التقارب الإيراني السعودي| هل تنصاع طهران للاتفاق؟
فرص السلام في صنعاء وبيروت

عاطف سعد// وابامز
بعد انقطاع دام لنحو 7 سنوات؛ أعلنت إيران والمملكة العربية السعودية، الجمعة الماضية، استئناف علاقاتهما الدبلوماسية، بمبادرة من الصين، وتضمنت أهم نقاط الاتفاق؛ إعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدة أقصاها شهرين، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واتفقا أيضًا أن يعقد وزيرا الخارجية في البلدين، اجتماعًا؛ لتفعيل بنود الاتفاق، وترتيب تبادل السفراء، ومناقشة سبل تعزيز العلاقات بينهما.
كما اتفقا على تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما، الموقعة في 2001، والاتفاقية العامة للتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب، الموقعة في عام 1998.
وأعربت الدول الثلاث (السعودية وإيران والصين)، من بكين، عن حرصها على بذل كل الجهود لتعزيز السلم والأمن الإقليمي والدولي.
ورغم نجاح الصين في تكليل الجهود الدبلوماسية نحو إعادة العلاقات بين طهران والرياض على المستوى السياسي والدبلوماسي- وهو إسهام في إحداث التقارب بدأ منذ أبريل عام 2021، من خلال جولات واجتماعات وسلسلة محادثات بين مسؤولين أمنيين من إيران والسعودية لتقريب وجهات النظر، استضافها العراق وسلطنة عمان-؛ لكن ماذا عن فرص الحياة لهذا الاتفاق، وتأثيراته على أزمة اليمن وتهديدات الحوثيين؟.
نهاية 7 سنوات عجاف
يرى مراقبون، أن الاتفاق السعودي الإيراني، ربما يضع نهاية لسنوات من الخلافات، بين قوتين، لهما ثقلهما في المنطقة؛ الأمر الذي قد يخمد نار صراعات، لم تعد دول الإقليم- المتخمة بالصراعات، والمحاطة بالأزمات السياسية والاقتصادية- تتحمل تبعاتها؛ في ظل أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة، وذلك ما لم يكن لقوى عظمى أخرى رأي مغاير.
السعودية سبق أن قطعت العلاقات مع إيران في يناير عام 2016؛ بعد الاعتداء على سفارة المملكة وقنصليتها في إيران، وسط احتجاجات من إيرانيين على إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي «نمر النمر».
هذا التقارب، سيعمل أيضًا على توليد تقارب أمني، يضمن أمن المنطقة كلها، وعدم التدخل الإيراني فى شؤون الشرق الأوسط لفترة من الوقت؛ نظرًا لما تملكه «الرياض» من ثقل عالمي، ومكانة كبيرة في المنطقة، خاصة وأنها بمثابة «رب البيت الخليجي»، فضلًا عن تعزيز فرص إنهاء حرب اليمن، المستمرة منذ سنوات.

أما عن الضمانات؛ فيعتقد الباحث في العلاقات الدولية «أحمد العناني»، أن الصين ضامن قوي، وتملك السيطرة على إيران إزاء تنفيذ تعهداتها، ويؤشر الاتفاق إلى تعاظم الدور الصيني اقتصاديًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، على حساب ضعف النفوذ الأمريكي في تلك المنطقة، بحسب ما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز».
أهمية التقارب السعودي الإيراني
دوليًا.. وصفت الصين، الاتفاق الذي ترعاه بين السعودية وإيران، بأنه «نصر للسلام»، بينما تراه الولايات المتحدة الأمريكية «فرصة لتهدئة التوترات»، كما توالت ردود الفعل العربية والعالمية المرحبة والمحفزة على نجاح وديمومة توقيع الاتفاق.
ويقول الباحث المتخصص في العلاقات الدولية، «أحمد العناني»: أعتقد أن المملكة العربية السعودية وإيران، في حاجة ماسة إلى هذا التقارب، أولًا؛ لأن إيران أصبح لديها مشاكل داخلية كبيرة، وتعاني من استمرار تظاهرات واحتجاجات في مناطق عديدة، إلى جانب العاصمة طهران؛ بسبب سياسة دعمها لأذرعها وميليشياتها في اليمن ولبنان وسوريا والعراق، وأيضًا مشاكل اقتصادية؛ جراء العقوبات الأمريكية والغربية، وممارسات أمنية، جلبت المشاكل، كما حدث في «مقتل مهسا أميني».
وأضاف «أحمد العناني»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»: وجدت إيران ضالتها في هذا التقارب، ومن أجل مصالحها، وإقامة شراكة اقتصادية، تحقق آمالها، وتساعدها في مواجهة العقوبات الغربية والأمريكية القاسية.
أما المقاربة السعودية، فهي رابحة في هذه المعادلة؛ لأن المملكة ستضاعف فرص أمنها، لا سيما وأنها ستتجنب بشكل كبير، الخطر الحوثي القادم من اليمن المجاور، وبالتالي، ضمان عدم إطلاق أي صواريخ بالستية تجاه مواقع بالمملكة من جانب الحوثيين، وكذلك ضمان عدم الضرر مرة أخرى للمنشآت النفطية والأهداف الحيوية.
الرؤية الأمريكية والذراع الحوثية
اعتبر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي «جون كيربي»، أنه ما زال مبكرًا الحكم على صمود الاتفاق بين السعودية وإيران، مشيرا إلى أن بلاده لم تكن طرفًا مباشرًا في إبرامه، رغم علمها بالمحادثات التي سبقت التوقيع، ويبقى أن نرى ما إذا كان الإيرانيون سيلتزمون به، ومدى الرغبة في إنهاء الحرب باليمن.
بينما نقلت «واشنطن بوست» عن «ميساء شجاع الدين»، الباحثة البارزة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن المحادثات لإنهاء الأزمة بين المملكة والحوثيين؛ هي أحد الروافد، وتمثل انعكاسا أيضًا للتقارب السعودي الإيراني.
من ناحية أخرى، علقت السفارة اليمنية في واشنطن، على الاتفاق السعودي الإيراني، بالقول: «لا يزال النظام الإيراني يرسل أسلحة فتاكة إلى ميليشيا الحوثي الإرهابية في اليمن، والسفارة اليمنية في طهران لا تزال محتلة».
بينما بدا موقف الحوثيين مرحبًا بالاتفاق، حيث غرَّد المتحدث باسمهم «محمد عبد السلام» على موقع «تويتر»، كاتبا: «المنطقة بحاجة إلى عودة العلاقات الطبيعية بين دولها، تسترد بها الأمة الإسلامية أمنها المفقود نتيجة التدخلات الأجنبية».
ويرى متخصصون، أن الفترة الأولى من الاتفاق، ستشهد على الأقل، تطمينات فعلية على الأرض، نحو مزيد من التهدئة، وفرص للسلام بين الحوثيين والسعودية، خاصة في ملف تهديد المنشآت النفطية بالمملكة، وكلما تعززت فرص الاتفاق؛ ستزداد فرص السلام في اليمن بشكلٍ متوازٍ.
اتفاق «الممكن» و«الصعب»
يقول الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، «أسامة الهتيمي»: ربما جاء الاتفاق في توقيت غاية في الأهمية؛ إذ تزامن مع ملابسات إقليمية ودولية، تدفع الجميع إلى العمل على تهدئة الأجواء، والتخفيف من حدة التوترات التي تسود بالعديد من المناطق، وأثرت بشكل سلبي كبير على الأوضاع الاقتصادية في أنحاء مختلفة من العالم، خاصة المنطقة العربية، إلا أنه من الخطأ أيضًا، الاعتقاد بأن الاتفاق سيكون بمثابة «عصا سحرية» لتسوية الملفات العالقة بين الدولتين، والتي هي ذاتها، المشكلات الكبرى التي تعانيها العديد من دول المنطقة.
ويعلم الجميع، أن هذه الإشكاليات، تفاقمت، وكانت العلاقات السعودية الإيرانية لا زالت قائمة، قبل أن تقطع في العام 2016؛ بعد الاعتداء الإيراني على السفارة السعودية في طهران.
ولعل الإشكالية الكبرى، تتعلق بأن الكثير من السلوك السياسي الإيراني- الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه في الوقت الحالي- لا يقتصر على كونه مجرد اجتهاد سياسي، يصيب ويخطئ، أو يهدف إلى تحقيق المكاسب، والحقيقة هي أن هذا السلوك يعبر عن جانب عقدي وأيديولوجي، لا يمكن للقائمين على النظام الإيراني، أن يتخلوا عنه على الإطلاق، ففي هذا إعلان رسمي بانهيار الأسس التي قام على أساسها هذا النظام؛ وهو ما لم ولن يقبله نظام طهران.
وأضاف الباحث «أسامة الهتيمي»، لـ«الوشم الأوسط»: إيران لا يمكنها أن تتخلى عن مشروعها السياسي في اليمن، واستمرار دعم الحوثيين، أو التخلي عن حملهم للسلاح، وهل سيدفعون الحوثيين لإخلاء العاصمة صنعاء للحكومة الشرعية والدخول في حوار سياسي يجمع كل الفرقاء السياسيين في البلاد؟، أعتقد أن الأمر ليس بهذا اليسر، خاصة وأن بعض المسؤولين باتوا يتحدثون، وبشكل صريح، عن أن الملف اليمني، ملف خاص، بعيدًا عن ملف العلاقات السعودية الإيرانية، وأن المملكة وشركائها مطالبون بأن يتحملوا تبعات «عاصفة الحزم»، وغير ذلك، مما سيستغرق وقتًا ليس بالقصير.
وعلى المستوى اللبناني، لا يختلف الوضع كثيرًا، فلم يزل حزب الله اللبناني- الذي له الكلمة العليا في لبنان-، والذي ورغم ترحيبه بالاتفاق؛ ترتهن مواقفه بالمواقف الإيرانية، ومن ثم، فإن أية حلحلة في ملفات الانتخابات الرئاسية أو تشكيل الحكومة أو حتى الوضع الاقتصادي؛ ستكون تابعة لبوصلة طهران، التي ستكون اتجاهاتها «وفق ما يتوافق والمصلحة الإيرانية»؛ الأمر الذي قد ينسف من الأساس، المبدأ الصريح الذي على أساسه كان الاتفاق السعودي الإيراني في بكين، والقاضي بـ«احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».
انعكاسات الاتفاق في إسرائيل
تحدثت عدة تقارير، بوسائل إعلام إسرائيلية، عن تبادل الاتهامات في تل أبيب، عن الفشل، بعد الاتفاق السعودي الإيراني، حيث نقلت قناة «كان» الإسرائيلية، عن مصدر سياسي كبير، قوله: إن «يائير لابيد، زعيم المعارضة، مسؤول عن التقارب بين السعودية وايران»، وأشار إلى أن «السعودية تشعر بوجود ضعف أمريكي، وضَعْفَين في إسرائيل؛ لذلك توجهت إلى آفاق أخرى».
ومن جهتها، عبَّرت المحللة في الشؤون العسكرية «كارميلا مناشيه»، عن حالة القلق من الاتفاق، الذي يعظم الدور الصيني بالمنطقة، وينحي جانبًا، الدور الأمريكي، خاصة وأن المملكة لها علاقات جيدة للغاية مع الولايات المتحدة، مضيفة: «أعتقد أن ذلك الاتفاق سيقلق إسرائيل كثيرًا».
نوايا إيران والبرنامج النووي
كلمة السر في هذا التقارب السعودي الإيراني؛ هي «صدق النوايا»، وهو ما دفع الكثير من المراقبين والمحللين إلى توقع ذلك من الجانب السعودي، لكن تشككوا في نوايا إيران؛ استنادًا إلى عقيدتها في «التقنية»، وجميع ممارساتها على مدار عقود مضت، وما زالت مستمرة في طريق تنفيذ مشروعها التوسعي «الهلال الفارسي»، والذي تخصص له من الجهد والمال، إلا أنها تحرم الإيرانيين أنفسهم من ذلك، وتوجه الأموال إلى مسارات وممارسات سياسية ضارة بالعديد من الدول العربية.
يأتي ذلك، فضلًا عن دعم «طهران» لأذرعها، مثل حزب الله في لبنان، ومحاولة ابتلاعها للعراق، ومساندتها لنظام بشار الأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، إضافةً إلى تمويل ودعم حركات بعينها؛ لزعزعة الاستقرار في منطقة الخليج العربي، لا سيما في السعودية والإمارات والبحرين.
ومن جهته، يرى الباحث المتخصص في الشأن الدولي «مصطفى حجاج»، أن السعودية تحملت مسؤولية الدفاع والمواجهة ضد الممارسات الإيرانية طوال سنوات، وتكبدت النفقات، وتعرضت للمؤامرات بشكل كبير، قد لا تتحمله دول، وظلت مثابرة ومتمسكة بقرارها في المواجهة، لكنها دائمًا تجنح للسلم.
ويقول الباحث «مصطفى حجاج»، في تصريحات خاصة لـ«الوشم الأوسط»: لا أتصور أن تلوح في الآفاق، فرصة للسلام والاتفاق والتفاهم، ولا تستغلها المملكة، لكن تكمن المعضلة هنا، في «نوايا الطرف الإيراني».
وأضاف «حجاج»: كل هذه الخطوات محمودة، لكنها مرهونة بصدق نوايا طهران، بشأن حل التعقيدات التي تسببت فيها، وإصلاح توجهاتها، والتخلي عن مشروعها المستهدف لأمن دول الخليج والعرب، وبدء صفحة جديدة معها، ولعل ذلك من الأهمية بمكان بالنسبة لها؛ في ظل العقوبات التي تتعرض لها، إثر أزمتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي.
خاتمة
تبدو الفرصة هذه المرة مميزة، وتوقعات نجاحها أكبر بكثير؛ في ظل رعاية وتبني الصين لهذه المبادرة، ولا يخفى على أحد، أن الوضع العالمي تغير، ويشهد الكثير من التغيرات؛ بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، وفي الحقيقة، المملكة العربية السعودية أظهرت فهمًا ووعيًا عميقًا منذ بدايتها، ولم تركن إلى الجانب الغربي، أو انحازت للروس، بل تلعب الدبلوماسية السعودية دورًا حكيمًا في الأزمة، والذي لن تفيد نتائجه، المملكة وحدها؛ بل بالعكس، سيستفيد منه العرب جميعًا.
ولا شك أن رعاية الصين للاتفاق؛ ستجعل له دور فاعل، وتبشر بخير كبير، بأن تصل المباحثات والنقاشات إلى حلول واقعية بين الجانبين السعودي والإيراني، وبالتالي، يمكن الوصول إلى نقاط جيدة، فيما يخص «لبنان، واليمن، وسوريا، والعراق»، لكن يجب التأكيد على صدق نوايا طهران، ويقظة المملكة خلال المباحثات.



