سياسة أردوغان الخارجية بعد الفوز بولاية رئاسية جديدة في تركيا

عاطف سعد // وابامز

حقق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، انتصارًا سياسيًا جديدًا؛ بعد فوزه بولاية جديدة مدتها 5 سنوات، عقب خوضه جولتين من الانتخابات الرئاسية، متفوقًا على مرشح المعارضة، كمال كليجدار أوغلو، حيث حصل أردوغان على 52.14 بالمئة من الأصوات، مقابل 47.86 بالمئة لـ«أوغلو»، بنسبة مشاركة في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، بلغت أكثر من 85 بالمئة، حسب ما أعلنت لجنة الانتخابات التركية.

الرئيس أردوغان الذي حكم بلاده لسنوات، جدد، في خطاب النصر، تعهداته للشعب التركي، بالتغلب على ارتفاع معدلات التضخم، وبناء اقتصاد إنتاجي قوي، لكن ماذا عن «سياسة الرئيس التركي الخارجية» خلال السنوات المقبلة، فهذا ما سنحاول استشرافه خلال السطور التالية.

اتسمت السياسة الخارجية لـ«أنقرة» خلال سنوات، بالاحتقان مع قوى غربية، في مراحل متعددة، واحتقان آخر مع دول عربية في سنوات ماضية، إلا أن تلك السياسة تبدلت إلى التقارب ونبذ الخلافات في وجهات النظر خلال الشهور الأخيرة، أما عن علاقة وموقف تركيا في عهد أردوغان من روسيا وأوكرانيا، فكانت «ممسكة بالعصا من المنتصف»، فلم تلتزم صف روسيا ضد أوكرانيا، كما لم تنضم إلى حرب يغذيها حلف «الناتو» بالسلاح والمال- بزعامة أمريكية- ضد الجيش الروسي.

العلاقة مع الدول العربية

وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باتخاذ خطوات جادة ومنفتحة نحو الأفضل مع الدول العربية في كل الاتجاهات «سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا وتجاريًا»، وتلك الوعود السياسية التي أطلقها، جاءت قبل أيام، مشيرًا إلى تجاوزه فترة صعبة في العلاقات مع الدول العربية.

الخليج

أما عن تطور علاقة تركيا مع الشرق الأوسط الأوسط والخليج؛ فيرى أردوغان، أن المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والكويت والإمارات والخليج كله «دول شقيقة»، وكان من بين تطلعاته عقب الانتخابات، أن تتوسع بلاده في العلاقات على كل الأصعدة «السياسية والعسكرية والتجارية والاجتماعية والاقتصادية»، كما تعهد أردوغان بمزيد من الخطوات اللازمة لتحسين العلاقات التركية الخليجية.

مشاورات سياسية

جاءت زيارة رجب طيب أردوغان إلى السعودية، في أواخر أبريل 2022؛ لتترجم تطلعات الرئيس التركي نحو إعادة العلاقات مع المملكة، إلى مرحلة أفضل، وتجاوز كل الخلافات في وجهات النظر، والعمل على تقريبها، كما عقدت أنقرة والرياض، في 10 أبريل الماضي، أول جلسة مشاورات سياسية بين حكومتي البلدين، وعقد–آنذاك- نائب وزير الخارجية التركي، بوراك آق تاشابار، مباحثات مع الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي.

الرئيس التركي شدد، قبل زيارته إلى السعودية، العام الماضي، على إدانة بلاده للهجمات التي تستهدف أراضي المملكة، مؤكدًا ضرورة تحقيق الأمن والاستقرار في دول الخليج العربي؛ باعتباره من أمن واستقرار تركيا.

القاهرة وأنقرة

لا يمكن الحديث عن العلاقات التركية العربية، دون التعرض إلى علاقات أنقرة والقاهرة، التي انتابتها فترة من التوتر الواسع منذ عام 2014، لا سيما ما يتعلق بالدور التركي في الأزمة الليبية، ولكن انفراجة كبرى في العلاقات حدثت خلال الشهور الأخيرة، وتبادلا للزيارات من كبار المسؤولين، آخرها، زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إلى القاهرة، في مارس 2023، أعقبتها زيارة وزير الخارجية  المصري، سامح شكري، إلى أنقرة، في أبريل الماضي، وتأكيد الوزيران أن بلديهما معنيان بتطوير العلاقات الثنائية، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما.

ومن المنتظر- بحسب تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود أوغلو- أن تنتقل العلاقات بين تركيا ومصر بعد الانتخابات الرئاسية التي انتهت بفوز «أردوغان»، إلى مرحلة «التعيين المتبادل للسفراء»، و«استعدادات مستمرة لاجتماع القادة».

ويمكن تقييم مسار وشكل العلاقات بين البلدين في المرحلة المقبلة، حسب مراقبين، بأنها ستسير في اتجاه الأفضل ثم الأفضل؛ انطلاقًا من الدعم والمساندة المصرية والعربية الخليجية الواسعة لـ«أنقرة»، وإرسال المساعدات بعد الزلزال المدمر الذي ضرب مدنًا في تركيا وسوريا خلال فبراير 2023، وأوقع عشرات الآلاف من الضحايا والمشردين.

«صفر مشاكل»

تعقيبًا على التوقعات بمضمون سياسات الرئيس التركي في المرحلة المقبلة بعد انتخابه رئيسًا لولاية جديدة؛ قال الباحث في العلاقات الدولية، أحمد العناني، إن سياسة تركيا الخارجية في السنوات الأخيرة اتسمت بالسعي نحو “تصفير المشاكل” ومن المتوقع أن يسعى أردوغان في المرحلة المقبلة إلى استكمال إجراء تفاهمات في الملف السوري ولعب دور الوساطة السياسية بين روسيا وأوكرانيا وإنهاء حربهما المستمرة لـ15 شهرًا من القتال، ونيل مزيد من التقارب مع مصر بعد مرحلة احتقان تخطت الـ 7 سنوات.

وأضاف الباحث أحمد العناني، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، أن أردوغان أدرك أن فوزه لم يكن سهلًا، لا سيما وأن سياساته الداخلية والخارجية كانت محط تساؤلات وانتقادات، كما كانت مثيرة للجدل إلى حد بعيد، فتصادم مع العديد من العواصم، واختلف كثيرًا؛ ما جلب له متاعب سياسة واسعة على الصعيد الخارجي.

وأشار «العناني» إلى أن الرئيس التركي يدرك تمامًا حجم التحديات التي تواجهه داخليًا، وأبرزه الأزمة الاقتصادية، وخسائر العملة (الليرة) أمام الدولار، وارتفاع التضخم لأعلى مستوى في 24 عامًا عند 85 بالمئة خلال العام 2022؛ ما يحتم عليه «تقليل نوافذ رياح الغضب» التي تجلب عليه نقدًا، وتشكل ضغطًا عليه نتيجة صداماته الخارجية سياسيًا، ما دفعه للسعي إلى فتح صفحات جديدة من العمل السياسي والتقارب مع العديد من العواصم.

الملف الروسي الأوكراني

الوساطة ورفض العقوبات

تلعب تركيا دورًا واسعًا في الأزمة الروسية الأوكرانية التي اندلعت بنشوب القتال بين الطرفين في فبراير 2022، حيث توسطت أنقرة في اتفاق، سمح بتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود؛ مما يشير إلى دور ربما يلعبه «أردوغان» ضمن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، ولكم هذا الدور لم يشفع للدولة التركية، إذ تعرضت لضغوط لا تصدق، ومطالب بفرض عقوبات، ولكن دون انصياع تركي للمطالب الغربية، وفقًا لمسؤولين أتراك.

ثوب الوساطة الذي اكتست به سياسة تركيا من تلك الأزمة، برهنت عليه تركيا، التي لم تنضم إلى العقوبات «أحادية الجانب» المفروضة من القوى الغربية ضد روسيا، ففي وقت سابق، أشار المتحدث باسم الرئيس التركي، إبراهيم قالين، إلى أن عقوبات تركيا ضد روسيا الاتحادية، ستلحق ضررًا بالدرجة الأولى بأنقرة نفسها.

شراكة تجارية

التعاون البيني من الجانب التركي مع روسيا، كبير، وهو ما يفسر إحجام الأتراك عن إدارة ظهرهم لـ«موسكو»، في ظل أزمة اقتصادية عاصفة تعاني منها أنقرة، فالتجارة الثنائية تجاوزت 62 مليار دولار بحلول 2022، وهذا يجعل روسيا من بين أكبر الشركاء التجاريين لتركيا.

وفي أبريل الماضي، افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، أول محطة نووية تركية، في حفل افتتاح شاركا فيه «افتراضيًا»، وهي خطوة زادت من ارتباط الجارين على البحر الأسود، وشهد الحدث، تسليم الوقود النووي؛ لافتتاح محطة «أق قويو» في ولاية مرسين، وهي الأولى في العالم التي يتم بناؤها وامتلاكها وتشغيلها من قبل شركة واحدة، وهي شركة الطاقة الذرية الروسية «روس آتوم»، وبذلك، وسَّعت تركيا اعتمادها في مجال الطاقة على موسكو، في وقت كان حلفاؤها في (الناتو) يقللون من هذه الروابط؛ لمنع النفوذ الروسي ضدهم.

حياد معلن

رغم تسليم تركيا طائرات مسيرة «درونز» إلى أوكرانيا، لعبت دورًا في مواجهة الهجمات الروسية؛ إلا أنها رفضت الانضمام إلى «العقوبات المفروضة على موسكو»، وبالتالي أصبحت «مركز عبور» بديلًا مهمًا للصادرات الروسية التي تخضع لعقوبات غربية شديدة، وباتت تركيا من الدول القلائل في الدول الغربية التي تلتزم صف «الحياد المعلن» إلى حد كبير، دون انخراط في دعم أوكرانيا بحزم المساعدات المالية، رغم اعتراض الولايات المتحدة على السياسة التركية من ملف تلك الحرب.

الولايات المتحدة والغرب

اعتاد الغرب على وصف «الأهمية الاستراتيجية لتركيا»، بأنها «الجسر بين أوروبا والشرق الأوسط»، ولكن «عدم رضا» الدول الأوروبية بقيادة الولايات المتحدة عن الدور التركي من حرب أوكرانيا؛ غَيَّر كثيرًا من مكانة أنقرة، وفقًا لمحللين.

الصواريخ الروسية

عانت تركيا- البلد العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)- خلال سنوات ماضية، من توتر كبير في العلاقات مع الولايات المتحدة، ما عرضها لمفاقمة أزماتها في العديد من الملفات ذات الصلة، لا سيما بعد شراء «أنقرة» لأنظمة دفاع جوي روسية متطورة، ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات على الدولة التركية استهدفت صناعة الأسلحة.

مقاتلات «إف 35»

الشاهد، أن التوترات التركية الأمريكية، قد تُعرِّض تفوق أنقرة الجوي على جيرانها، للخطر، إذ يقترب الكونجرس الأمريكي من الإعلان عن بيع مقاتلة «إف 35» لليونان، في خطوة تهدف إلى «الحفاظ على تفوق أثينا العسكري» على أنقرة، كما سيصوت مجلس الشيوخ قريبًا على حزمة مساعدات عسكرية لليونان بمليارات الدولارات.

السويد وفنلندا

«زاد الطين بلة»، التوتر الذي ساد علاقات تركيا والعديد من عواصم الغرب، باعتراضات «أنقرة»- منذ شهور- على طلبي السويد وفنلندا الانضمام إلى حلف الناتو، حيث يتطلب الانضمام إلى الحلف، موافقة كل أعضائه، وهو ما جلب عليها غضبًا غربيًا سياسيًا، إلا أنه وبعد تردد طويل، وافقت أنقرة على انضمام فنلندا المجاورة لروسيا إلى «الناتو»، وبقيت السويد، بينما كانت الولايات المتحدة تأمل وتُمَنِّي النفس بفتح صفحة جديدة مع تركيا، مقابل انضمامها إلى صف الداعمين للحرب ضد روسيا، وهو ما لم يتحقق، وما زالت تركيا والمجر الدولتان الوحيدتان في «الناتو» اللتان تمنعان عضوية السويد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى