تقدير موقف| صراع النفوذ بعد انضمام فنلندا لـ«الناتو».. إلى أين؟

عاطف سعد // وابامز
انضمت فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الثلاثاء الماضي، بعد عدة أشهر من «الكر والفر» داخل الحلف، لقبولها من عدمه، لا سيما رفض تركيا، وتلك الخطوة المتممة؛ تعزز التقديرات بأن يرتفع سقف التهديدات والصراع على النفوذ بين روسيا وقوى غربية في منطقة القطب الشمالي، لا سيما بعد أن قررت «هلسنكي» تعزيز ترسانتها العسكرية بمنظومة صاروخية دفاعية غربية جديدة؛ تحسبًا لأي تصعيد محتمل مع موسكو.
وبات السؤال: «إلى أين قد تسير الأمور اشتعالًا في المنطقة الباردة من العالم، عقب دخول هلسنكي إلى حلف الناتو، وتحويلها إلى خط أمامي، ونقطة انطلاق لردع روسيا، التي تخوض حربًا شرسة ضد الدعم العسكري الغربي في أوكرانيا؟».
العسكرة وعباءة «الناتو»
خرجت فنلندا من رداء عدم الانحياز الذي ارتدته لعقودٍ، كَرَّسَت جهودها خلالها، للتنمية والرخاء، حتى أنها وُصِفَت بـ«أسعد بلد على وجه الأرض» خلال السنوات الـ6 الماضية، وفقًا لمسح السعادة العالمي، لكنها خطت بقدميها في معترك العسكرة، ودخلت- في الأسبوع الأول من أبريل 2023- ضمن عباءة حلف الناتو، لتكون العضو الحادي والثلاثين في الناتو، الذي يمثل الأعضاء فيه 50 بالمئة من القوة العسكرية العالمية.
ومع انضمام فنلندا إلى الناتو؛ ستزيد المسافة الإجمالية للحدود بين روسيا والحلف الدفاعي، بمقدار الضعف تقريبًا؛ حيث تتسع الحدود بين روسيا وأوروبا من 700 إلى أكثر من 1900 كيلومتر.
وتؤكد تقارير، أن نيران صراع جديدة قد تشتعل في «القطب الشمالي»، وسط «زمجرة روسية» جاءت على لسان وزير الدفاع، سيرجي شويجو، الذي قال إن انضمام فنلندا للناتو يزيد مخاطر نشوب صراع شامل، بينما سبقه الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرج، قائلًا: إن الرئيس، فلاديمير بوتين، تلقى قرارًا معاكسًا لأهدافه، بمحاولة تقليص حجم الناتو.
ويصل تعداد الجيش الفنلندي إلى 900 ألف جندي، وتعتبر القوات المدفعية الفنلندية، الأكبر والأفضل تجهيزًا في أوروبا الغربية، ويمتلك الجيش 5368 مركبة قتالية مدرعة، و115 مدفعًا ذاتي الحركة، و266 طائرة مقاتلة، و246 قطعة بحرية متنوعة، وبتلك القوة التي ستضاف إلى الناتو؛ تعزز أوروبا قبضتها عند أبواب الروس.
البند الخامس
«توديع الحياد» بات أمرًا واضحًا للعيان في سياسات دول البلطيق، وبانضمام فنلندا إلى الناتو، واقتراب السويد؛ تكتمل المساعي نحو سيطرة الناتو على بحر البلطيق، ما يعيق عمل أسطول الشمال الروسي، وتحاول فنلندا أن تستفيد من الناتو، بالحماية التي يوفرها البند الخامس من ميثاقه، وينص على أنه «حال تعرض دولة عضو لهجوم مسلح؛ سيعتبره بقية الأعضاء هجومًا ضدهم، وسيساعدونها».
دخول روسيا الحرب في أوكرانيا، يوم الخميس 24 فبراير 2022، وضم أراضٍ أوكرانية؛ أقلق الدول الإسكندنافية، وبينها فنلندا والسويد بشدة، ولاقى هذا قبولًا واسعًا لدى القوى الغربية، فتلاقت الأهداف، فالغرب- بزعامة الولايات المتحدة وبريطانيا- ينشد تطويق روسيا، وتحجيم تهديداتها لدول الناتو، بما تملكه من ترسانة عسكرية ونووية، وبالتالي، تبادل الطرفان المصالح في «الحماية والكيد» للنفوذ الروسي.
مكاسب فنلندا
تعمل فنلندا على رفع ميزانيتها الدفاعية بنسبة 40 بالمئة، بحلول العام 2026، دون أي اعتراضات غربية، ولديها أسطول مكوّن من 55 طائرة مقاتلة من طراز «إف-18»، تنوي استبدالها بمقاتلات إف-35 أمريكية، بالإضافة إلى 200 دبابة، وأكثر من 700 قطعة مدفعية، وإلى جانب المساعدة العسكرية التقليدية من حلفائها الغربيين بدخولها مظلة الحلف؛ ستستفيد فنلندا من الردع النووي، حال عزم موسكو دخول أراضيها، كما فعلت مع أوكرانيا قبل أكثر من عام؛ ما يترتب عليه تحقيق معادلة الأمان.
ووقعت وزارة الدفاع الفنلندية، اتفاقًا، الخميس الماضي، مع نظيرتها الإسرائيلية؛ لشراء منظومة الدفاع الصاروخية المعروفة باسمها العبري «مقلاع داود»- صناعة مشتركة مع الولايات المتحدة- بقيمة تبلغ 344 مليون دولار، وتستطيع المنظومة المتطورة، اعتراض الصواريخ العادية والباليستية، والطائرات دون طيار، على مدى ما بين 25 إلى 185 ميلًا، بارتفاع 9.3 ميل، وتدميرها في الفضاء؛ ما يمنحها قوة كاسحة أمام منظومات «إسكندر»، وصواريخ روسيا.

الملفت للنظر، أن إتمام الاتفاق، يحتاج إلى مصادقة واشنطن، التي من المرجح أن تصادق عليها، بعدما أصبحت عضوًا في الناتو، ويجوز لها شراء أسلحة «دون وصاية أو تعقيدات أو سقف»، لا سيما في توقيت مشتعل التهديدات مع روسيا.
كما أن زيادة مواقع نشر قوات الحلف في 4 دول استراتيجية (أستونيا وليتوانيا ولاتفيا وبولندا) إلى 8 أخرى، مع إضافة «بلغاريا ورومانيا والمجر وسلوفاكيا»؛ سيزيد من فرص الحماية لفنلندا، ويدعم وجودها ضد أي تهديد روسي في قريب الأيام.
حدود الناتو مع روسيا
دخول فنلندا حلف «الناتو»، لم يكن سهلًا أبدًا، بل مَرَّ برفض تركي كبير، دام شهورًا، وترقب أوروبي للخطوة، التي أشعلت غضب الدب الروسي، خاصة وأن حدود دول البلطيق (لاتفيا، أستونيا، ليتوانيا) العضوة في الناتو، تمتد مع روسيا لمسافة 1270 كيلومتر.
وجاء انضمام فنلندا- التي تتشارك مع روسيا بحدود طولها 1300 كيلومتر- إلى الناتو؛ ليضاعف حدود الحلف مع موسكو، وبالتالي بات سيناريو العسكرة في المنطقة القطبية الشمالية، واردًا بشدة، مع زيادة فرص التسلح لدول، بينها (فنلندا)، طالما عملت واستقرت، من منطلق عدم الانحياز لحلف عالمي أو فريق دولي.
كما تزايدت فرص هيمنة الحلف الغربي «الناتو» في بحر البلطيق، بتواجد قوات غربية في نحو 8 بلدان محيطة بروسيا، ويمكنها نشر منظومات صواريخ فرط صوتية، وانتشارات بحرية مقلقة للنفوذ الروسي الذي سيتأثر بشدة بانضمام هلسنكي، واستوكهولم التي باتت في الطريق بالتواجد ضمن الحلف، بعد أن كانتا ضمن الجوار المحايد، ولا تمثلان تهديدات تذكر.
استفادة أوروبية
تضمن القوى الأوروبية بزعامة الولايات المتحدة، قدرة الجيش الفنلندي على حماية حدود حلف الناتو مع روسيا، البالغة 2600 كيلومتر، لا سيما وأن معظم الخط الحدودي بين البلدين، يمتد عبر الغابات، ولا توجد تجمعات سكنية كبيرة بالقرب منها، والحدود غير محصنة، وهي مناطق قتال مناسبة، وتقي من فرص السقوط العسكري، وسقوط العاصمة هلسنكي بيد الروس سريعًا.
ولم تتخل فنلندا عن التجنيد الإجباري للرجال، فلديها إلى جانب 24 ألف جندي في الخدمة، 900 ألف احتياطي، وفي حال التعرض لهجوم والدفاع؛ يمكن أن يصل عدد أفراد القوات البرية والبحرية والجوية إلى 280 ألف رجل وامرأة.

جيش فنلندا ليس جيشًا مرفهًا، أو عديم الخبرة، كما يعتقد البعض، فلديه خبرة عسكرية مجربة في حرب شتاء 1939 – 1940، كما أن سياسة الحكومة الفنلندية تجاه روسيا، سترتكز على الردع بشكل متزايد، كبديل، عما كانت عليه بشأن الحوار مع موسكو، وهو ما يفيد المعسكر الغربي بشدة في حربهم ضد روسيا، حال شن حرب شاملة، وبالتالي، ستكون فنلندا بمثابة البوابة الشرقية الموصدة في وجه الطوفان الروسي المحتمل.
فرص الحرب النووية
بعد توسيع حلف الناتو لحدوده مع روسيا، بضم فنلندا لعضويته، وما يتردد عن مساعٍ أمريكية لنشر أسلحة نووية في هلسنكي؛ قد ترتفع فرص استخدام السلاح النووي، وتنفيذ موسكو لتهديداتها، بنشر طائرات قادرة على حمل رؤوس نووية، قرب جيرانها من دول الناتو، وتظل كل الخيارات مفتوحة.
ويعزز المخاوف من اندلاع الحرب النووية؛ تزايد فرص التوتر التاريخي بين القوتين الأكبر في العالم، حيث تمتلك الولايات المتحدة وروسيا نحو 90 بالمئة من الرؤوس النووية في العالم، وهو ما يكفي لتدمير الكوكب عدة مرات، فيما تمتلك روسيا أكبر مخزون في العالم من الرؤوس الحربية النووية، وتشير التقديرات إلى امتلاكها 5977 رأسًا، مقارنةً مع 5428 لدى الولايات المتحدة.
بيلاروسيا أحد الحلول
التحفز النووي بات واضحًا في ربوع القطب الشمالي، لا سيما، إقبال واشنطن على تغذية فنلندا بصواريخ نووية، والهدف؛ حمايتها من تحرشات روسيا التي تخوض حربًا في أوكرانيا (الجارة) منذ أكثر من عام، والهدف الأساسي كان حماية الأمن القومي من امتداد مظلة تهديدات حلف الناتو.
بينما ردت موسكو عمليًا، بنشر طائرات عسكرية في بيلاروسيا، الجارة والحليفة، أصبحت قادرة على حمل رؤوس حربية نووية، وجرى نقل أنظمة صواريخ إسكندر إلى بيلاروسيا، والتي يمكن استخدامها لحمل صواريخ تقليدية أو نووية.
الترسانة المرعبة
يقول الباحث في الشؤون الروسية الأوروبية، الدكتور باسل الحاج جاسم، إن هناك 11405 رؤوس نووية في حوزة روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا مشحونة سياسيًا بشكل كبير؛ جراء خطوة انضمام فنلندا فعليًا تحت مظلة الناتو، بينما أمريكا، ترفض التوقف عن اتخاذ خطوات توسعية لحدود الحلف ومظلته الدفاعية والهجومية، ودعم الترسانة الصاروخية لدوله بـ«رؤوس التهديد».
وأضاف الباحث باسل الحاج جاسم، في تصريحات خاصة لـ«الوشم الأوسط» أن خطوة انضمام فنلندا، قد تكون طريقًا لإشعال فتيل حرب عالمية ثالثة، أو مواجهة عالمية محدودة، كون «خطوة فنلندا» جاءت في توقيت يتسم بـ«التحفز الروسي الشديد تجاه الأمن القومي لموسكو»، مع توسع التواجد الغربي لدول الناتو قرب الحدود الروسية.
مسارات التحرك الروسي
بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي؛ سعت الولايات المتحدة لـ«تقزيم أي دور محتمل لروسيا» التي حملت إرث الاتحاد المتفكك بعد انتهاء زمن الحرب الباردة، وباتت وريثته الشرعية سياسيًا وعسكريًا؛ فلجأت واشنطن إلى نشر أسلحة نووية في دول أوروبية، بينها «ألمانيا، وتركيا، واليونان» وغيرها، منذ أكثر من 20 عامًا، وكان الهدف واضحًا «إحاطة أي تهديد روسي» مع مرور الزمن بـ«جدار من الحماية المضادة».
ويرى الباحث في الشأن الدولي، أحمد العناني، أن روسيا تحاول أن تجد أكثر من حل؛ لتحجيم خريطة التهديد الجديدة، المتمثلة في «حصار حدودها» بعواصم، تَدِين بالتبعية والحماية لحلف الناتو، وبالتالي كان تحركها الأبرز مؤخرًا في بيلاروسيا، والسعي إلى نشر منظومات صواريخ نووية وتكتيكية، أبرزها منظومات «إسكندر».
وقال الباحث أحمد العناني، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، إن تدريب القوات الروسية لنظيرتها البيلاروسية منذ 3 أبريل الجاري، على تلك الأسلحة النووية والصواريخ التكتيكية؛ ينبع من قناعة روسية تامة، أن خطوة انضمام فنلندا إلى الناتو لن تكون الأخيرة، وباتت السويد في الطريق؛ بعدما أزالت أمريكا، الكثير من المعوقات في طريق ضمها للحلف.
إجراءات مضادة وخطوات التصعيد
أطلقت روسيا تهديدًا شاملًا ضد كل الدول التي دخلت وتحاول أن تنضم إلى الناتو في المرحلة المقبلة، بينها السويد، لا سيما بعد دخول فنلندا- قبل أيام-، ووعد الكرملين، الثلاثاء الماضي، باتخاذ ما اعتبرها «إجراءات مضادة» بعد انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، واصفًا توسيع الحلف بأنه «يمس بأمن روسيا».
ويبدو أن الإجراء المضاد، بات ممثلًا بصفة أولية، في «نقل موسكو أسلحتها النووية التكتيكية إلى القرب من الحدود الغربية لبيلاروسيا»؛ وهو ما سيجعلها على أعتاب دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، وتتجه الأمور إلى مزيد من الاشتعال؛ كونها خطوة تزيد من تصعيد المواجهة بين موسكو والغرب، مع تعاظم المخاوف لدى ساسة الكرملين، الذين تمتد حدود بلادهم مع حلف الناتو من المحيط المتجمد الشمالي إلى بحر البلطيق، بحسب موقع «وور أون ذا روكس».
عالم متعدد الأقطاب
تسعى روسيا لإخراج حلف الناتو إلى التقاعد، في عيد تأسيس الحلف الـ 74، بحسب تصريحات «ماريا زاخاروفا» المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، بينما تعهَّد الرئيس فلاديمير بوتين، بمواصلة العمل لبناء «عالم متعدد الأقطاب»، مع فشل الغرب في فرض عزلة على موسكو طوال العام الماضي من حرب أوكرانيا، واعتبار الولايات المتحدة هي التهديد الأساسي لروسيا.

ما سبق يؤكد أن روسيا تسعى خلال المرحلة المقبلة لإيجاد عالم متعدد الأقطاب، لا سيما مع تعالي وقع أقدام التنين الصيني على مسرح الأحداث العالمية، وإبرامه أكثر من اتفاق تهدئة، وإنهاء أزمات بين السعودية وإيران، ومساعٍ لإنهاء أوجاع القضية الفلسطينية، ومحاولة التدخل لإنهاء حرب أوكرانيا.
وتستند أبرز عناصر النسخة المحدثة من العقيدة السياسية الخارجية لروسيا، على أن «دعم أمريكا» لما تعتبره موسكو «الثورات الملونة»- كما هو الحال في دعمها لأوكرانيا، ونظام فلاديمير زيلينسكي-؛ سيزيد الهوة والعداء بين القوتين، وسيعزز مساعي روسيا لإنشاء عالم متعدد الأقطاب، وبالتالي تتفاقم فرص الصراع، وكانت آخر اللبنات في حائط الكراهية العالمي؛ انضمام جارة روسيا «فنلندا» إلى حلف الناتو.



