تقدير موقف| كعكة «قوات الدعم السريع» تشعل الصراع في السودان.. سيناريوهات الأزمة

دعوات سعودية ومصرية لإسكات البنادق

عاطف سعد // وابامز

تتجه الأوضاع في السودان صوب نفق مظلم؛ باشتعال القتال، السبت، بين قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، التي سقط خلالها عشرات الأشخاص بين قتيل وجريح، ووسط الأصوات العربية التي تدعمها مصر والمملكة العربية السعودية والدولية، برعاية أممية والولايات المتحدة الأمريكية، للتهدئة وحقن الدماء؛ تستمر الأعمال القتالية، مع تباين الأنباء والبيانات عن تبادل السيطرة والانتصارات القتالية، وسط قصف جوي من المقاتلات السودانية لمقرات قوات الدعم السريع، دون بوادر للحل، في ثاني أيام اندلاع المواجهات المسلحة بين القوتين، فكيف بدأت المواجهة المستعرة؟ وسيناريوهات الخروج من الأزمة؟.

بدايات الأزمة وأسباب الاقتتال

لم تكن اشتباكات السودان، مفاجئة، لكن المواجهات العسكرية المباشرة بين قوات الدعم السريع وقوات الجيش السوداني، المدعومة بغطاء نيراني جوي، سبقتها «إرهاصات ومقدمات وتحركات»، أنذرت بالانحدار إلى قاع الأزمة الذي يعيشها البلد العربي، وسط نزيف دماء حاد.

الصراع العسكري في السودان، جاء ترجمةً لخلاف سياسي، احتدم، بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه، الفريق محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، حول خطة ضم قوات الدعم السريع- التي يبلغ عددها 100 ألف عنصر- إلى الجيش، ومن سيقود القوة الجديدة بعد ذلك، وسيتقلد منصب القائد العام للجيش خلال فترة الاندماج، التي قد تمتد لسنوات.

قوات الدعم السريع تقول إن القائد «ينبغي أن يكون الرئيس المدني للدولة»، وهو ما يرفضه الجيش، الذي يريد أن تكون قوة الدعم السريع تابعة له، وجاءت الاشتباكات، مع تصاعد التوترات بين الجيش وقوات الدعم السريع في الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى تأخير توقيع اتفاق- مدعوم دوليًا- مع الأحزاب السياسية؛ لإحياء التحول الديمقراطي في البلاد.

الحرب الأهلية

انتشرت قوات الدعم السريع، قبل أيام، ميدانيًا، في العاصمة «الخرطوم»، وهو التحرك الذي اعتبره الجيش السوداني «عملًا عدائيًا»، و«استدعاء للسلاح في الخلاف السياسي»، فيما تضاربت روايات الفرقاء حول «من بدأ إطلاق النار» ضد الآخر، ولكن مع اختلاف القائدين على الاتجاه الذي يسير فيه السودان، وعلى مقترح الانتقال إلى حكم مدني، ما يعزز سيناريوهات استمرار الخلاف، لا سيما مع حالة التخبط التي تعيشها قوات الدعم السريع.

الارتباك وتصرف قادة ميدانيين بهذا الشكل، حسب محللين سياسيين؛ يؤشر إلى ارتباك قوات الدعم السريع، وعدم وجود قنوات اتصال وسيطرة حقيقة على إدارة العمليات، وهو ما ظهر أيضًا في الانقسامات والخسائر السريعة لبعض المواقع؛ ما يعزز فرص استمرار الاقتتال، وزيادة نزيف الدماء.

تبادل الاتهامات بين الجانبين؛ كان اللغة الغالبة في الساعات الأخيرة، حيث قال الجيش السوداني إن القتال اندلع؛ بعد أن حاولت قوات الدعم السريع مهاجمة قواته في الجزء الجنوبي من العاصمة، متهمًا إياها بمحاولة السيطرة على مواقع استراتيجية في الخرطوم، بما في ذلك القصر الرئاسي.

من جهتها، اتهمت قوات الدعم السريع، في سلسلة من البيانات، الجيش، بمهاجمة قواتها في إحدى قواعدها جنوب الخرطوم، وزعمت أنها استولت على مطار المدينة و«سيطرت بالكامل» على القصر الجمهوري بالخرطوم، مقر رئاسة البلاد.

حسب ما قال الباحث في الشؤون العربية، واثق الجابري، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، فإن استمرار القتال قد يؤدي إلى المزيد من الاضطرابات، وإلى تفاقم الأزمة السياسية في السودان، وسيكون من الصعب على الدبلوماسيين الذين لعبوا دورًا حاسمًا في «الحث على العودة إلى الحكم المدني»، إيجاد طريقة لإقناع الجنرالين على خوض محادثات سلام.

أضاف واثق الجابري: قد يجد السودانيون أنفسهم أمام مرحلة أخرى من عدم اليقين والانجراف إلى حرب أهلية طاحنة تأتي على الأخضر واليابس، مع مخاوف من انقسامات جديدة على الأرض ودعوات انفصالية داخلية.

الحل الدبلوماسي

تستمر الأمور إلى مسلسل التصعيد بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل التصريحات الصادرة من الجانبين، فالجيش السوداني أكد في بيان رسمي، أنه «لا حوار قبل حل وتفتيت مليشيات حميدتي»، وقال الأخير إنه- رغم انهزامات قواته في بعض المواقع- إن «الحرب كر وفر ولا سيطرة تامة للجيش حتى الآن»، وهو ما يقلص فرص الحل الدبلوماسي الذي تدعو له عواصم عربية وعالمية وترجوه جهود أممية.

تستمر الأمور إلى مسلسل التصعيد بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع
تستمر الأمور إلى مسلسل التصعيد بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع

دعت كلا من المملكة العربية السعودية ومصر، إلى عقد اجتماع طارئ على مستوى المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية؛ لمناقشة الوضع في السودان، لا سيما أن التطورات المتلاحقة والخطيرة في السودان، تقتضي عقد هذا الاجتماع؛ للتشاور والتنسيق بين الدول العربية، لبحث سبل نزع فتيل الأزمة الراهنة، والعمل على استعادة الاستقرار إلى البلد العربي في أسرع وقت.

وفي سياق ذي صلة، ورجاءً للحل السلمي، قال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، السبت، إن بلاده والسعودية والإمارات، اتفقت على ضرورة أن تنهي أطراف النزاع في السودان، الأعمال القتالية فورًا، دون شروط مسبقة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القتال بين القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، إلى تقويض الجهود المبذولة لاستعادة الانتقال الديمقراطي في السودان.

التنسيق بين الدول الثلاث، تمثل في «اتصال هاتفي» تلقاه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، من وزير الخارجية والتعاون الإماراتي الشيخ ‏عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وجرى خلاله، بحث الأوضاع الراهنة في السودان، مع التأكيد على أهمية وقف التصعيد العسكري، والعودة إلى الاتفاق الإطاري، بما يضمن أمن واستقرار السودان وشعبه.

انتصار وهزيمة

يبقى انتصار فريق عسكري على الآخر، في الصراع على السلطة، والمستمر منذ أكتوبر المنقضي، والذي أصبح مسلحًا بين يوم وليلة، وتسبب في سقوط 56 قتيلًا و595 جريحًا، خلال اشتباكات دامية حتى ظهر الأحد، ولكنه لن يمر مرور الكرام، لا سيما وأن الخسائر السودانية ستكون فادحة؛ لأن الخيارين «أحلاهما مر»، فقوات الدعم السريع تشكلت عام 2013، وتعود أصولها إلى ميليشيا الجنجويد التي قاتلت المتمردين في إقليم دارفور بضراوة، ومنذ ذلك الحين، بنى الجنرال «دقلو»، قواتٍ قوية، تدخلت في صراعات في اليمن وليبيا، وهي تسيطر على بعض مناجم الذهب ومقدرات الثروة النفطية في السودان.

وحسب محللين، يُنظر إلى تنامي هذه القوة خارج إطار قوات الجيش السوداني، على أنها «مصدر لعدم الاستقرار في البلاد»، و«مصدر تهديد للانتقال للعملية الديمقراطية» بعد سلسلة من المشاكل التي أعقبت الإطاحة بالرئيس عمر البشير من سدة الحكم في عام 2019.

ويرى الباحث في الشؤون الدولية، ضياء نوح، أن انتصار قوات الجيش السوداني عسكريا على الأرض، ضد قوات الجيش السريع، لن تكون أمرًا سهلًا، لا سيما وأن الأخيرة «قوات مجربة قتاليًا» و«لها خبرة قتال واسعة في سنوات قليلة»، وستشكل مزيدا من الإنهاك لقوات الجيش السوداني، وبالتالي، ليس من الحل اللجوء إلى سلاح الجو السوداني في احتواء الصراع، بالقضاء على قوات الدعم السريع، ومن الضروري تغليب لغة «الحل السياسي والسلمي».

وقال الباحث ضياء نوح في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، إن المبادرة السعودية المصرية، والجهود الإماراتية والدبلوماسية الدولية برعاية أمريكية وأممية، قد تؤتي ثمارها نحو إسكات البنادق في السودان.

نتائج مترتبة

استمرار الأوضاع الميدانية المتردية، وتعالي أصوات الرصاص في السودان بين قوات الجيش ضد «الدعم السريع»؛ سيفاقم الأزمة الإنسانية دون شك، لا سيما وأن هناك 16 مليون سوداني يشكلون نحو ثلث عدد سكان البلاد، بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، ووفقا لتحذيرات أممية، فإن مزيدًا من العنف، سيجعل الأمور أكثر سوءًا، كما يزداد الجوع عامًا بعد عام في السودان.

وحسب ما قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، إنها مصدومة من الأخبار القادمة من السودان؛ حيث يهدد السودان، المزيد من الاضطرابات، مع تفاقم الأوضاع القتالية، وتردي الوضع الإنساني.

أيضًا، سيتسبب الصراع المتفاقم، في زيادة حدة التناحر على السلطة بين «جماعات عرقية وميليشيات أصغر»، وستتزايد دعوات «الانقسام، واستقلال المناطق»، وتقل فرص السلام في السودان، وتتزايد فرص العنف ونزيف الدماء، ويدخل البلد العربي في معترك لا نهاية له من دوامة سياسية واقتتال بلا نهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى