جولة الانتخابات «الأصعب» لأردوغان.. والمعارضة تُصلح أخطاء الماضي

إيمان الفخراني // وابامز
مقدمة
يشهد الداخل التركي حاليًا ومع قرب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، تنافسًا بين «الحكومة» التي يقودها الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، وبين «المعارضة» التي يقودها حزب الشعب الجمهوري بزعامه كمال كليجدار أوغلو.
وتأتي حالة التنافس هذه؛ من «عدم رضا» أحزاب المعارضة عن السياسات التي اتبعها أردوغان منذ توليه الحكم، واتباعه لنمط جديد، لم تعهده السياسة الخارجية التركية، فضلًا عن السياسات الداخلية التي لم تنتج فقط حالة من عدم الرضا لدى أحزاب المعارضة؛ بل أيضًا لدى قيادات بارزة داخل حزب العدالة والتنمية، مثل «علي باباجان، وأحمد داوود أوغلو» والرئس السابق لتركيا «عبد الله جول».
ويصف خبراء التحليل والمتخصصين في الشأن التركي، الانتخابات الرئاسية المرتقبة، بأنها أهم انتخابات ستمر بها البلاد، وربما ستُعد ثاني أكبر أزمة يشهدها أردوغان وحزب العدالة والتنمية بعد «انقلاب 2016»، لأنها يظهر فيها وربما لأول مرة «تكاتف المعارضة أمام أردوغان»، و«الاتفاق على الإطاحة بحكمه» بل وبالنظام الذي أسسه في عهده.
اقتصاد متأزم
تعاني تركيا مع قرب انطلاق سباق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 14 مايو 2023، من أزمات داخلية وخارجية، ويعد من أهمها «الاقتصاد»، و«الليرة التركية المتراجعة أمام الدولار»، فالاقتصاد التركي يشهد حاليًا حالة من التدهور الناتج عن عجز في الموازنة المركزية، والذي بلغ في مارس الماضي 22,47 مليار ليرة، وبلغ معدل التضخم 5,50% في نفس الشهر (1).
وعلى الرغم من أن هذه النسبة مرتفعة للغاية؛ إلا أنها أقل من النسب التي وصل لها التضخم في شهري يوليو وأغسطس 2022، حيث بلغت 6,79% و2,80% على الترتيب (2)، ويُرجع المتخصصين الاقتصاديين، هذا الوضع، إلى «السياسات النقدية» التي يتبعها أردوغان، والمتمثلة في «تخفيض سعر الفائدة».
ويدرك أردوغان أن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ ما يقرب من 3 أعوام، ستشكل تهديدًا على احتمالية فوزه بالانتخابات المقبلة، فهذه الأزمة المتمثلة في «معاناة الشعب التركي من ارتفاع ضخم للغاية في الأسعار»، يمكن أن تكون وحدها السبب في إقصائه لأردوغان، ولذلك، تعهد أردوغان- وخوفًا من أن يكون هناك تأثير سلبي لوضع الاقتصاد المتأزم على احتمالية فوزه- أن بخفض نسبة التضخم وتحقيق نمو بنسبة 5,5%.
النسبة التي وعد بها أردوغان، تعد «ضئيلة» مقارنة بالنسب التي ما زالت مرتفعة على مستوى «التضخم» و«عجز الموازنة»، وربما كان عليه أن يعدل عن السياسات النقدية التي اتخذها مؤخرًا؛ حتى يستطيع أن يكسب المزاج الشعبي لصالحه في الانتخابات.
وعلى الرغم من أن أزمة الاقتصاد التركي، هي الأكثر تأثيرًا، سواء على المواطن أو على حكومة أردوغان واحتمال فوزها بالانتخابات؛ إلا أن هذه الأخيرة تواجه أزمتين أخريين، الأولى «أزمة اللاجئين السوريين»، والثانية «تداعيات زلزال فبراير 2023».
هاتان الأزمتان يُجري أردوغان حاليًا، تحركات حيالهما؛ من أجل تحييد تأثيرهما على نتيجة الانتخابات، وألا يكون هناك حسم لاختيار مرشح المعارضة من قبل الشعب، على أساس عدم كفاءة حكومة أردوغان في التعامل معهما.
فبالنسبة للاجئين السوريين؛ عُقد اجتماع في 25 أبريل الجاري بالعاصمة الروسية موسكو، بين وزيري الدفاع السوري والتركي، وشهد مناقشة عدد من الأمور، منها العودة التدريجية للاجئين السوريين من تركيا، وعدم رغبة تركيا في استقبال «موجة جديدة» من اللاجئين (4).
وبخصوص تداعيات زلزال فبراير؛ بدأت الحكومة التركية مع بداية مارس 2023 في إعادة إعمار المناطق المنكوبة في 11 محافظة، كما تم الإعلان من قِبل أردوغان عن «حملة تحول عمراني» في 21 أبريل 2023، وقبل هذه الحملة، أعلن عن «مبادرة تركية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة»، واحتفالًا بهذه المبادرة؛ وعد المواطنين بـ«غاز طبيعي مجانا لمدة شهر» (5).
على عكس الوضع التركي الداخلي المتأزم والمُشتد بين الحكومة والمعارضة من أجل الفوز بـ«رهان» الانتخابات الرئاسية 2023، والوعود التي يقدمها كلا الطرفين لنيل رضا تصويت المواطن لصالح كل منهما؛ تشهد تركيا في ظل هذا الوقت، ومنذ أواخر العام 2022، حالة من الهدوء الخارجي، بل والتقارب مع أهم دول الشرق الأوسط (السعودية ومصر).
تكتلات متنافسة
تعد الانتخابات الرئاسية التي ستقام أولى دوراتها في 14 مايو المُقبل، هي ثاني انتخابات رئاسية منذ اعتماد تركيا نظام «الحكم الرئاسي» بدلًا من «البرلماني».
أجريت الانتخابات الرئاسية الأولى في يونيو 2018، بين رجب طيب أردوغان، و5 آخرين من زعماء أحزاب المعارضة- الذين رغم تجمعهم في تكتل واحد سُمي بـ«تكتل الأمة» أمام «تكتل الشعب» بقيادة أردوغان (7)، واعتبارهم أصحاب العدد الأكبر من الأصوات، وستكون نتيجة الفوز لصالحهم في حالة ترشيحهم لمرشح واحد فقط والذي كان الاسم الأبرز وقتها هو «عبد الله جول» (8)-؛ إلا أن نتيجتها حُسمت لصالح «تكتل الشعب» وفوز أردوغان، وربما يرجع ذلك إلى عدم تماسك التكتل المنافس (تكتل الأمة) وعد اتفاقهم على مرشح واحد يستطيع جمع الأصوات المعارضة أمام المرشح الفائز، فبعد اتفاق تكتل الأمة على ترشيح «عبد الله جول» أمام أردوغان؛ إلا أن زعيمة حزب الجيد «ميرال أكشينار» عارضت، وترشح زعيم كل حزب من التكتل، منفردا أمام أردوغان (9).

عاد «تكتل الأمة» للتنافس من جديد على منصب رئيس الجمهورية، والترشح أمام أردوغان، ولكن هذه المرة أصبح أقوى من السابق في عدد من الجوانب التالية:
أولًا: التكتل أمام أردوغان يضم أحزابًا، كان زعماؤها أعضاءً في حزب العدالة والتنمية، المتقنين لطريقة تفكير أردوغان، مثل «أحمد داوود أوغلو» زعيم حزب المستقبل، و«علي باباجان» زعيم حزب الديمقراطية والتقدم.
ثانيًا: التكل قادر على استيعاب مطالب زعمائه؛ بعد إعلان زعيمة حزب الجيد، خروجها منه، وعودتها بعد 4 أيام من إعلانها الخروج (10).
ثالثًا: التكتل متماسك، على الرغم من تعدد وتعارض الخلفيات الأيديولوجية لأحزاب، ما بين إسلاميين وعلمانيين، فهناك تقارب بين التيارين، حيث تخلي حزب الشعب الجمهوري- إلى حد ما- عن سياساته في «اضطهاد الشعائر والفرائض الإسلامية في تركيا».
رابعًا: يتفق تكتل الأمة أو ما يسمى «الطاولة السداسية» هذه المرة، على ترشيح شخص واحد، وهو «كمال كليجدار أوغلو» زعيم حزب الشعب الجمهوري.
خامسًا: ربما تكون هذه هي النقطة الأهم، وهي: رغبة الولايات المتحدة في وجود حكومة من المعارضة (11)، ورعايتها لـ«كمال كليجدار أوغلو» التي تقدمها عن طريق السفير الأمريكي في تركيا.
سادسًا: حصول التكتل- بشكل غير مباشر- على دعم من الأكراد؛ عن طريق حزب الشعوب الديمقراطي (12)، وهذه الطائفة، صاحبة النضال التاريخي مع جميع الحكومات التركية «ذات قاعدة تصويتية لا يستهان بها»، وتستطيع «حسم النتيجة» لصالح المعارضة.
وعلى الرغم من عدم كون «كمال كليجدار أوغلو» هو المرشح الوحيد أمام أردوغان- فهناك «محرم إينجه» و«سنان أوغلو»-؛ إلا أنه المرشح عن تكتل، يعد «الأقوى» بين المعارضين، نتيجة اتباع التكتل لسياسات صدامية مع الحكومة، مثل نعتها بأنها «قمعية واستبدادية»، وأن «النظام الرئاسي هو المتسبب في جميع الأزمات» التي تمر بها تركيا حاليًا (13).
مصير السياسة الخارجية
إذا استطاعت المعارضة- بقيادة كمال كليجدار- الفوز بالانتخابات؛ فسيكون هناك مصير جديد ستشهده السياسة الخارجية، حيث ستعمل الحكومة وقتها، على جعلها «نشطة أكثر تجاه الاتحاد الأوروبي»، كما وعدت بـ«تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» وإطلاق سراح عدد من المحتجزين، مثل «عثمان كافالا» و«صلاح الدين ديمرطاش» المرشح السابق لرئاسة الجمهورية عام 2018 (14).
أما بشأن منطقة الشرق الأوسط؛ ففي إطار «اتفاقية السياسات المشتركة» التي صدرت عن تكتل الطاولة السداسية، يوم 30 يناير 2023، فقد شملت بنودها، الاتفاق على «عدم التدخل التركي في شؤون دول الشرق الأوسط»، و«تشجيعها للتفاوض على ترسيم الحدود البحرية في حوض شرق البحر المتوسط»، كبديل عن «الأسلوب الصدامي لأردوغان»، والذي تسبب- على حد قول أحمد داوود أوغلو، مهندس سياسة «صفر مشكلات»- في عزلة لتركيا.
خاتمة
تشهد حكومة أردوغان حاليًا، أزمة، تهدد استمرارها في الحكم، فالانتخابات الرئاسية سبق لأردوغان أن فاز بها، لكن هذه المرة، الأوضاع الداخلية والأزمات التي مرت بها تركيا، ما زالت ليست في صالحه، فقد ابتعد عنه أصدقاؤه المقربين «أحمد داوود أوغلو، وعلي باباجان، وعبد الله جول»، ومنهم من انضم إلى المعارضة حاليًا، التي تنمو شوكتها، وتقوى، وتحظى بتأييد خارجي أمريكي، وتبقى مسألة الفوز بالانتخابات الرئاسية، أمرٌ من الصعب حسمه حاليًا، بالنسبة للباحثين والمتخصصين، فهناك استطلاعات الرأي التي تؤيد فوز الحكومة، وهناك أيضا التي تؤيد فوز المعارضة، ولكن يبقى الناخب والمواطن التركي هو صاحب القول الفصل في هذا الأمر.
هوامش
عجز موازنة تركيا يتجاوز 13 مليار دولار في الربع الأول من 2023- «اندبندنت العربية»، https://bit.ly/3NbGM9Z .
المصدر السابق.
3- أردوغان يتعهد بخفض التضخم ودعم النمو الاقتصادي مع انطلاق حملته الانتخابية- «فرانس 24»، https://bit.ly/40F2SEM .
4- لقاء جديد بين وزير الدفاع التركي والسوري بحضور إيراني وروسي- «الحرة»،https://arbne.ws/3mYAqAd.
5- أردوغان يعلن خطة تحول عمراني بإسطنبول لمواجهة الزلزال.. الحكومة تغطي نصف تكلفتها- «عربي بوست»، https://bit.ly/3oIXpQ9 .
6- تمدد السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط- «مركز الرواق» بغداد.
7- الطاولة السداسية في تركيا: الدوافع الأساسية وأزمة الترشيح والمشاكل المتعلقة- «سوريا تي في»، https://bit.ly/3NiA0z9 .
8- المصدر السابق.
9- المصدر السابق.
10- المصدر السابق.
11- من العلاقة مع أمريكا إلى القواعد العسكرية بالخارج.. ماذا ستفعل المعارضة التركية إذا وصلت للحكم؟- «عربي بوست»، https://bit.ly/3Lwkr5C .
12- برنامج المعارضة التركي: إنهاء حقبة أردوغان- «الميادين»، https://bit.ly/3LsKJWp .
13- الطاولة السداسية في تركيا: الدوافع الأساسية وأزمة الترشيح والمشاكل المتعلقة- مصدر سابق.
14- 2023’s Most Important Election: Turkey, Politico, https://politi.co/40EmhG4 .



