الحرب الروسية و«الحزام البحري» يقودان اليابان لطريق «العسكرة» المفقود

عاطف سعد // وابامز

ألقت الحرب الروسية الأوكرانية- التي اندلعت في 24 فبراير 2022- حجرًا كبيرًا في أمواج السياسة الدولية، وخريطة التحالفات العالمية، وأثارت الكثير من المخاوف لدى العديد من الدول، وعلى رأسها اليابان؛ إذ دفعتها المخاوف، إلى التفكير الجدي في ضرورة «إحياء الجيش الياباني» الذي كان قوة لا يستهان بها في الحرب العالمية الثانية، لدرجة دفعت الولايات المتحدة الأمريكية (العدو القديم)، إلى إلقاء قنبلتين نوويتين على المدينتين اليابانيتين (هيروشيما ونجازاكي)؛ حتى تقضى على الجيش الذي كان قادرًا على ضرب أهداف حيوية في العمق الأمريكي، وتهديد وجود القوى الكبرى.

والكل يذكر ما حدث للجيش الأمريكي في ميناء «بيريل هاربر»، من دمار مروع لَحِقَ بالأسطول البحري، فقد كان أحفاد الساموراي، أول قوة آسيوية تمتلك حاملات طائرات، قادرة على ارتياد أعالي البحار والمحيطات، وسجلت انتصارات مدوية.

وحسب ما يرى متخصصون في الشأن الدولي، ومع تزايد التهديدات الروسية- لا سيما ضد العديد من القوى العالمية، أبرزها أمريكا وبريطانيا-؛ باتت «طوكيو» تنظر بقلق بالغ إلى مصالحها، مع عدم مقدرة واشنطن على توفير حماية كاملة لحلفائها، ومن بينهم أوكرانيا، ولم تُجْدِ التمويلات ولا الدعم الغربي لـ«ـكييف»، في انتشالها من بين «أنياب الدب الروسي»، وبالتالي، عمل اليابانيون بالمقولة: «ما حك جلدك مثل ظفرك».

استعادة أمجاد الساموراي

الرغبة اليابانية المحمومة، الساعية إلى إعادة بناء جيش قوي، يكون قادرًا على حماية أمنها القومي، تأتي في مرحلة، يشهد فيها العالم أجواء الحرب الباردة، كما بلغ الاستقطاب «أوج ذروته»، متمثلًا في وجود معسكرين قوييين متنافسين، «الأول» تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والجانب الأكبر من دول قارة أوروبا؛ بزعم (حماية الديمقراطية والمبادئ الليبرالية)، و«الثاني» تتزعمه روسيا والصين؛ بهدف (القضاء على هيمنة واشنطن) باعتبارها القطب الأوحد في العالم.

وبات العالم يشهد مناورات وتراشقات مضادة، تضع العالم في أجواء الاستعداد لـ«الحرب العالمية الثالثة»، ولعل آخرها، المناورات البحرية المشتركة في خليج عمان، بالقرب من مضيق هرمز، بمشاركة «إيران وروسيا والصين» خلال الفترة من 15 إلى 19 مارس 2023، والتي أُطلِقَ عليها «حزام الأمن البحري»، وقالت عنها وزارة الدفاع الصينية، إنها تساعد في تعميق التعاون بين القوات البحرية للدول المشاركة، بينما أكدت روسيا أنها «ترتقي بالعمليات التكتيكية»، وهو ما عزز مخاوف اليابانيين.

حزام الأمن البحري

المراقبون والخبراء الاستراتيجيون، يرون أن مناورة حزام الأمن البحري، تنذر بـ«محور دولي جديد» تتشكل ملامحه، وأنها أشبه بـ«إعلان تحالف قوي» بين الصين وروسيا وإيران، إذ تعززت العلاقات العسكرية بين الأطراف الثلاثة في السنوات الأخيرة.

ويرى الباحث في الشؤون الدولية «محمود البتاكوشي»، أن اليابان تعلم جيدًا أن ما يشهده العالم من مناورات ومناورات مضادة؛ يعيد العالم إلى أجواء الحربين العالميتين، بعد أن وصلت الحرب الباردة إلى ذروتها بين جميع الأطراف، ومع الأسف، العالم بأسره سيدفع الثمن غاليًا، لا سيما في ظل توتر علاقاتها مع روسيا والصين، حيث وقَّعت الأخيرة، عددًا من اتفاقيات التعاون الأمني مع جزر سليمان وكريباتي؛ بما يمكنها من تثبيت نقاط ارتكاز لقواتها البحرية، التي تعد الأكبر في العالم الآن.

وقال الباحث «محمود البتاكوشي»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»،: إن هذا الأمر يهدد- على نحو ملحوظ- الوجود الياباني، كل ذلك يدفع بقوة نحو «عودة الساموراي» لبناء جيش عصري حديث، قادر على ردع القوى الإقليمية، لا سيما أن الحكومات اليابانية لم تجد صعوبات في التحديث التقني لقواتها المسلحة، وخاصة سلاحي الجو والبحرية؛ إذ ما زالت تمتلك قاعدة تصنيعية، تصنف من بين «الأقوى في العالم»، ولديها الكوادر والموارد اللازمة لتحقيق التصنيع الذاتي لمتطلبات وقيادة الحرب الحديثة.

الإنفاق العسكري

الحرب الروسية الأوكرانية دفعت اليابان إلى زيادة إنفاقها العسكري، والسير على خطى ألمانيا؛ ليتناسب مع معدلات الإنفاق العسكري لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما فتحت محادثات أمنية مع الهند؛ لمواجهة توغلات الصين وروسيا، فضلا عن تقارب وجهات النظر بينها وبين ألمانيا حول أهمية التعاون لمواجهة روسيا والصين.

وأكبر دليل على خطورة تغيير استراتيجية اليابان العسكرية؛ هو قلق الصين تجاه ذلك، إذ أكدت وزارة الدفاع الصينية، أن اليابان عززت (بشكل كبير) ميزانيتها الدفاعية، وأن هذا الاتجاه للعودة إلى طريق «العسكرة» خطير للغاية، ويهدد الاستقرار والأمن في المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى