«بوتين» يثبت أقدامه.. و«بايدن» يعاني خريف العمر
2024 عام الحسم في موسكو وواشنطن

عاطف سعد // وابامز
بعد أكثر من 13 شهرًا مرت على الحرب ضد أوكرانيا، تعرضت فيها روسيا لصنوف من العقوبات الاقتصادية والتجارية، أثرت بلا شك على مجريات الاقتصاد؛ لا تزال موسكو تتمدد سياسيًا واقتصاديًا، بينما عانى اقتصاد الولايات المتحدة من «آثار ارتفاع التضخم»، سبقته تبعات «جائحة كورونا»، وتكللت الأزمات الأمريكية بـ«تفاقم أزمة الطاقة» و«الدعم العسكري» و«حزم المساعدات المكلفة لأوكرانيا» في مواجهة روسيا.
ويتطلع مراقبون إلى العام 2024، الذي سيتحدد فيه مصير الكثير من قضايا العالم، مع انتظار لإعلان رسمي من «فلاديمير بوتين» عن خوض الانتخابات لفترة رئاسية جديدة، وسط رضا شعبي- بحسب استبيانات- والتفاف سياسي داخلي، حوَّل القرار السياسي لـ«بوتين» في مواجهة الغرب الأوروبي بقيادة واشنطن، بينما تحبط عوامل «الشيخوخة» حظوظ الرئيس «جو بايدن» في التواجد لفترة ثانية، على كرسي بلاده الأول، لا سيما وأن صراعه السياسي ضد دونالد ترامب، لن يكون سهلًا.
صراعات السياسة
يبدو أن الجهود الروسية لكسب مؤيدين لها على الساحة الدولية منذ بداية الحرب في أوكرانيا، بدأت تؤتي أُكُلها، بحسب ما كشف تقرير لـ«وحدة الاستخبارات الاقتصادية» ضمن مجموعة «إيكونوميست»، والشاهد في الانتخابات الرئاسية الروسية المقرر لها مارس 2024؛ حالة من الالتفاف الداخلي حول شخص فلاديمير بوتين، الذي تجاوز عامه السبعين، في 7 أكتوبر الماضي، وسط عداء كبير مع الغرب، دفع «إيلّا بامفيلوفا» رئيسة اللجنة الانتخابية المركزية الروسية، إلى انتقاد مساعٍ غربيةٍ حثيثةٍ لاختراق الانتخابات الرئاسية في بلادها.
يأتي هذا، بينما تشتعل «المواجهة الكلامية» قبل «المعركة السياسية» بين الرئيس جو بايدن، الذي حسم أموره لخوض انتخابات الرئاسة لولاية ثانية، العام المقبل، ليضع نفسه في مواجهة جديدة مع الرئيس السابق دونالد ترامب.
وفي سياق متصل، كشف استطلاع تابع لـ«مركز أبحاث الرأي العام لعموم روسيا»، أواخر يناير 2023، عن ارتفاع مستوى ثقة الشعب الروسي في الرئيس فلاديمير بوتين بنسبة 0.4 بالمئة إلى 78.5 بالمئة، كما بينت نتائج استطلاع آخر للرأي العام، شارك فيه 1.6 ألف شخص فوق سن 18 عامًا، أجراه «مركز دراسة الرأي العام لعموم روسيا» (فتسيوم) ونُشر أواخر مارس الماضي، أن الرئيس الروسي يحظى بثقة 79.3 بالمئة من المواطنين، معربين عن ثقتهم المباشرة في «بوتين»، الذي أكد- في فبراير الماضي- أن العقوبات التي فرضها الغرب «فشلت» في التسبب بانهيار الاقتصاد الروسي وزعزعة استقراره.
ويرى الدكتور آصف ملحم، مدير مركز «جي سي إم» للدراسات، ومقره موسكو، أن الانتخابات الرئاسية الروسية لن تكون عادية، وليست مجرد انتقاء رئيس للبلاد؛ بل ستكون تصويتًا على «ماهية النظام الدولي الجديد»، فنحن أمام تيارين فكريين مختلفين، الأول، تمثله الليبراليات الغربية، والثاني، تقوده دول كبرى بينها روسيا والصين والهند والعالم العربي وإيران ودول آسيوية وإفريقية ولاتينية، وستتجلى المنافسة بينهما على جميع المستويات المعنوية والمادية.
وقال الدكتور آصف ملحم، في تصريحات خاصة لـ«الوشم الأوسط»، إن الليبراليات الغربية تحولت إلى شكل من أشكال «الاستعمار المالي الجديد»، الذي يحاول- تحت شعارات «العولمة» و«الاقتصاد الحر» و«الاقتصاد المعولم»- دمج الدول الأخرى ضمن تياراته الصناعية والمالية، عن طريق الشركات متعددة الجنسيات، فالكثير من الدول، تمتلك موارد وثروات مهمة، لكنها لا تستثمرها، لذلك تتحول إلى دول تابعة ومقاولة، أو بشكل أوضح إلى «دُمى» بيد أصحاب رؤوس الأموال في الدول الغربية، لذلك نلاحظ دائمًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقسيم الدول الأخرى إلى «دول أصغر»؛ ليسهل التحكم بها.
وأضاف «ملحم» أن هناك محاولات غربية مستمرة؛ لإفساد العملية الانتخابية 2024 في روسيا، عن طريق «نشاطات إعلامية كثيفة، وقنوات وصفحات على معظم مواقع التواصل» الممولة بدعم كبير من عواصم غربية، وسيحاولون خلال فترة الانتخابات تحريض الناس على التظاهر ضدها؛ بهدف تعكير صفوها، ودفع الناس إلى عدم انتخاب بوتين، وقد يلجؤون إلى ارتكاب أعمال إرهابية.
ويعتقد مدير مركز «جي سي إم» للدراسات، أن الجهود الغربية التحريضية «ستفشل» مع تشديد الإجراءات الأمنية حول مراكز الاقتراع في روسيا، لتحاشي وقوع أي أعمال شغب أو أعمال إرهابية، فضلًا عن عدم وجود شعبية واسعة للمحرضين ضد القيادة الروسية، على خلفية العملية العسكرية الخاصة، وباتت أوراقهم مكشوفة، كما أصبحت الصورة أمام الروس «أكثر وضوحًا» مما كانت عليه الحال في بداية العملية العسكرية، وشعبية الرئيس بوتين في تزايد مستمر.
على الجانب الآخر من المشهد العالمي، كشف استطلاع رأي حديث، أجراه معهد «ماريست» لاستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، نُشر مطلع أبريل الجاري، أن 30 بالمئة من الأمريكيين، يرون أن «الاقتصاد» هو أهم قضية تواجه الأمة، بينما قال 20 بالمئة إن المشكلة تكمن أكثر في «التهديدات للديمقراطية»، كما بيَّن الاستطلاع أن نسبة تأييد الرئيس جو بايدن، انخفضت من 46 إلى 42 بالمئة، وفقًا لصحيفة «ذا هيل» الأمريكية، وأظهر الاستطلاع أيضًا أن 49 بالمئة من الأمريكيين لا يوافقون على بايدن.
ويعزز الاستطلاعات، ما أشارت إليه تقارير غربية، من أن بايدن سيواجه «معركة شاقة» في الانتخابات ضد منافسه الجمهوري، في حين لا يزال دونالد ترامب (76 عامًا)، هو المرشح الأوفر حظًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.
قرارات بوتين وعقلية بايدن
النسب الرسمية الروسية المعلنة، تعني بشكل مستمر، ازدياد نسب التأييد لقرارات الرئيس بوتين، وسياساته تجاه حفظ مصالح وأمن بلاده القومي في مواجهة الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بحسب متخصصين، والذين أشاروا أضا إلى نجاح الجهود الدبلوماسية الروسية في كسب أراضٍ جديدة كل يوم، ف مواجهة المعسكر الغربي، لا سيما الصين، وفي إفريقيا، حيث تركز الدعاية الروسية في الدول النامية، على «التاريخ الاستعماري للدول الغربية» و«تدخلاتها العسكرية في العقود الأخيرة»، بينما تتراجع فرص النفوذ الاقتصادي الأمريكي، والقدرة على التأثير والجذب السياسي للأنظمة في القارة السمراء، أمام دور موسكو وبكين، لا سيما في السنوات الأخيرة.
ورغم الارتياح- الذي عبرت عنه استطلاعات الرأي في روسيا- لقرارات بوتين، الذي لم يعلن صراحةً خوضه انتخابات الرئاسة لفترة جديدة؛ تسود تخوفات أمريكية من «عامل السن» لدى الرئيس جو بايدن، الذي يقود القطب الأول عالميًا (أمريكا)، في فترة حرجة من تاريخ البشرية.
ويعد بايدن، أكبر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، وإذا أُعيد انتخابه؛ فسيبلغ 82 عامًا في بداية ولايته الثانية، و86 عامًا في نهاية فترته في البيت الأبيض.

وبات الإشكال الأول أمام جو بايدن، يتعلق بـ«صحته العامة، وكفاءته لممارسة مهام عمله»، وهناك محاولة من الجمهوريين للتركيز على ذلك، وهي مسألة أسهمت في توجيه ترامب، انتقاداته لـ بايدن، لكن على الجانب الآخر، فالرئيس السابق يواجه العديد من القضايا والمحاكمات.
نجاحات موسكو اقتصاديًّا.. و«تضخم» واشنطن
المتابع لمسار الاقتصاد الروسي؛ سيكتشف بسهولة «نجاته» من فخاخ العقوبات الغربية التي فرضت عليه بفرمانات أمريكية جراء الحرب في أوكرانيا، بينما ارتفعت الأسعار في الولايات المتحدة في مايو 2022، أسرع من المتوقع، حيث دفع ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، التضخم، إلى أعلى معدل له منذ عام 1981.
وقالت وزارة العمل الأمريكية، إن معدل التضخم السنوي ارتفع إلى 8.6 بالمئة، في مايو الماضي، كما فرض «ارتفاع تكلفة المعيشة»، أعباءً كبيرةً على كاهل الأسر، وضغوطا على صناع السياسات؛ للسيطرة على الوضع الاقتصادي، وهو ما حاولت إدارة بايدن تلافيه لاحقًا.
الخبير الاقتصادي، الدكتور أبو بكر الديب، قال في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، إن التقارير الغربية نفسها، باتت تؤشر لـ«نجاحات روسية اقتصادية»، دون النظر إلى تماسك الاقتصاد، وعدم انهيار العملة خلال العام الأخير، وإن تأثرت «بشكل ما» بفعل العقوبات فترة بداية الحرب.
وأضاف أبو بكر الديب، أن الروس «أجادو اللعبة»، وتمكنوا من استمالة اقتصاد قوي، مثل الهند، كان يصنف بـ«المحايد» في الأزمة الروسية الأوكرانية، لا سيما وأن الدبلوماسية الروسية تعمل على جذبها إليها، وأعلنت موسكو زيادة صادرات النفط إلى الهند بمقدار 22 ضعفًا عن العام الماضي.
وفي سياق متصل، تحدث الخبير الاقتصادي، عن العديد من العقوبات الغربية ضد روسيا، من بينها «منع الطائرات الروسية من الطيران إلى أوروبا، وفرض حظر على تصدير التكنولوجيا المتقدمة- بينها المعدات العسكرية-، فضلا تكاتف الاتحاد الأوروبي لتجميد الأصول الروسية في الخارج، واستبعاد البنوك الروسية الكبرى من نظام «سويفت» للمعاملات المالية، ودفع التكتل لاتخاذ تدابير جديدة ضد قطاع الطاقة الروسي».
الغرب يضر نفسه
التقارير الغربية تداولت تقريرًا لـ«الإيكونوميست»، أظهر أن عدد البلدان التي تميل إلى روسيا، ارتفع من 29 خلال العام الماضي، إلى 35 حاليًا، وتمثل الدول التي تدعم الموقف الروسي من الحرب في أوكرانيا 32% من سكان العالم.
وفي سياق متصل، قال أستاذ العلوم السياسية ونائب مدير مركز «رع» للدراسات الاستراتيجية، الدكتور أكرم حسام، إن الغرب عوَّل كثيرًا- في العام الأول من الحرب الروسية الأوكرانية- على خسائر روسيا الاقتصادية، واستنزافها تجاريًا واقتصاديًا؛ لإيقاف تلك الحرب، وقد كان رهانًا غربيًا «خاسرًا بامتياز»، لا سيما وأن العقوبات الغربية تسببت في ارتفاع أسعار المحروقات، وبالتالي السلع والمنتجات والخامات، وتوقفت عجلات الإنتاج الأوروبية لأوقات.
واتضح أن موسكو خرجت «أقوى مما كانت عليه قبل الحرب»، بعكس الولايات المتحدة الأمريكية، التي «عانى اقتصادها كثيرًا» جراء ارتفاع مستويات التضخم، لا سيما وأن العقوبات الغربية التي ركزت بشكل مباشر على عزل روسيا عن النظام المالي العالمي، لم تُجد نفعًا، رغم محاولات واشنطن للحد من ربحية قطاع الطاقة الروسي، وتقليص تفوق موسكو العسكري.
وأضاف الدكتور أكرم حسام، في تصريحات خاصة لـ«الوشم الأوسط»، أن كل الشعوب في العالم تمجد من يقودها إلى النصر، ولا تذكر من يعرضها للويلات والنكبات والخسائر، وأهم ما يميز «فلاديمير بوتين»؛ إيمانه بقراراته على أرض المعركة بشكل قوي، وتمثل ذلك في قرار أخير بـ«نشر صواريخ تكتيكية نووية على أرض بيلاروسيا المجاورة» مواجهًا إمدادات الغرب لأوكرانيا بأسلحة متطورة وحديثة، ومعززًا لعاملي «الرعب» و«الردع»، ولموقف جيشه في أي معركة مقبلة، بينما ظهر «بايدن» في موقف المتفرج أو المستفيد من الحرب؛ «كونها وسيلة لاستنزاف روسيا» وهي النظرية التي «أثبتت فشلها بامتياز» إذ حققت موسكو ما تريد، وبات الغرب هو ما يرجو «إيقاف عجلة الحرب» التي أرهقت فاتورتها عواصم القارة العجوز أكثر من الروس.



