“ناغورنو كاراباخ”.. أرمينيا وأذربيجان أرض خصبة لاستثمارات الخليج

خاص // وابامز 

انتهت حروب ناغورنو كاراباخ التي اندلعت مع تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي، مع اعتراف رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، بتبعية الإقليم لأذربيجان، ولم يلق الإقليم الذي أعلن استقلاله عن أذربيجان قبل 3 عقود أي اعتراف دولي، سوى من جمهورية أرمينيا.

رئيس أذربيجان إلهام علييف، أكد، استعادة بلاده “السيادة” في إقليم ناغورني كاراباخ المعترف بها دوليًا كجزء من أذربيجان، وأن الانفصاليين الأرمن بدأوا الانسحاب وتسليم أسلحتهم بموجب اتفاق لوقف النار تم التوصل إليه بعد عملية عسكرية شنتها باكو.

وجرت العادة تاريخيًا أن تتجه أنظار العالم إلى الأراضي عقب انتهاء النزاعات حيث تكون متاحة للاستثمارات بأقل قدر ممكن من رأس المال وهو ما يمهد الطريق لتعاون بيني (الخليج وجنوب القوقاز) المرحلة المقبلة والذي يشمل (أذربيجان، أرمينيا، جورجيا).

حسب موقع دول جنوب القوقاز على خريطة تحولات الجغرافيا السياسية، فإن مفهوم الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، خلال اجتماع قمة مجموعة الدول الثماني، في مارس 2004، يضم هذه المنطقة إلى خريطة الشرق الأوسط؛ لأنها منطقة عبور مهمة في استراتيجية التوجه الأمريكي نحو آسيا.

وكذلك هي بوابة الدخول إلى منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى التي هي ضمن خريطة الشرق الأوسط الجديد، فضلًا عن أنها ضمن مناطق الثروة الجديدة الغنية بالطاقة والمعادن ومسارات التجارة وحركة الترانزيت بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

انتهاء أزمة العقود الثلاث

تعود جذور الصراع بين أرمينيا وأذربيجان إلى أكثر من قرن من الزمان، وتحديدًا مع استقلال البلدين عن الإمبراطورية الروسية في 28 مايو 1918، حيث دخلتا في نزاعات حول الأراضي بينهما، ورأت كل منهما أن لها تاريخ أو عرق ممتد وحقوق استوجبت الصراع، وهو السر الذي تسبب في الخلاف بينهما، لا سيما في إقليم ناجونور كاراباخ.

واستمرت الصراعات بين البلدين حتى عام 1920، وهدأت حتى أن توقفت بالانضمام إلى الاتحاد السوفييتي عام 1922 حتى تفككه عام 1991، ومنذ ذلك الحين دخلت البلدان في نزاعات مُتكررة أسفرت عن سقوط آلاف القتلى والنازحين، لذلك تحول الأمر إلى الأزمة السياسية التي نشهدها الآن ويُسدل عنها الستار.

من جانبه يرى محمد الليثي الباحث في العلاقات الدولية، أن العملية الأخيرة التي نفذتها أذربيجان هي محاولة لطي صفحة إقليم ناجورنو كاراباخ التي استمرت لثلاثة عقود، لا سيما أن كل الظروف الآن خدمت باكو في اتخاذ تلك الخطوة، خاصة بعد الابتعاد الروسي عن الحكومة الحالية في آرمينيا بسبب السياسات التي تتبعها والركون إلى المعسكر الىغربي ضد موسكو فيما يتعلق بحرب أوكرانيا.

وأضاف الليثي وهو مؤلف كتاب «7 أيام في يريفان»: “رغم أنه من الواضح أن باكو قد حسمت الأمر عسكريًا، إلا أن الأزمة العرقية ستظل موجودة لدى أرمن الإقليم الموالين لأرمينيا والذين يؤمنون بخريطة أرمينيا الكبرى”، مدللًا على ذلك الأمر بانتهاء جولات التفاوض بين أذربيجان والانفصاليين الأرمن، يوم الخميس الماضي، بشأن قضايا إعادة الدمج، دون تحقيق أي تقدم ملموس.

حسب تقارير، تاريخيًا، من الصعب الجزم بأن هذا الصراع الذي امتد عقود قد انتهى بهذه السهولة، حيث طالما كان سبب العلاقات المضطربة بين يريفان وباكو، بينما أن الإقليم “ذو الغالبية الأرمنية” ألحقته السلطات السوفييتية عام 1921 بأذربيجان، قبل أن يُعلن استقلاله من جانب واحد بدعم أرميني عام 1991.

شهد عام 1988 حربًا استمرت قرابة الـ6 سنوات، ما أسفر عن قتل 30 ألف، فضلًا عن آلاف اللاجئين، وانتهت تلك الحرب بهزيمة أذريبجان وسمحت لأرمينيا بالسيطرة على تلك المنطقة، ومناطق أخرى في محيطها.

وفي جولة جديدة من الحرب شهد عام 2020 جولة أخرى أسفرت عن أكثر من 6 آلاف شخص تقريبًا خلال 6 أسابيع، ولكن على عكس الجولة الأولى، فازت باكو هذه المرة، وتنازلت يريفان عن كاراباخ ومناطق مهمة في محيطها.

وتأتي الجولة الأخيرة بمثابة محاولة لإغلاق تلك الصفحة نهائيًا، وبعد كل ما مرت به المنطقة من صراعات، يتوقع محللون أنه من الصعب إنهاء الصراع المتجذر بحل عسكري من أحد الجانبين، وسيظل الانتماء للعرق الأرمني عامًلا محفزًا سواءً للأرمن داخل ناجورنو كاراباخ، أو في أرمينيا التي لن تتأخر لحظة عن محاولة استعادة الأراضي مرة أخرى عندما تسنح الفرصة.

ظروف ساعدت أذربيجان

يرى محمد الليثي في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” إن الظروف كانت مُهيأة بشكل كبير لأذربيجان تجاه اتخاذ تلك الخطوة، والتي كان أولها “الانشغال الروسي بالحرب الروسية الأوكرانية”، حيث إن الحليف الروسي الذي طالما ساند يريفان ودعمه فوجئ أن العملية الخاطفة التي كانت من المفترض أن تنتهي في وقت قصير في الأراضي الأوكرانية استمرت قرابة العامين (19 شهرًا)، ولا تزال مستمرة حتى الآن، ما تسبب في استنزاف مواردها وصرف تركيزها إلى اتجاه آخر.

أما عن السبب الآخر، فهو تطوير أذربيجان لجيشها الذي أصبح يتمتع بترسانة عسكرية قوية، تشمل أسلحة متطورة نتيجة للتعاون العسكري الكبير للغاية مع إسرائيل، وكشفت صور انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي للعملية الأخيرة استخدام أسلحة من صناعة إسرائيلية.

ويقول الليثي إن انتهاء الصراع في الإقليم لا شك سيمهد الطريق نحو أطر أكثر تعاونًا بين منطقة جنوب القوقاز والدول الثلاثة وبين دول الخليج العربي ويفتح مسارات أكثر للتجارة البينية ويسمح بنقل رؤوس الأموال العابرة للدول في ظل ما تتمتع به أراض القوقاز الجنوبية من معادن وثروات وطبيعة ساحرة تسمح ببناء سلاسل فندقية ومنشآت سياحية ومصانع وحلقات إنتاج متبادلة تدر أرباحًا طائلة، تنقل المنطقة القوقازية من عقود رفلت فيها تحت سيطرة سوفيتية روسية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

ويُضيف محمد الليثي؛ على الرغم من أن أذربيجان تبدو أنها تسيطر بشكل كبير على مجريات الأمور بعد العملية الأخيرة، إلا أنني أتوقع عدم انتهاء الأزمة بتلك البساطة، لأن تسوية هذه الأزمة المتجذرة عرقيًا وسياسيًا تحتاج جهودًا أكبر من ذلك تشمل جميع أطراف الأزمة”، موضحًا أن ضعف أرمينيا الحالي وتفوق أذربيجان عسكريًا والابتعاد والانشغال الروسي، هي مُجرد ظروف أدت إلى الوضع الحالي.

هل انتهت الخلافات؟

يقول الباحث التركي المتخصص في العلاقات الدولية، فراس رضوان أوغلو، إن قوات حفظ السلام الروسية في الإقليم تعتبر ضمانة هامة للسكان الأرمن وكذلك الضمانات التركية لأرمينيا بحسن معاملة الأذريين للمدنيين الأرمن، يبدو أنها نجحت في إقناع الغالبية العظمى من أرمن الإقليم البالغ عددهم 150 ألف شخص في البقاء فيه خصوصا مع التطمينات التي قدمتها حكومة باكو التي تعهدت بمنح أرمن الإقليم الجنسية الأذربيجانية/ الأذرية.

ولهذا نجد أن 15 ألفًا فقط من أرمن الإقليم هم من نزحوا إلى الأراضي الأرمينية والكثير منهم من المسلحين الذين قاتلوا ضد الجيش الأذربيجاني في الحرب السابقة التي حسمها الجيش الأذربيجاني بفضل مسيرات البيرقدار التركية.

 

وأضاف فراس رضوان أوغلو في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: الأكيد أن أكثر من مليون أذري هجر من الإقليم في الحرب الأولى فبراير 1988 إلى مايو 1994 سيعود غالبيتهم الساحقة إلى الإقليم وبالتالي؛ فالأرمن الذين استوطنوا في بعض مناطق الإقليم الأذرية أو منازل الآذريين في المناطق المختلطة بين الأرمن والآذر مضطرون للخروج من الأراضي التي لم تكن ملكهم قبل الحرب الأولى.

في سياق متصل، يرى الباحث بمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، محمود رأفت، إنه مع انتهاء الحرب بشكل لا لبس فيه، بدأنا مرحلة تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكلا الجانبين؛ فأرمينيا تطالب بفتح ممرات بينها وبين الإقليم لحرية حركة المواطنين الأرمن.

وأضاف محمود رأفت في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” أن أذربيجان ستستغل الفرصة التاريخية لربط إقليم ناختشيفان الأذري الواقع على الحدود التركية مع بقية الأراضي الأذربيجانية، وكذلك تطالب أذربيجان، أرمينيا، بعشرات المليارات من الدولارات تعويضًا عن احتلال الإقليم الأذري لـ 3 عقود، وفي حال رفضت يريفان دفع التعويضات، فإن باكو ستطالبها بإعادة منطقة زنجيزور مع الأراضي المحيطة ببحيرة جويس لأذربيجان.

وتابع قائلًا: “من المهم للغاية الإشارة إلى مقدرة خليجية مالية على فتح أطر تعاون استثماري بيني مع دول القوقاز الثلاثة في مجال الثروة الزراعية والحيوانية التي لا تزال تدار بالطرق البدائية القديمة، ويمكن الزيادة من قدراتها الإنتاجية عبر الاستثمار الخليجي، وتوفير سلع غذائية تساهم في سياسات الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي”.

كيف يستفاد منها الشرق الأوسط؟

ترتبط دول القوقاز بعلاقات متميز مع دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ولا شك أن انتهاء أزمة أذربيجان والانفصاليين الأرمن قد يعبد الطريق لإيجاد سلام شامل بين يريفان وباكو.

ومنذ منتصف التسعينيات أدركت الرياض أهمية إيجاد استثمارات في أذربيجان وعملت على تنمية تلك الاستثمارات على مدار السنوات وهناك فرص كثيرة لزيادة حجم التجارة بين البلدين.

وحسب محللين تستطيع (دول الخليج والقوقاز) الدخول في تطوير الشراكات التي تسمح بمزيد من الصعود الاقتصادي والتخلص من تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية الناجمة عن كوارث صحية من بينها “كورونا” وأخرى سياسية عسكرية كالحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت على معدلات الأسعار وحركة سلاسل التجارة العالمية وساهمت في مفاقمة أزمتي الطاقة والإنتاج والغذاء عالميًا.

هناك العديد من المعطيات التي تقود إلى تعاون أعلى بين منطقتي الخليج العربي والقوقاز في المرحلة المقبلة.

  • تتمتع منطقة القوقاز ببنية تحتية تحتوي خطوط برية تجارية للشاحنات والسكك الحديدية منذ الحقبة السوفيتية.
  • تعطل الطريق الرابط بين الصين وأوروبا عن طريق موسكو بسبب حرب روسيا وأوكرانيا يعزز من فرص ربط “الممر الأوسط الشمالي” بخط “باكو- يريفان” والخط البري المقترح بين تركيا والإمارات المسمى “الطريق الجديد”، لربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز مع تركيا، وضفتي الخليج العربي عبر الإمارات وصولًا إلى السعودية.
  • يمكن ربط القدرات الاقتصادية لدى السعودية والإمارات بمشاريع الاستثمار والتطوير في أذربيجان وأرمينيا، إذ تزخر بلدان جنوب القوقاز، بثروات طبيعية من النفط والغاز، وثروات باطنية بحاجة لاستثمارات مالية ضخمة، بجانب استثمارات في مجال البنية التحية وإعادة الإعمار، والموانئ والمطارات.
  • تمثل الطبيعة الخلابة بابًا مهمًا للاستثمار الخليجي في المجال الفندقي والتوسع في استثمار رؤوس الأموال بمناطق ذات جذب عالمي سياحي واعد تدر أرباحًا خيالية على الجانبين الخليجي والقوقازي.
  • يمثل الوجود الخليجي في المنطقة، عنصر توازن إقليمي مع إيران وتركيا وإسرائيل، التي تمتلك علاقات قوية للغاية ومتنامية مع أذربيجان وجورجيا، وعامل توافق بين مصالح القوى الكبرى الأربعة (الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة).

خلاصة

انتهت معركة إقليم ناغورنو كاراباخ أو قره باغ بنصر عسكري خاطف حققته أذربيجان على الانفصاليين الأرمن ما يفتح الأبواب المغلقة لإنهاء الصراع التاريخي في الإقليم وإحلال السلام في المنطقة ويفتح ملفات التعاون بين دول الإقليم لاسيما منطقة الخليج العربي التي تمتلك من الإمكانيات ما يمكنها تطويعها لمزيد من التعاون الاقتصادي الاستثماري في القوقاز.

وتبقى الخلافات الأرمينية – الأذرية لم تنته بعد، وبات الأمر يتطلب التوصل إلى سلام شامل بين أذربيجان وأرمينيا يقوم على الاعتراف المتبادل بالسلامة الإقليمية والحدود وفق القانون الدولي.

كما أن منطقة القوقاز تطل بموقعها كبوابة مهمة نحو “آسيا الوسطى” وبثرواتها الغنية بالطاقة والمعادن والزراعة، كمنطقة مهمة في تشكيل خريطة الشرق الأوسط الكبير التي رسمتها الاستراتيجية الأمريكية نحو آسيا والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى