احتجاجات إسرائيل.. 30 أبريل شرارة غضب جديدة تنتظر نتنياهو

إيمان الفخراني // وابامز 

مقدمة

شهد مطلع العام 2023، احتجاجات، زلزلت دولة الاحتلال؛ اعتراضا على رغبة حكومة «نتنياهو»، إجراء تعديلات على النظام القضائي، واستمرت الاحتجاجات لأكثر من 3 أشهر؛ لوقف محاولات الضغط على السلطة القضائية لإلغاء محاكمة نتنياهو في التُّهم المشينة الموجهة إليه، وتبرئة ساحته.

ردود الأفعال المعارضة لخطة إجراء تعديلات على النظام القضائي، وتحديدًا «المحكمة العليا»، والتي أعلنها وزير العدل «ياريف ليفين» في 4 يناير 2023، لم تتوقف على شعب اليهود أو المعارضة بقيادة «يائير لابيد» فقط؛ بل امتدت إلى هيئات أخرى وجهات سيادية عليا لم يتوقع أحد أن تشارك في تلك الاحتجاجات، كما وصل الأمر إلى إقالة وزير الدفاع الإسرائيلي «يوأف غالانت»، عقب وصفه للتعديلات المزعومة بأنها «تمثل خطرا مباشرا على أمن إسرائيل»، قبل عدول «نتنياهو» عن قراره، في وقت لاحق.

وتبحث هذه الورقة التي نحن بصددها الآن، الإجابة على سؤال: «لماذا يحتج الإسرائيليون على التعديلات القضائية؟».. وقبل تناول عناصر الإجابة؛ لا بد من الوقوف على رأس الأحداث السياسية في دولة الاحتلال، والتي من خلالها نستطيع فهم السياق الذي اندلعت بسببه هذه الاحتجاجات.

آخر الأحداث الحياة السياسية في إسرائيل

لم تشهد دولة الاحتلال، استقرارًا في الحياة السياسية، أو حتى صلابة داخليًا لتشكيل ائتلافات قوية خلال الـ4 أعوام الماضية، فقبل تشكيل حكومة نتنياهو الحالية في نوفمبر 2022؛ توجه الإسرائيليون 4 مرات إلى صناديق الاقتراع، للإدلاء بأصواتهم؛ سعيًا لتشكيل حكومات ائتلافية، المرة الأولى كانت في أبريل 2019، والثانية في سبتمبر 2019، والثالثة في مارس 2020، والأخيرة في مارس 2021[1]، وكان سبب عدم استمرار هذه الأخيرة- التي قادها يائير لابيد، ونفتالي بينت- واستكمال مدتها في قيادة وتشكيل الحكومة؛ هو عدم تجانسها الداخلي، حيث أن تكوينها شمل أحزابًا إسرائيلية «يمينية»، و«يسارية» و«حزب عربي»، وهم «يمينا، وإسرائيل بيتنا، وأمل جديد» من اليمين المتطرف، و«أزرق أبيض، ويوجد مستقبل» من اليمين الوسطي، و«كتلة عمل» من اليسار و«القائمة العربية الموحدة»[2].

عدم الاستقرار هذا، ما زال يهدد الحكومة الحالية، بقيادة «نتنياهو»، والتي تعتبر مُهدَدَة بالتفكك؛ بسبب الأوضاع غير المستقرة، نتيجة المظاهرات الشعبية في إسرائيل، وذلك على الرغم من كونها «أشد وأعنف الحكومات» المشكلة ائتلافيًا، و«أكثرها تطرفًا»، ويدعم تفككها أيضا، أنها غير متماسكة داخليًا، ونفوذ الأحزاب اليمينية بها، يبدو أقوى من حزب الليكود (المُهيمن)، فإذا حدث تفكك فعلي لها- على غرار سابقاتها الأربع-؛ سيكون الشأن الداخلي الإسرائيلي هو السبب الأول في ذلك، بعدم قدرة «نتنياهو» على السيطرة على الاتفاقات التي أجراها لتشكيل حكومته، والموازنة بينها وبين حزبه المُهيمن على تشكيلها.

فمع حصول نتنياهو على 32 مقعدا داخل الكنيست الإسرائيلي، وعدم مقدرته على تحقيق العدد المطلوب من المقاعد للانفراد بتشكيل الحكومة؛ لجأ إلى عقد اتفاقيات مع أحزاب أخرى «أكثر يمينا وتطرفا»، سواء فيما يتعلق بالأمور الداخلية لدولة الاحتلال، أو فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان من الكتل الحزبية التي لجأ إليها «نتنياهو» كتلة «الصهيونية الدينية» الأخطر في الائتلاف، والمكونة من «حزب القوة اليهودية» بزعامة «إيتمار بن غفير»، و«الصهيونية الدينية» بزعامة «بتسلئيل سموتريتش»، و«حزب نوعام» بزعامة «أفي ماعوز»[3]، و«تحالف يهودية التوراة» بزعامة «موشي غافني»، و«حزب شاس» بزعامة «أرييه درعي» الشريك الاستراتيجي لنتنياهو[4].

كما سعى «نتنياهو» إلى تقديم مصالح بعض أحزاب الائتلاف، على مصلحة أعضاء حزبه، مثل «نقل الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية»، من وزير الدفاع «يوآف غالانت» العضو في حزب الليكود، إلى «بتسلئيل سموتريتش» المسؤول في وزارة الدفاع[5]، و«توسيع سلطات إيتمار بن غفير وزير الأمن»، بجعله القائد العام للشرطة[6]، كما سَنَّ قانونًا، ينص على أن: «من فُرض عليه السجن الفعلي فقط؛ يكون ممنوعًا من تولي حقيبة وزارية»؛ وذلك حتى يتمكن «آرييه درعي»- المُدان بتهمة التهرب الضريبي- من تولي حقيبة وزارية[7].

المحرك للاحتجاجات الأخيرة في إسرائيل

منذ أن تم الإعلان عن خطة إجراء تعديلات على النظام القضائي، من قبل وزير العدل «ياريف ليفين»، الذي وصفته صحيفة «هآرتس» اليسارية، بـ«مهندس الانقلاب القضائي»[8]؛ وشهدت دولة الاحتلال موجات مُندِدة بالتغييرات المزعومة، تكاتفت فيها جمع فئات الإسرائيليين؛ فأعلنت مجموعة من طياري «سلاح الجو الإسرائيلي» انضمامهم إلى الاحتجاجات، وأن جنود الاحتياط لن يحضروا التدريبات التي يجريها الجيش سنويًا[9]، وتقدم الهستدروت الإسرائيلي (الاتحاد العام لعمال إسرائيل) بطلب إلى جميع السفارات الإسرائيلية في جميع أنحاء العالم؛ للانضمام إلى الإضراب الذي يشكله، وسرعان ما انضم له «الأطباء» و«المحامون»؛ ليتم إعلان حالة من الإضراب العام الشامل لكل مفاصل دولة الاحتلال[10]، كما أن «المعارضة داخل الكنيست» أعلنت رفضها مقترحات التعديلات القضائية التي تقدمت بها الحكومة[11].

مع نهاية أبريل الجاري؛ ربما تتصاعد الأحداث وتشتعل مرة أخرى في إسرائيل
مع نهاية أبريل الجاري؛ ربما تتصاعد الأحداث وتشتعل مرة أخرى في إسرائيل

وجاءت المقترحات بالتعديلات- التي تقدمت بها الحكومة وأثارت غضب الإسرائيليين-؛ لتعبر عن «تقليص» في دور المحكمة العليا، والتي من شأنها رفض أو إلغاء قوانين تقدم بها «الكنيست»، بناءً على حجة «المعقولية»، ويأتي هذا التقليص، لصالح أعضاء البرلمان؛ ليقروا بـ«أغلبية بسيطة»، رفض القرارات التي رفضتها المحكمة، ومن ثم يصبح بإمكانهم تمرير القرارات التي يريدونها، وتصبح تشريعًا أو قانونًا للدولة، كما أن مسؤولية «تعيين قضاة الدولة» ستؤول إلى المجلس وليس للمحكمة، وهذا مردوده خطير؛ من حيث السماح بـ«التلاعب بقرارات قضاة الدولة» و«التأثير بالسلب على ما تَدَّعيه دولة الاحتلال من تطبيق للديمقراطية».

ويمكن فهم المحرك والدافع للاحتجاجات ورفض التعديلات المقترحة من الحكومة، بأن شعب دولة الاحتلال ينظر إليها، على أنها «تقويض لديمقراطية إسرائيل» ولـ«النمط الأساسي في تداول السلطة الإسرائيلية»، وبلغت نسبة المعارضين من الشعب لهذه المقترحات 66%، والذين يقرون بأن المحكمة لا بد أن تظل متمتعة بحقها في إلغاء القوانين[12]، ومن وجهة نظر المعارضة، ليست تقويضًا للديمقراطية فقط؛ بل ترغب الحكومة من خلالها، في «تقوية نفوذ نتنياهو» و«ربما استمراره لمدة طويلة في الحكم».

أما بالنسبة لوجهة نظر «نتنياهو» وأغلب أعضاء حكومته؛ فمن خلال هذه التعديلات المقترحة، يمكن «إحداث توازن بين السلطة القضائية والتنفيذية في البلاد بعد تسييس المحكمة العليا، وأنها لن تُقرّ على حساب الحياة الديمقراطية في إسرائيل»[13]، وهذا يعتبر «الدافع الظاهري» لمقترحات الحكومة، أما «الدافع الخفي» فيتمثل من ناحية، في «التغطية على قضايا وتهم نتنياهو الثلاث (الرشوة، والاحتيال، وخيانة الأمانة)»، حيث أنه من خلال الضغط على الرأي العام الإسرائيلي من قبل الحكومة- رغم فشل هذا الخيار حاليًا- يستطيع نتنياهو أن يكسب وقتًا، بالتفاوض مع قضاة المحكمة وتخييرهم، إما بـ«تغيير نظامها القضائي»، أو «وقف القضايا الموجهة إليه»[14].

موقف حكومة نتنياهو في التعامل مع الاحتجاجات

بعد اشتداد الاضراب على أراضي دولة الاحتلال كافة؛ رضخت «حكومة نتنياهو» لمطلب الشعب والمعارضة، ولكن لم يتم إلغاء المقترحات بشكل تام، و تم «تعليقها» فقط، وكان هذا مردوده مختلفا على الشعب والمعارضة، فبالنسبة للمعارضة؛ رحب «يائير لابيد»، ووزير الدفاع «يوآف غالانت»، بتعليق الحكومة للتشريع المقدم، ولكن بالنسبة للشعب؛ فهو لم يَرْضَ عن حالة «التعليق» هذه، بالإضافة إلى رئيسة حزب العمل «ميراف ميخائيلي»[15].

وعلى إثر حالة الاضطرابات التي شهدها الشارع الإسرائيلي، بعد الهدوء النسبي للمعارضة؛ أعلنت حكومة دولة الاحتلال، عن ميليشيا مسلحة (الحرس الوطني)، ولكن هذه القوة العسكرية المسلحة، ليست موجهة إلى العرب، مثلما عهد تاريخ المُحتل، ولكنها تستهدف الإسرائيليين هذه المرة؛ لعودة الهدوء إلى الشوارع وقمع الاحتجاجات[16]، لتكشف زيف الديمقراطية المزعومة لإسرائيل، والتي تتغنى بها ليل نهار.

الخاتمة

مع نهاية أبريل الجاري؛ ربما تتصاعد الأحداث وتشتعل مرة أخرى في إسرائيل، وربما تنتهي حالة الاضطرابات هذه، وهذا يظل قيدًا للنتيجة التي ستأتي بها الجلسة المقرر عقدها في الكنيست يوم 30 أبريل، وعلى أثرها سيتحدد مصير المقترحات، وهل سَتُقرُّ مرة أخرى، أم يتم التغاضي عنها تمامًا، أو تعليقها، وسواء أن كان أي مصير سيتحقق لتلك المقترحات؛ فقد زلزلت تلك الاحتجاجات، إسرائيل، وكشفت عن تجييش دولة الاحتلال لجهودها وقواتها لقمع شعبها من أجل الضغط على القضاء لتبرئة ساحة «نتنياهو»، والتغاضي عن فساده وجرائمه المشينة، ومن أجل تطبيق اتفاقات أبرمها؛ ليضمن نجاح تشكيل حكومته.

المصادر

[1] مهند توتنجي، بنيامين نتنياهو: هل شكل فعلًا الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل؟، تاريخ النشر 29 ديسمبر 2022، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bbc.in/3MUZNNy .

[2] عبد الرحمن عادل، عودة نتنياهو وإشكاليات الحكم في إسرائيل ، قضايا ونظرات، مركز الحضارة للدراسات والبحوث ،العدد 29، أبريل 2023، ص 86.

[3] المصدر السابق، ص 88.

[4] محمد وتد، حكومة نتنياهو السادسة.. أزمات داخلية وتحديات خارجية، الجزيرة، تاريخ النشر 23 ديسمبر 2022، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bit.ly/3ooZkJo .

[5] عبد الرحمن عادل، عودة نتنياهو وإشكاليات الحكم في إسرائيل، مصدر سابق، ص89.

[6] مهند توتنجي، بنيامين نتنياهو: هل شكل فعلًا الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل؟، مصدر سابق.

[7] المصدر السابق.

[8] من هو الوزير الذي فجر الأزمة في إسرئيل؟، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 27 مارس 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023،  https://bit.ly/3GY5arM .

[9]  Haley Ott, What Behind The Escalating Strikes , Protests and Violence in Isreal?, CBS NEWS, 27 March 2023, 18 April 19, 2023, https://cbsn.ws/3GXPHIa .

[10] مظاهرات إسرائيل: رئيس الحكومة نتنياهو يؤجل التعديلات القضائية بعد يوم من الاضراب، BBC NEWSK، تاريخ النشر 27 مارس 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bbc.in/3MV0Q00 .

[11] رافي بيرغ، مظاهرات إسرائيل إلى أين تتجه الاحتجاجات وهل يرضخ نتنياهو؟، BBC NEWS، تاريخ النشر 28 مارس 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023،  https://bbc.in/41DuhIi .

[12] ما هي قصة التعديلات القضائية في إسرائيل؟، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 27 مارس 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bit.ly/3A9ZjeX .

[13] ما هي قصة التعديلات القضائية في إسرائيل؟، سكاي نيوز عربية، مصدر سابق.

[14] المصدر السابق.

[15] إنهاء الاضراب العام في إسرائيل وترحيب سياسي بعد خطوة نتنياهو، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 27 مارس 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bit.ly/3ULzqM8 .

[16] ما هي قوة الحوس الوطني الجديدة في إسرائيل؟، سكاي نيوز عربية، تاريخ النشر 2 أبريل 2023، تاريخ زيارة الموقع 18 أبريل 2023، https://bit.ly/3AuBn6t .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى