف بلاده من التطبيع مع النظام السوري «لم يتغير»، إلا أن حكومته لن تكون عائقًا أمام الخطوة التي اتخذتها الجامعة العربية .

وتتزامن الانفراجة في الملف السوري وعودتها إلى الحضن العربي، مع تغير الخريطة السياسية الإقليمية بعد المصالحة السعودية الإيرانية التي من المفترض أن نتائجها الإيجابية بدأت في الظهور، خاصة في هذا الملف بالتحديد، إذ أن إيران تعتبر من الداعمين الأساسين لنظام الأسد في سوريا بجانب روسيا، وكان الملف السوري يشكل أيضا أحد أهم القضايا الشائكة بين الرياض وطهرن، لهذا فإن عودة سوريا للجامعة العربية، وخروجها من عزلتها الإقليمية؛ يعد انتصارًا للدبلوماسية السعودية، التي تؤكد مرة أخرى، وفي وقت قصير، على دورها القيادي في الساحة العربية، وأن الانفتاح السعودي على سوريا، هو جزء من سياق المصالحة مع إيران، ويشير أيضا إلى احتمالية أن السعودية ببنائها علاقات مع الرئيس السوري؛ تسعى إلى إيجاد طريقة لتقليل النفوذ الإيراني في سوريا.

وتأتي الرغبة السعودية من إعادة سوريا إلى الحضن العربي، من أنها ليست فقط أن ذلك «يعد نهجًا جديدًا» تتبناه المملكة لـ«تصفير» مشكلات الشرق الأوسط، ومحاولة لترسيخ آلية؛ لضمان أمن واستقرار المنطقة، لتتفرغ لتنفيذ رؤيتها الوطنية «2030»، وإنما أيضًا لـ«تغير رؤية السعودية للأزمة السورية»، إذ ترى المملكة، أن عزل سوريا عن الدول العربية؛ ليس في مصلحة الجميع، خاصة وأن النظام السوري فرض سيطرته على جزء كبير من أراضيه، وعلى جميع المدن عدا إدلب، التي حلت فيها الميليشيات محل المعارضة- التي تعاني حاليًا من التشتت والضعف، وليس لها امتداد داخل سوريا- وعدد من المناطق، لذلك فعدم استعادة سوريا عربيًا؛ يترك المجال للدول الإقليمية والدولية الأخرى أن تحل محل الدول العربية.

ويتأكد مما سبق، أن مطالب الرياض لإعادة العلاقات مع دمشق، تقوم في الأساس على «وحدة سوريا، وسيادتها، وهويتها العربية، وبسط الدولة سيطرتها على كامل أراضيها، ومحاربة الإرهاب، وتهيئة ظروف آمنة لعودة اللاجئين والنازحين السوريين لبلادهم، مع إطلاق حوار بين السوريين يفضي إلى حل سياسي للأزمة»، كما أوضح البيان الذي جاء بعد زيارة وزير الخارجية السوري للسعودية .

ويمكن القول إن المصالحة الخليجية الإيرانية، تعمل على حلحلة العديد من الملفات المعقدة في الشرق الأوسط، فبالتقارب السعودي الإيراني؛ ضمنت السعودية ودول الخليج أنها لن تكون مستهدفة مستقبلًا من قِبل الهجمات الإيرانية، وفي نفس الوقت، خرجت من مأزق أن يكون لها دور في حال استهداف إيران، إضافة إلى أنها نشطت في عدد من ملفات الصراعات، وأصبحت لها القدرة على المناورة من جديد؛ لتحقيق مصالحها في تلك الملفات، وكذلك ضمان استقرارها.

وعلى الجانب الآخر، خرجت طهران من عزلتها الخارجية، وضمنت تدفقات استثمارية خليجية مستقبلية تنعش اقتصادها من جديد، بعد وابل العقوبات الاقتصادية التي عانتها على مدار السنوات السابقة، وفي ظل الاحتجاجات الداخلية التي اشتعلت مؤخرًا بها، مطالبة بإسقاط النظام؛ فالسعودية وإيران أصبحتا أكثر واعيًا بضرورة التوصل إلى حل سياسي، خاصة في ظل التواجد الصيني الذي تجمعه علاقات جيدة مع الطرفين سهلت عليه تقريب وجهات النظر بعد سنوات من المفاوضات بينهما في سلطنة عمان والعراق.

ونتيجة لتفضيل السعودية حاليًا لـ«التفاوض» على الصراع بدلًا من «تأجيجه»، لتصب تركيزها على النمو الاقتصادي؛ رأت أنه بإبرام صفقة سياسية مع إيران، سيجنبها ذلك آثارًا سلبية، وكذلك سيجنبها التعرض للخذلان من حلفائها، خاصة وأن العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تدهورت مؤخرًا، واتسعت الفجوة بينهما؛ على إثر تخفيض منظمة «أوبك» لإنتاج النفط، مرتين متتاليتين، بنحو 3 ملايين و600 ألف برميل يوميًا؛ ما وصفه البيت الأبيض بـ«أن السعودية ودول الخليج تقدم الدعم لروسيا في حربها ضد أوكرانيا»، وهو ما نفته المنظمة، مؤكدة أنها تحاول الحفاظ على استقرار سوق النفط، وسعر عادل للبرميل.

ويمكن تصوير الانفتاح في الملف الإيراني الخليجي، على أنه «اصطفاف أوسع» في الشرق الأوسط، إذ تريد المملكة العربية السعودية ودول الخليج، إقامة شراكات عالمية مع الولايات المتحدة باعتبارها «الركيزة الأساسية»، ولكنها في الوقت ذاته «ليست الركيزة الوحيدة»، وعلى الرغم من تفضيلهم أن تظل لديهم «علاقة أوثق بكثير» مع واشنطن؛ إلا أنهم ليسوا مستعدين لقطع العلاقات مع القوى الأخرى، مثل الصين .

أضف إلى ذلك، أن السعودية ودول الخليج أيقنوا أن الولايات المتحدة الأمريكية «حليف غير جدير بالثقة »؛ بعد عدم ردها على الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو في السعودية، واللامبالاة الغربية التي تعرضت لها الإمارات أيضًا بعد تعرض سفنها للهجوم في خليج عمان في مايو 2019، وتكرار الاستهداف الحوثي للإمارات بهجوم مسيراتهم على العاصمة أبو ظبي، العام الماضي، بل ومطالبة الأمريكيين للإمارتيين بـ«مقابل مادي» نظير المساعدة العسكرية التي تلقوها منهم في أعقاب ذلك الهجوم، وهو ما كشفت عنه الوثائق الأمريكية المسربة مؤخرًا، لذلك رأوا أن في المصالحة، وما يترتب عليها من تهدئة في الملفات الأخرى، «فرصة» لدخول لاعبين دوليين جدد في المنطقة؛ بهدف إحداث التوازن .

الملف التركي

نشاط السعودية لتهدئة التوترات في المنطقة، ليس وليد اللحظة، وإنما بدأ منذ عامين؛ عندما توصلت الدول الخليجية ومصر، إلى اتفاق مع قطر، أنهى خلافًا، عصف بعلاقة الأخيرة مع أغلب الدول العربية، وبعده، بدأ الحديث عن عودة العلاقات السعودية التركية، وتم تأكيدها بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية في أبريل 2022، لينتهي بذلك التوتر الذي استمر خلال السنوات الماضية بين القوتين الإقليميتين، وتعتبر تلك المصالحة، أنها كانت «نقطة البداية» لإعادة تشكيل النظام السياسي في الشرق الأوسط.

وبحسب المراقبين، فالقاسم المشترك في مساعي السعودية لإنجاح هذه المصالحات؛ هو رغبتها في استعادة استقرار الإقليم، والتركيز على النمو الاقتصادي للمملكة، وهذا الحلم الوطني يتداخل أيضًا مع «أمنيات إقليمية»، عبَّر عنها الأمير محمد بن سلمان سابقًا، بقوله: إنه «يريد أن يرى الشرق الأوسط متقدم عالميًا»، واصفًا الإقليم أنه هو «أوروبا الجديدة».

وتنبأ كثير من المحللين- وقت تبادل الزيارات بين ولي العهد السعودي والرئيس التركي- بأن هذه المصالحة، سيكون لها مردود إيجابي على دول المنطقة بأكملها، ويخفف من حدة الصراعات والتوترات التي لم تعد من أولويات المجتمع الدولي، في ظل انشغاله بالأزمات الاقتصادية، وتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، والتهديد الصيني بغزو جزيرة تايوان، وفي ظل تراجع الدور الأمريكي أيضًا في المنطقة، فلذلك، كان من مصلحة دول المنطقة «التعاون فيما بينهما» بدلًا من الصراع .

وتعتبر المصالحة السعودية التركية، ذات أهمية بالنسبة للجانبين، لعدة أسباب، نسردها في السطور التالية..

العلاقات الاقتصادية

تركيا رغبت في إصلاح علاقتها مع خصومها الإقليميين السابقين؛ نظرًا لحاجة «أردوغان» لتحسين العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج، من أجل تخطي الصعوبات التي تعانيها بلاده تزامنا مع الانتخابات الرئاسية- الجارية حاليًا وننتظر الإعلان عن نتائجها قريبًا-، لذا، فالبوابة الاقتصادية كانت بمثابة «عامل محفز» لكلا الجانبين؛ لاستعادة العلاقات، فالسعودية والإمارات تنظران إلى المكانة المهمة التي تكتسبها تركيا على طرق التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، فضلًا عن كونها سوقًا واعدة للاستثمارات، إضافة إلى رغبة الجانبين في عودة التبادل التجاري بينهما إلى سابق عهده، والذي تأثر نتيجة الخلافات وأزمة جائحة كورونا ، فالمصالحة كانت بمثابة «بداية التعافي» لاقتصاد البلدين من تداعيات الوباء العالمي.

توزان إقليمي

أيقنت جميع الأطراف المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط، أنها على الرغم من التنافس فيما بينها في عدد من الملفات لمدة تصل لأكثر من 10 سنوات؛ إلا أنه لا طائل من استمرار هذا التنافس، خاصة وأنه لم يترتب عليه «صعود» أي قوة منهم إقليميًا، أو حتى حدوث أي «تغير جوهري» لصالح أي طرف، بل على العكس، كل تلك السنوات، كانت «تستنزف» هذه الدول اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، لهذا، فالمصالحة جاءت؛ لتكشف عن أن فرص التعاون، مع قدر من التنافس، «أفضل بكثير» في معالجة الأزمات الإقليمية، من «المواجهة وتبادل الاتهامات».

تراجع الدعم التركي لتيار الإسلام السياسي في المنطقة

تبنت تركيا هذا التوجه، بعد اندلاع ما سمي بـ«الربيع العربي»، ما أدى إلى خلافات تركية سعودية إماراتية ومصرية، ولكن في ظل مفاوضات «إعادة العلاقات التركية المصرية» عَدَلَت أنقرة عن هذا التوجه؛ بأن فرضت قيودًا على الإعلام التابع لجماعة الإخوان الإرهابية، ما دفعها أكثر نحو التركيز على استعادة علاقتها مع الدول الخليجية، خاصة وأنها توصلت في النهاية إلى أن أضرار التمسك بتوجه دعم تيار الإسلام السياسي، أكبر من منافعه على اقتصادها.

الملف السوداني

هو الملف الأحدث على الساحة الإقليمية، والصراع الوليد في السودان بين الجيش بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وبين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، ويبرز الدور السعودي في هذا الملف، أنه «بدأ منذ أول شرارة للصراع»، فالمملكة العربية السعودية، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، عرضتا الوساطة بين الطرفين، وهو ما وافق عليه الطرفان المتنازعان في السودان، وأعلنت وزارة الخارجية السعودية، يوم الاثنين الماضي، أن ممثلي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأوا محادثات تمهيدية في جدة .

إلا أنه على الرغم من عدم التوصل لاتفاق صريح بوقف إطلاق النار بالخرطوم، فالوساطة السعودية الأمريكية توصلت لما يعرف بـ«إعلان جدة»، والذي يعد «اتفاق مبادئ أولي» يلزم الطرفين بالامتناع عن أي هجوم عسكري قد يتسبب بأضرار للمدنيين، وبموجب هذا الاتفاق، يسمح الطرفان للمدنيين، بمغادرة مناطق الصراع، وحماية الاحتياجات اللازمة لبقائهم على قيد الحياة، وحماية المرافق الخاصة والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، فضلًا عن بنود أخرى «تحمي المدنيين »، وتهيئ لبدء التفاوض حول هدنة.

وشهد توقيع هذا الاتفاق، مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية «مولي في»، والسفير الأمريكي لدى السودان «جون جودفري»، وأكد مسؤولون بالخارجية الأمريكية، أن الإعلان «ليس وقفا لإطلاق النار»، بل مبادئ تحكم الخطوة التالية وهي «التفاوض على هدنة قصيرة الأجل »، كما أشادوا بالدور السعودي في دفع الطرفين السودانيين لإجراء محادثات في جدة، فالمساعي السعودية في الملف السوداني، توضح مدى الثقل الدبلوماسي الذي اكتسبته، وتبرهن على دورها القيادي في المنطقة.

المصادر

(1) Aziz El Yaakoubi، Iran’s embassy in Riyadh opens gates for first time in years، Reuters، تاريخ النشر 12 أبريل 2023. https://reut.rs/3O9Fg8T

(2) الهجوم على أرامكو: واشنطن “حددت مواقع في إيران أطلقت منها طائرات مسيرة وصواريخ”،  BBC News عربية، تاريخ النشر 17 سبتمبر 2019. https://bbc.in/2mmnWma

(3) بسام رمضان، قائد سعودي لدى استقباله إيرانيين عائدين من السودان: أنتم أصدقاؤنا وأحبابنا، المصري اليوم، تاريخ النشر30 أبريل 2023. https://bit.ly/3W0AsVd

(4) يحيى كوشيمة، استئناف العلاقات السعودية الإيرانية: دوافعه وتداعياته على الشرق الأوسط‏، جريدة الغد، تاريخ النشر 2 أبريل 2023. https://bit.ly/42WU0fw

(5) عيسى نهاري، كيف تؤسس السعودية لمفهوم جديد للسلام في الشرق الأوسط؟، Independent عربية، تاريخ النشر 20 أبريل 2023. https://bit.ly/3M50NwF

(6) عملية تبادل الأسرى باليمن.. وصول 19 أسيرًا بينهم 16 سعوديًا للرياض، العربية، تاريخ النشر 15 أبريل 2023. https://bit.ly/42yD1A5

(7) السفير السعودي في اليمن يؤكد جدية أطراف الحرب في جهود السلام، التلفزيون العربي، تاريخ النشر 11 مايو 2023. https://bit.ly/3BuR9yk

(8) مصدر سابق.

(9) سوريا تعود لجامعة الدول العربية بعد أكثر من 11 عاما على تعليق عضويتها وقطر لن تطبع علاقاتها مع دمشق، France 24، تاريخ النشر 7 مايو 20223. https://bit.ly/3o1Yl22

(10) مصدر سابق.

(11)  Patrick Wintour، saudi-Iranian detente is fragile but potential for the Middle East is huge، The Guardian، تاريخ النشر 8 مايو 2023. https://bit.ly/3I9Q7f5

(12) Max Boot، As a post-American Middle East dawns, Iran and China rush to fill the void in the Middle East، The Washington Post، تاريخ النشر 8 مايو 2023. https://wapo.st/3OrEowz

(13) Barak Ravid، Why a bill the U.S. handed to the UAE last year shocked MBZ، Axios، تاريخ النشر 10 مايو 2023. https://bit.ly/3o1XpL4

(14) عيسى نهاري، التهدئة في الشرق الأوسط تمهد لنظام إقليمي جديد، The Independent، تاريخ النشر 5 مايو 2022. https://bit.ly/3o3pxgI

(15) تركيا والسعودية: ما الذي يعنيه تقارب أردوغان وبن سلمان للبلدين والمنطقة؟، BBC News  عربية، 23 يونيو 2023. https://bbc.in/3MsYvZP

(16) مصدر سابق.

(17)  محمود علوش، المصالحة التركية السعودية وتأثيراتها الإقليمية، الجزيرة، تاريخ النشر 7 مايو 2023. https://bit.ly/3VZz5pP

(18) بدء المحادثات بين الجيش السوداني والدعم السريع في جدة، Sky News عربية، تاريخ النشر 8 مايو 2023. https://bit.ly/3OcONfc

(19) التوقيع على اتفاق جدة بين الجيش السوداني والدعم السريع.. أبرز البنود، الحرة، تاريخ النشر 12 مايو 2023. https://arbne.ws/3puf2U3

(20)  Declan Walsh and Michael Crowley،Sudan’s Clashing Forces Agree to Allow Aid In, but Not to a Truce, U.S. Says، The New york Times، تاريخ النشر 11 مايو 2023. https://nyti.ms/3IbZ47w

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى