«الرياض» تواصل دورها الفاعل.. هل تُخرِج السعودية «سوريا» من عزلتها العربية؟

عاطف سعد // وابامز
تعتزم المملكة العربية السعودية، دعوة الرئيس السوري، بشار الأسد، لحضور القمة العربية المزمع عقدها في العاصمة «الرياض»، خلال مايو المقبل، وهي خطوة من شأنها وضع حد لـ«عزلة سوريا» الإقليمية والعربية، ودلالات أكبر على حقيقة الدور السعودي الفاعل في تخليص المنطقة من توترات السياسة، وإعادة السوريين إلى الحضن العربي بشكل شبه متكامل؛ ما قد يُنهي حقبة سياسية سوداء من مخيلة السوريين الذين فرقتهم الحرب، وشتتهم القتال، دون عائد «إلا الدماء والخراب».
وبحسب مصادر لـ«رويترز»، سيتوجه وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إلى دمشق، خلال الأسابيع المقبلة؛ لتسليم الرئيس السوري، دعوة رسمية، لحضور القمة، المقرر عقدها يوم 19 مايو المقبل.
تلك الخطوة المهمة، سبقها- الشهر الماضي- توصل الرياض ودمشق إلى اتفاق؛ لإعادة فتح سفارتيهما، بعد شهر رمضان المعظم، فيما لم تؤكد وزارة الخارجية السعودية، التوصل إلى اتفاق تام، لكنها قالت إنها تجري محادثات مع وزارة الخارجية السورية؛ «لاستئناف الخدمات القنصلية، وفتح السفارتين»، بعد أكثر من 10 سنوات على انقطاع العلاقات.
نهج دبلوماسي جديد
تعيش المملكة العربية السعودية، نجاحًا دبلوماسيًا تلو النجاح، فها هي تبرم اتفاقًا مع الجمهورية الإيرانية في بكين، رَعَتْهُ الصين، سينهي حقبة دامت 7 سنوات من التأزم في العلاقات مع طهران، وسيخلصها من صداع وتهديدات الحوثيين، وما سببوه من مشاكل سياسية وعسكرية حدودية، ونال من مؤسسات ومنصات نفطية للمملكة، في الشهور الأخيرة.
في سياق متصل، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير لها، بأن التقارب السعودي السوري، قد يترك الولايات المتحدة الأمريكية على الهامش، في أثناء فترة من التحولات بمنطقة الشرق الأوسط، لا سيما وأن العلاقات بين النظامين السوري والأمريكي «ليست على ما يرام»؛ نتيجة رهانات نظام بشار الأسد الحاكم في دمشق، على الدور الروسي «بشكل أكثر» على صعيد المعادلة السياسية، ويستفيد أكثر أيضا من دور «فلاديمير بوتين» الداعم لنظام «الأسد».
ويقول «سونوكو سوناياما» الخبير في شؤون الشرق الأوسط، إنه على الرغم من أهمية الشواغل الاقتصادية وتوازن القوى؛ فإن الشواغل المتعلقة بالهوية والأيديولوجيا، تؤدي أهم دور في العلاقات بين البلدين.
ومن ناحية أخرى، يشير «إيان بلاك» في صحيفة الجارديان، إلى أن السياسة الخارجية السعودية، تركز في معظمها على الأعمال التجارية التي تنطوي على حوافز مالية ومبادرات ذات دلالة منخفضة، وهي سياسة استمرت تجاه سوريا حتى عام 2011.
مطالب مشروعة وخطوة مؤجلة
يرى أستاذ العلوم السياسية ونائب رئيس مركز رع للدراسات الاستراتيجية، «الدكتور أكرم حسام»، أن المناقشات لعودة العلاقات بين المملكة وسوريا، ليست وليدة اللحظة، وإنما جارية منذ أكثر من عام، لكنها كانت تسير في خطى متواترة وطبيعية؛ كونها تتعلق بمطالب سعودية مشروعة، تحفظ أمنها، بشأن قائمة مطالب تريدها المملكة من الحكومة السورية، كـ«شرط لإصلاح العلاقات»، بما في ذلك «التعاون الوثيق فيما يتعلق بأمن الحدود وتهريب المخدرات».
القدر لعب دورًا مفصليًا في تحجيم خطوة سياسية مهمة بين البلدين في الأسابيع الأخيرة، بحسب ما قال «الدكتور أكرم حسام»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، مشيرًا إلى أن المباحثات الأولية بشأن زيارة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان إلى دمشق، أو زيارة نظيره السوري فيصل المقداد إلى الرياض، أُرجِئَت؛ بسبب الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في فبراير الماضي.
ويبدو أن الظروف باتت مواتية لعودة سوريا إلى الحضن العربي عبر بوابة المملكة العربية السعودية، في وقت استأنفت فيه مصر- التي تحظى بثقل في الجامعة العربية- الاتصالات مع بشار الأسد، واتفق الجانبان على تعزيز التعاون، خلال أول زيارة رسمية يجريها وزير خارجية سوري إلى القاهرة، منذ أكثر من عقد من الزمان.

يتوافق النهج السعودي مع رغبة بشار الأسد الحثيثة، بحسب ما يرى «عمر رحمون» المحلل السياسي السوري، في عودة العلاقات الثنائية العربية، وسوريا تريد أن تُشَكِّلْ- بعودتها- «نقطة التقاء»، لا أن تكون عودتها «نقطة خلاف» عربي جديد، أو فراق.
ورأى «رحمون»، أن المتابع لحقيقة الدور السعودي، يراه «كمن بيده عقدة النكاح» في إعادة سوريا للبيت العربي، لا سيما وأن الفيتو السابق لعودة سوريا للجامعة، كان سعوديًا، أما الآن، وعندما تغيرت الظروف والمعطيات السياسية؛ ستقدم السعودية دعوة لسوريا للحضور، خاصةً وأن ترك سوريا في الماضي، لم يحقق لهذا الوضع إلا تجاذبات كبيرة، واختطاف لهذا البلد، كما لم يحقق أي عائد أو نتيجة إيجابية على الأمن القومي العربي، وبالتالي فإن عودتها بتحركات وتبني سعودي «مغنم سياسي» لجميع العرب.
موقف الجامعة العربية
يلامس الجهد السعودي، استفادة سوريا في القريب العاجل من دعم المملكة السخي، في تبني «حملات إعادة الإعمار» للدولة التي خربتها الحرب الأهلية، وأنهكها القتال المتبادل بين الفصائل المتناحرة والكتائب الإرهابية، فضلًا عن قدرة السعودية على إعادة دمشق إلى المسار الاقتصادي الصحيح، بالتدريج، ودمجها في النظام العالمي، في ظل توترات جيوسياسية، لا ترحم، ولا تعترف إلا باستمرار الأقوياء.
وبحسب ما يرى مراقبون، فإن التمهيد بشكل كبير لعودة دمشق إلى الصف العربي؛ ستكون سوريا ضمن أجندة الجامعة العربية واجتماعها المقبل في السعودية خلال مايو 2023، ويتوافق ذلك مع تصريحات وزير الخارجية، الأمير فيصل بن فرحان- في الأسبوع الأول من مارس الماضي- قائلًا: إن هناك توافقًا في الآراء في العالم العربي لعودة سوريا، وإن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر، لا سيما على الصعيد الإنساني، وإن المقاطعة ليست الحل.
وقال «جمال رشدي» المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية، «إن الجامعة ليست مطلعة على كل خطوة على المستوى الثنائي بين الدول العربية، ولا يفترض أن يجري إبلاغ الجامعة مسبقًا بالزيارة المفترضة».
مساعٍ عربية
تتبنى المملكة نهجًا حقيقيًا؛ لإنهاء عزلة دمشق، وذلك انطلاقًا من دورها الريادي في منطقة الشرق الأوسط، ولعل النقاشات التي حدثت بين ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مؤخرًا، تطرقت إلى ضرورة إعادة سوريا بالتدريج إلى الحضن العربي، وإنهاء مشاكلها السياسية والاقتصادية؛ بالعمل بالتوازي بين العاصمتين الكبيرتين، ضمن مساعٍ عربية عربية لإعادة دمج سوريا؛ باعتبارها دولة عربية ذات تاريخ مؤثر سياسيًا، وصاحبة مقومات اقتصادية وسياحية ليس من السهل تضييعها طوال هذه السنوات دون استثمار.
وفي سياق متصل، يقول خبير الشؤون العربية «واثق الجابري»، إن مساعي السعودية، ورغبة سوريا في العودة إلى البيت العربي الكبير؛ سيكون لها آثار وثيقة الصلة في تخلص دمشق «رويدًا رويدًا» من أزمة سياسة تعدت العقد من الزمان، وهي «الاقتتال الداخلي»، و«الحرب الأهلية التي أتت على الأخضر واليابس» في البلد العربي المنكوب بـ«الصراعات السياسية، وآفة الإرهاب، وانتشار الأسلحة بصورة مرعبة، وسطوة الجماعات المتطرفة».
وأضاف «واثق الجابري»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، أن الدور السعودي يتمتع بقوة عالمية؛ انطلاقا من قناعات حقيقية وفكرية، وقوة اقتصادية يشار لها بالبنان، وبالتالي، من الطبيعي أن يكون لهذا الدور فاعلية حقيقية في تخليص المنطقة من الوصاية الأمريكية على أي عاصمة عربية؛ ما يعزز فرص عودة سوريا، وسيكون للنجاح السعودي في هذه المضمار «نصيب الأسد» في عودة نظام «بشار».
وتوقع «الجابري» عودة سوريا إلى دورها العربي، وإن كانت هناك عقبات، إلا أنها سيتم تذليلها سياسيًا، لا سيما وأن دمشق، لم تطرد من الجامعة، أو تفقد مقعدها، وإنما القرار الذي صدر في عام 2011، كان «تعليق مشاركة الوفود الرسمية السورية».
خاتمة
الوضع الراهن يحتم على الدول العربية، التوحد، وعودة سوريا للحضن العربي، وللمملكة أيادٍ سياسية بيضاء في هذا الشأن، ودور «الفاعل الأول»، لا سيما مع بدء اعتماد المنطقة الشرق أوسطية على نفسها، وإدارة أزماتها دون حاجة إلى القوى الإقليمية «الغارقة في صراعاتها» مع بعضها البعض وتناحرها «في أوكرانيا»، وعلى «كعكة النفوذ والسطوة في إفريقيا»، لا سيما مع انسحاب سياسي للولايات المتحدة من المنطقة العربية، بعد أن كانت الحليف الأكبر لمعظم هذه الدول، مقابل النفوذ الصيني الروسي الذي بدأ في التمدد ووصل إلى المنطقة العربية.



