تقدير موقف| التكنولوجيا واستخدامها في التجسس بين أمريكا والصين.. لمن الغلبة؟

عاطف سعد// وابامز
يظل الصراع بين الصين والولايات المتحدة، جزءًا من الصراع الجيوسياسي بين البلدين، والذي تؤكد عليه أمريكا في الوقت الحالي، ولعل أبرز الأزمات في ملفات التجسس بين البلدين؛ كان «المنطاد الصيني» الذي أسقطته الولايات المتحدة بأوامر مباشرة من الرئيس جو بايدن، وأُلْغِيَ على أثره، لقاءً كان مرتقبًا بين وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ونظيره الصيني.
تجسس الولايات المتحدة والصين على بعضهما البعض باستخدام كل الوسائل؛ هو أمر معتاد، وتستخدم كلا من الولايات المتحدة والصين، على مدى عشرات السنين، أقمارًا اصطناعية للمراقبة؛ لمتابعة الدولة الأخرى من الجو، ولكن أزمة المناطيد كانت الأشهر والأوقع صدى عالميًا، وأرَّقت الأمريكان بشدة.
ووفق موقع «ذا أتلتيك» الأمريكي؛ دومًا كانت وكالتا الاستخبارات الأمريكية والصينية، تصارعان بعضهما البعض، منذ عقود، لكن ما تشير إليه هذه الحالات الأخيرة، هي أن الحرب الاستخباراتية تتصاعد، وأن الصين زادت من نطاق وتعقيد جهودها؛ للحصول على المعلومات من الولايات المتحدة.
160 حالة تجسس في 23 عامًا
يؤكد متخصصون أن عمليات التجسس تقوم على الخداع والتمويه؛ بهدف معرفة أسرار العدو أو الخصم، لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، وجمع المعلومات؛ بهدف اتخاذ إجراءات احترازية، تحد من حجم المخاطر.
ورصد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له، قرابة 160 حالة، تم الإبلاغ عنها علنًا من التجسس الصيني الموجه إلى الولايات المتحدة منذ عام 2000، وجاءت الحوادث المرصودة؛ لـ«الحصول على تقنيات تجارية» في المرتبة الأولى بواقع 51 بالمئة، ثم المتعلقة بـ«التجسس السيبراني» بواقع 41 بالمئة، ثم لـ«الحصول على التكنولوجيا العسكرية» في المرتبة الثالثة.
الهجوم الكبير والحرج البالغ الذي مُنيت به الصين عالميًا، جراء الإعلام الأمريكي والغربي وحملاته الشرسة بسبب التجسس وأزمة المنطاد؛ أجبر «بكين» على محاولة الرد بالمثل، حيث قال «وانغ ون بين»، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، نقلًا عن وسائل إعلام دانماركية: إن وكالة الأمن القومي الأمريكية، بالتعاون مع المخابرات الدنماركية، مارست عمليات التجسس على العديد من السياسيين، ومن ضمنهم سياسيين ألمان، ونرويجيين، وفرنسيين، بمن فيهم المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، وهي تصريحات تشعل الغضب الأوروبي ضد واشنطن بكل تأكيد.
أزمة المنطاد وشكوك واسعة
لا شك أن أزمة المنطاد الصيني الأخيرة، كشفت الكثير من النيران المشتعلة تحت الرماد بين البلدين فيما يتعلق بنشاطية المعلومات، وخلف جدران التجسس المتبادل، وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» في تقرير لها، خلال الأسبوع الأول من مارس 2023، أن وزارة الدفاع الأمريكية تعتقد أن رافعات الصين بالموانئ قد تكون أدوات محتملة للتجسس.
وقالت الوزارة إن الرافعات الصينية غير مكلفة، وقد تكون ذريعة للتجسس، معربةً عن مخاوف حقيقة من حصول الصين على معلومات عسكرية عن البضائع الأمريكية للجيش.
وفي أول رد من السفارة الصينية في واشنطن، قالت: إن المخاوف الأمريكية من الرافعات الموجودة في الموانئ، تهدف إلى «عرقلة التعاون».

ويقول خبير العلاقات الدولية «ضياء نوح»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، إن المتتبع لأزمة المنطاد الصيني وما ترتب عليها؛ يكتشف حجم الشرخ الكبير في جدار العلاقات بين البلدين، بعدما أكد البنتاجون، في فبراير 2023، أن بالونات التجسس الصينية «طارت لفترة وجيزة» فوق الولايات المتحدة 3 مرات، على الأقل، خلال إدارة الرئيس، دونالد ترامب.
بينما مرة واحدة في السابق، في عهد الرئيس الحالي جو بايدن، وأكد جنرال القوات الجوية «جلين فانيرك»، قائد القيادة الأمريكية الشمالية للدفاع الجوي والفضائي، أن الأحدث، هو منطاد يبلغ ارتفاعه 200 قدم (60 مترًا) وتزن الحمولة تحته ألفي رطل.
«تيك توك» نموذجًا
ننطلق إلى فصل آخر من فصول الصراع وأكثرها عمقًا في ربوع التجسس بين بكين وواشنطن، حيث تعكس الأزمة المشتعلة في الآونة الأخيرة بسبب تطبيق «تيك توك»، ازدواجية تطبيق المعايير لدى الولايات المتحدة الأمريكية، التي قد تحصل على المعلومات والوثائق بشتى الطرق التقنية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تتواجد مقراتها الرئيسة في أمريكا.
وعلى الجانب الآخر، وبالنسبة لـ«واشنطن»، تظل الصين تشكل تهديدًا واسعًا للأمن القومي الأمريكي، وهو ما يعكس الاختلافات حول العديد من العراقيل في ملفات سياسية واقتصادية وصراعات تجارية، لا سيما، الموقف الصيني من الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من 13 شهرًا.
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الدولية «أحمد سلطان»، أن الولايات المتحدة، تخشى من حدوث اختراقات واسعة لمؤسسات أمنية ورئاسية عبر تطبيق «تيك توك»، الذي قد توظفه الصين للحصول على معلومات وأسرار أمريكية من موظفين رسميين أو مواطنين.
وقال الباحث أحمد سلطان، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، إن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نسبيًا في مجال الرقابة والإشراف «غير المعلن» على وسائر التواصل الاجتماعي، وبالتالي، هي تخشى من تلاشي هذا التفوق، وأن يصبح عدميًا، وأن تتحول الدفة إلى «بكين» عن طريق تطبيق «تيك توك» أو تطبيقات أخرى في المستقبل القريب.
نتائج صادمة
يؤكد «مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة»، أن أزمة المنطاد، كشفت أن الصين تقوم بالتجسس على الولايات المتحدة منذ فترة، باستخدام هذا الأسلوب، دون أن تتمكن الأخيرة من إدراك ذلك، إلا مؤخرًا، وهو ما يعني أن هذه القضية ستصبح مجالًا للاستقطاب السياسي الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، الأمر الذي سيغذي في النهاية، من تبني سياسات معادية لـ«بكين»، وبالتالي، دعم استقلال تايوان عنها؛ وهو ما يعني أن العلاقات بين الجانبين ستكون مرشحة لمزيد من التدهور، ما قد يجهض التفاهمات التي توصل إليها رئيسا البلدين بـ«استئناف الحوار والاتصال بشأن مختلف قضايا العلاقات الصينية الأمريكية».
تنافس وخسائر
تعد وزارة أمن الدولة الصينية، مسؤولة عن غالبية العمليات الاستخباراتية الصينية، ويتولى الجيش الصيني هذه المسؤولية أحيانًا، لا سيما، في عمليات التجسس السيبرانية.
وبحسب بيانات لوزارة الخارجية الصينية، أعلنتها في منتصف فبراير الماضي، استثمرت وزارة الدفاع الأمريكية، منذ العام 1997، مليارات الدولارات، في الأبحاث التي تهدف إلى تطوير مناطيد استطلاع، بإمكانها التحليق على ارتفاعات عالية، وفي العام 2022، تم استخدامها في عمليات التجسس على الصواريخ فرط الصوتية، الروسية والصينية.
ودعت الخارجية الصينية، المجتمع الدولي، إلى الحذر من ظاهرة التجسس الأمريكية على الدبلوماسيين الدوليين، وأخذها بعين الاعتبار، وجاء ذلك؛ ردًا على تصريحات أمين عام حلف الناتو «ينس ستولتنبرج»، بأن «ظاهرة البالونات المجهولة» في سماء الولايات المتحدة، مؤشر على تكثيف الصين أنشطتها الاستخباراتية ضد دول «الناتو»، وبينها الولايات المتحدة.
وتمتلك بكين بالتأكيد، القدرات والأعداد؛ لانتهاج استراتيجية كهذه، فالجيش الصيني وحده، يمتلك ما يقرب من 40 ألفًا من القوات السيبرانية، مقارنةً بـ6 آلاف فقط يمكن للقيادة الإلكترونية الأمريكية الاستعانة بهم.
وتجمع الولايات المتحدة، المعلومات الاستخباراتية الأجنبية؛ لأغراض الأمن القومي، لا لكي تشاركها مع الشركات الأمريكية، حتى يمكنها الحصول على ميزة تنافسية على منافسيها الدوليين، على عكس الصين، والتي تشير تقارير غربية، إلى أنها تعتمد على عقول المواهب والمتخصصين في سرقة الأسرار والمعلومات؛ لتحقيق الريادة والتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية.
الطلاب الصينيون والمخاوف الأمريكية
في سياق متصل، يكلف التجسس الصيني، الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر من 600 مليار دولار سنويًا من الملكية الفكرية المسروقة، ومن هنا، ستجد تعاونا كاملا، ومشاركة للمعلومات، بين الطلاب والدارسين والأكاديميين، بل وحتى الصينيين المقيمين في أمريكا وكل ولاياتها المختلفة، مع «وزارة الأمن القومي الصينية»، والمؤسسات الرسمية والقومية للدولة الصينية، والتعاون مع الوكالات الأمنية الصينية، والتي تستهدف بشكل كامل، الالتقاء بشكل دوري، بالمبتعثين الصينيين في الخارج، خاصةً في واشنطن.
وتقول الدكتورة نادية حلمي، أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعة بني سويف: «يبقى التخوف الأمريكي المستمر من كل الطلاب والدارسين الصينيين داخل المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأمريكية، فضلًا عن تزايد الاتهامات الأمريكية للسلطات في الصين، باستخدام طلابها وباحثيها؛ للإضرار بالأمن القومي الأمريكى، وإجبار الدولة الصينية لمبعوثيها، على مشاركة أبحاثهم ومعلوماتهم وتخصصاتهم، لا سيما، للباحثين والأكاديميين في القطاعات والتخصصات العلمية الدقيقة والتكنولوجية.

التحذيرات المستمرة الصادرة من مسؤولين لأجهزة الأمن، في كل من أجهزة الاستخبارات المركزية «الأمريكية والبريطانية»، تكشف عن وجود شبكات صينية هائلة للتجسس الإلكتروني، وبرامج قرصنة إلكترونية، يتجاوز حجمها ما تمتلكه القوى العالمية الكبرى مجتمعة.
الرد الصيني على تلك التحذيرات؛ تمثل في حصول مركز بكين للأمن السيبراني، على معلومات استخباراتية، تفيد بأن منظمةEquation للقرصنة الإلكترونية، التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية، شنت هجمات سيبرانية، وراقبت 45 دولة حول العالم، لأكثر من 10 سنوات، بما فيها «روسيا، والصين، وبريطانيا، وألمانيا، وهولندا».
وأخيرًا، يشي التنافس الصيني الأمريكي، بوجود صراع كبير في عالم الأسرار والحصول على المعلومات، والذي يتسم بالغموض في كنف الجاسوسية، التي نادرًا ما يتم الإعلان عنها، بحسب ما قال أحد مسؤولي المخابرات الأمريكية.
وأوضح: «نادرًا ما ترى بعض القضايا ضوء قاعة المحكمة؛ لأن هناك مواد سرية لسنا على استعداد للمخاطرة بها، وفي بعض الأحيان، لا تتم محاسبتهم على الإطلاق، ويتم التعامل معهم من خلال وسائل أخرى».



