التداعيات الإقليمية للأزمة السودانية
إثيوبيا تستغلها لصالح سد النهضة.. وخليفة حفتر ينفي «رد الجميل» لقوات الدعم السريع

مقدمة
يشهد السودان حاليًا، أزمة تهدد وجوده، وربما تعمل على إعادة تقسيمه مرة أخرى، بعدما شهد الانقسام الأول على إثر حرب أهلية بين جنوب وشمال السودان، كان نتيجتها ظهور دولة سودانية أخرى جنوب السودان عام 2011، فالأزمة الحالية التي نقلت المشهد إلى حالة الصراع المسلح العنيف، لم يكن سببها إثني أو عرقي، مثل الأزمة الأولى، ولكن سببها «الخلاف حول المدة الزمنية التي يتم فيها دمج قوات الدعم السريع في الجيش»، بحسب ما جاء في بنود الاتفاق الإطاري الصادر أواخر العام الماضي.
ومع احتمالية استمرار الصراع- رغم وجود هدنة، وظهور بادرة من محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع في إنهاء الصراع-؛ فهناك تداعيات إقليمية خطيرة للأزمة السودانية الحالية على أغلب الدول المجاورة له، ربما تؤدي إلى إعادة انقسامه، وظهور دول أخرى، أو ولايات ذاتية الحكم.
مصر والملء الرابع لسد النهضة
أظهرت الأزمة السودانية، ضعف الداخل السوداني، وتقصيره في «دعم وحماية القوات العسكرية المصرية في السودان»، والتي كان وجودها بهدف تدريبي مع الجيش السوداني؛ على إثر بروتوكول تدريبٍ موقَّعٍ عام 2018 (1)، فبعد إعلان حالة الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، احتجز الأخير القوات المصرية، إلى أن تم الإفراج عنهم وعودتهم إلى مصر- بعد متابعة من القيادة السياسية والقوات المسلحة المصرية-، التي أعلنت حيادها من الأزمة السودانية، واعتبرتها شأنا داخليا، ولكنها من ناحية أخرى، أعلنت عن وساطتها لحل الأزمة (2)، والتي ترى في استمرارها؛ عاملا مؤثرا بشكل كبير على أمن مصر المائي، حيث التفتيت الحالي والنزاع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
أما إثيوبيا، وقبل نشوب هذه الأزمة بعدد من الأيام، فأعلنت على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، دينا مفتي، عن بدأ الملء الرابع للسد، وأن أديس أبابا «لا تحتاج لأخذ إذن» لبدء الملء الرابع(3)، كما أن خبراء مصريين رصدوا- عن طريق الأقمار الصناعية- هذه التحركات.
والملء الرابع، يعد هو الأضخم منذ بناء السد، والذي من المرجح أن يظهر تأثيره المائي، في ظل إجراءات ومشروعات نفذتها الحكومة المصرية؛ لأخذ احتياطاتها، وعدم ظهور تأثيرات لهذه الأزمة على المواطن(4).
وتحتاج القاهرة حاليًا إلى تكاتف الداخل السوداني، وتكاتف أبناء المصب (مصر والسودان) لمواجهة الخطر الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي، لذلك فكانت هناك جهود مصرية لمحاولة التعجيل بوجود حل نهائي للأزمة، فعرضت القاهرة على الأطراف السودانية- قبل اندلاع الأزمة الأخيرة- ورشة عمل، في الفترة بين 1 إلى 8 فبراير 2023، بعنوان «آفاق التحول الديمقراطي نحو سودان يسع الجميع»؛ من أجل التوصل- ولو حتى مبدئيًّا- إلى حل نهائي للأزمة، ومن ثم، التفرغ للأزمة الخارجية الكبرى (سد النهضة)، ولكن وجود حالة من الاحتراب الداخلي بإمكانه أن يؤثر تأثير بالغ على التحركات المصرية السودانية حيال الملء الرابع.
ليبيا وقوات الجنجاويد
في ظل المشهد الداخلي الذي يعتبر إلى حد ما هادئًا نسبيًا في ليبيا؛ يمكن أن يكون هناك تأثير كبير وخطير على هذه الحالة المستقرة نسبيًا؛ حيث من خلال العلاقة التي ربطت بين قائد قوات الدعم السريع، واللواء خليفة حفتر، من خلال «قوات الجنجاويد» التي شاركت في معارك الأخير ضد الحكومة الليبية (5)؛ يمكن أن تطالب قوات الجنجاويد- التي هي مكون وأساس قوات الدعم السريع- أن يقدم اللواء حفتر دعمًا عسكريًا لهم في الحرب التي تخوضها قوات الدعم السريع مع الجيش السوداني، كرد جميل» لجهود قوات الجنجاويد المشاركة في الحرب التي شنها الخليفة حفتر ضد الحكومة الليبية، أو من الممكن أن تمتد ساحة الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى جنوب ليبيا.
وتجنبًا لهذين المشهدين، وعدم ظهور تداعيات من الأزمة السودانية على مثيلتها الليبية، ولتوضيح موقف خليفة حفتر من الحرب التي تدور بين الجيش السوداني وقوات الدعم؛ أجرى اللواء حفتر، اتصالا هاتفيا بقائد الجيش السوداني، نفى فيه الأخير شائعة أي دعم قدمه إلى قوات الدعم السريع، كما طالب بتشكيل لجنة تعاونية من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي؛ للوصول إلى وقف إطلاق النار بين الطرفين(6)؛ وذلك حتى لا تمتد الأزمة الحالية في السودان إلى الداخل الليبي الذي عانى هو الآخر من حالة احتراب داخلي بين سلطاته.
تشاد وتجاهل دعم للمعارضة هذه المرة
لم تكن العلاقة على مر السنين جيدة بين الجارتين تشاد والسودان، فكلتاهما اتهمت الأخرى بـ«إيواء عناصر معارضة لأنظمتهما السياسية»، حيث كان هناك إيواء من النظام السوداني للمعارضة التشادية والعكس (7)، وبانطباق الأمر على الوضع الحالي؛ قد تعمل تشاد بشكل غير مباشر، على تقديم دعم للمعارضة (قوات الدعم)، ضد (الجيش) الذي يحظى بالشرعية إلى حد ما، ولكن الدعم التشادي لن يكون رسميا من قبل الحكومة وقبيلة الرزيقات التي ينحدر منها «دقلو»، والتي لها امتداد داخل تشاد، فهي من ستقدم له الدعم- حال تطلب الأمر-؛ تبعًا للعصبية القبلية.

أما الحكومة التشادية، فقد أعلنت فور الأزمة؛ غلق الحدود بينها وبين السودان (8)؛ حتى لا تكون هناك حالة تأثير سلبي للأزمة السودانية على الداخل التشادي، الذي يعاني هو الآخر من أزمات داخلية، وحالة عدم استقرار سياسي منذ مقتل إدريس ديبي، فمع مطلع عام 2023؛ كانت هناك محاولة من قبل ضباط من الجيش لزعزعة استقرار البلاد(9).
اقتصاد متأثر لجنوب السودان
تؤثر الأزمة الحالية في السودان، على اقتصاد جنوب السودان أيضا- التي انفصلت عام 2011-؛ من خلال عرقلة خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من دولة جنوب السودان إلى موانئ دولة السودان على البحر الأحمر للتصدير(10)، فاستمرار الأزمة؛ ربما يؤدي إلى عرقلة خطوط الأنابيب النفطية، أو زيادة الضرائب التي تفرضها السودان على هذه الأنابيب؛ لارتفاع معدل الحماية نتيجة حالة الحرب الداخلية، أو في أسوأ الحالات، ربما تشهد هذه الخطوط عمليات نهب وسطو؛ نتيجة للأزمات الداخلية السودانية.
الخاتمة
جميع البلدان المحيطة بالسودان ترى أن هناك تأثيرات سلبية عليها، ويختلف هذا التأثير بحسب كل دولة على حدة، كما يشمل هذا التأثير، السودان نفسه، وبشكل أكبر؛ نتيجة لهذه الأزمة، سواء كان على اقتصاده أو استقراره السياسي الذي لا ينفك عن التزعزع بين الحين والآخر، رغم المحاولات الإقليمية والدولية لرأب الصدع فيه، حيث أن هناك إجماع على ضرورة حل الأزمة التي يمر بها السودان حاليًا، وضرورة أن يكون هناك اتفاق بين أبناء شعبه على إخراجه من محنته.
قائمة المصادر
1- طائرات عسكرية مصرية تعيد جنودا من السودان.. ومصطفى بكري يعلق، CNN، https://cnn.it/3LG8sCv
2- الاشتباكات في السودان: مصر تواجه معضلة في التعامل مع الصراع في البلد المجاور، BBC NEWS، https://bbc.in/3Ntpa9A
3-كيف تؤثر التوترات في السودان على موقف مصر بملف سد النهضة؟، الشرق الأوسط، https://bit.ly/40LxYdT
4- خبراء مصريون يرصدون استعدادات إثيوبيا لأكبر ملء لسد النهضة، الشرق الأوسط، https://bit.ly/3HssUV3
5- كيف يمتد لهيب المعارك السودانية إلى الجنوب الليبي، اندبندانت العربية، https://bit.ly/3AGq2QA
6- المصدر السابق.
7- السودان وتشاد وفرصة إعادة التوازن، اندبندانت العربية، https://bit.ly/3LrsorM
8- تشاد تغلق حدودها مع السودان، RT العربية، https://bit.ly/44qZVei
9- الحكومة التشادية تعلن إحباط محاولة لزعزعة الاستقرار نفذها ضباط، اندبندانت العربية، https://bit.ly/3NkZQCJ
10- الأزمة الطاحنة في السودان من وجهة نظر أمريكية، اندبندانت العربية، https://bit.ly/3LnQQKm .



