تقدير موقف| المد الجهادي بوسط وغرب إفريقيا.. أزمات وأسباب
انتشار الإرهاب والفقر والسلاح وضعف القبضة الأمنية

عاطف سعد// وابامز
تعاني دول وسط وغرب إفريقيا في السنوات الأخيرة، من تنامي الوجود والنفوذ للجماعات المسلحة والإرهابية، لا سيما، تنظيمي «داعش» و«القاعدة» وجماعة «بوكو حرام»، غرب القارة السمراء، والأمر مرتبط إلى حد كبير، بالهزيمة الكبيرة التي تلقاها «داعش» في قارة آسيا، وسقوط حلم إقامة دولته المزعومة في سوريا والعراق عام 2014.
وبالتالي، كان عليه أن ينتقل إلى حاضنة جديدة، يجد فيها مبتغاه، وهو ما تسبب في تواجد بيئة صراع كبيرة مع تنظيمات أخرى حاضرة على الأرض بقوة في القارة على رأسها القاعدة التي تنشط بمنطقة القرن الإفريقي ودول بغرب ووسط القارة، ما أوجد موجة صدامية فكرية وعسكرية.
فضلًا عن أن الأراضي الإفريقية باتت متخمة بالصراعات والنزاعات المسلحة بشكل أكبر، لا سيما، مع تراجع الدور الأمني للأنظمة الحاكمة؛ لكثرة الانقلابات وانتشار الأسلحة، وتقلص الوجود العسكري الأوروبي (قوات برخان) من غرب القارة، وهي ضمن الأسباب التي تقود إلى تغلغل الإرهاب وتمكين التطرف بشكل صارخ.
انتشار الإرهاب
يقول الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية «عبد المجيد أبو العلا»، إن ظروف الفوضى الأمنية، وضعف السيطرة للأنظمة الحاكمة في مناطق وسط وغرب القارة الإفريقية؛ ساعد في نمو بيئة التخلخل السياسي، والتي تحفز على وجود جماعات إرهابية تهدد الاستقرار.
وأضاف «عبد المجيد أبو العلا»، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»، أن هناك مشكلات سياسية عديدة في تلك المناطق، تتضمن صراعات وتهميشًا سياسيًا ودوليًا، وحسابات لدول عالمية، لا تريد إلا الحصول على المقدرات بشتى الطرق، فضلًا عن انتشار الفقر والأمراض والأوبئة، والتغيرات المناخية التي شهدتها منطقة بحيرة تشاد، وتراجع الاهتمام الغربي بالبعد الأمني، والسماح بانتشار السلاح، في ظل تحول الاهتمام الغربي إلى قضايا أخرى مهمة، مثل «الحرب الروسية الأوكرانية».
هناك أيضًا جماعات إرهابية محلية، ظهرت في الكونغو الديمقراطية منذ حقبة التسعينيات من القرن الماضي، وأخرى تواجدت منذ الألفية الجديدة، وأبرزها «بوكو حرام» في نيجيريا، وكلها جماعات تهدف إلى تعزيز الانتشار والوجود على الأرض؛ للسيطرة والهيمنة على المقدرات.
يقول الباحث في الشأن الدولي «أحمد سلطان» في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»: يجب أن تحسم القوى الدولية والإقليمية موقفها، هل هي جادة من عملية مواجهة التطرف الفكري، وتكثيف المواجهة العسكرية مثلًا، ضمن أطر المواجهة، وهل عملية «قطع الرؤس» التي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عنها، والتي شهدها تنظيم «داعش» بعد مقتل 3 من قيادات التنظيم الإرهابي المتربعين على عرش الخلافة الخيالية الوهمية (أبي بكر البغدادي، أبو الحسن، قرداش)، لم تُنهِ التنظيم؟.
فيما أوضحت دراسات متخصصة، ارتفاع حصيلة العمليات الإرهابية في إفريقيا، وبدا الصراع بين تنظيمي القاعدة وداعش في مالي واضحًا للعيان، فضلًا عن ضراوة الهجمات المتعددة في أفغانستان على سبيل المثال، أو ما تسمى «ولاية خرسان»، في مساعٍ من الدواعش لتعويض إرثهم المفقود، في خلافة سقطت قبل أن تقام، في العراق وسوريا، وهي نفس الأحلام التي تراودهم في القارة السمراء.
ضعف الأمن وانتشار السلاح
تعاني دول الوسط والغرب الإفريقي، ضعفًا أمنيًا واسعًا، وفقرًا في أحوال المعيشة في ظل فساد كبير يعتري الأنظمة الحاكمة وكثرة الانقلابات العسكرية بالقوة الغاشمة، وتراجعًا في مستويات التعليم؛ ما يسمح بانتشار وسطوة الجماعات التي تتستر برداء الدين، فيما تسببت الهجمات الإرهابية المتواصلة في عدد من بلدان المنطقة، في إغلاق نحو 18 ألف منشأة صحية وتعليمية خلال الفترة الأخيرة.
ولا يمر أسبوع أو يوم، دون أن تشن الجماعات الإجرامية أو الجهادية أو الانفصالية، هجمات، تزيد أوجاع دول الوسط والغرب الإفريقي، وأصبحت المخاطر المحيطة بالانتخابات، تهدد مسار العملية الانتخابية في دولة بحجم نيجيريا، فيما يشكل خطر العنف حاليًا، منعطفًا خطيرًا.

و«يزيد الطين بلة»؛ تصاعد الصراع المسلح بين الدول والجماعات المتطرفة في غرب إفريقيا، كما الحال في مالي والنيجر، لا سيما في نيجيريا، في ظل امتلاك تلك الجماعات المتطرفة للأسلحة الثقيلة والقوية مثل المدافع المضادة للطائرات والصواريخ، فإنه من المرجح سعيها الآن للحصول على درونز (طائرات دون طيار) أو تكنولوجيا مسيرات متطورة من أي جهة، في وقت يشهد العالم أجمع استخدامًا مكثفًا للدرونز في الحرب الروسية الأوكرانية.
الفقر في غرب القارة
باتت الأوضاع في غرب إفريقيا تسمح بالكثير من الاضطرابات، وتقود إلى دوائر مظلمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، مع تفاقم آثار الفقر على سكان تلك الدول، ونمو الصراعات، وانتشار القتل وأعمال الإرهاب بصورة مفزعة.
أيضًا، تستغل التنظيمات الإرهابية- ومنها «داعش» و«القاعدة»- بنجاح، حالة الفقر وانتشر الأوبئة وسيطرة الخرافات على عقوقل الكثيرين، وارتفاع معدلات الأمية، وتزايد حالة السخط الشعبي من الأوضاع الهشة على المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ في استقطاب العناصر المحلية للانضمام إلى تلك الجماعات، عن طريق تقديم حلول لتلك الأزمات والمشاكل التي يعانون منها.
وفي سياق متصل، أفاد المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب والدراسات الاستخباراتية، في تقرير له، بأن الغالبية العظمى من الدول الإفريقية، تعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية؛ مما دفع الكثير من الشباب إلى خيارين، الهجرة غير الشرعية، أو الانضمام إلى المنظمات الإرهابية، يأتي ذلك في وقت تمتلك فيه القارة الإفريقية، موارد، تشكل نحو 33 بالمئة من مجمل الموارد المتوافرة في العالم، إلا أن 40 بالمئة من سكان القارة يعيشون تحت خط الفقر المدقع.
وتتمتع إفريقيا بمميزات تنافسية كبيرة في مجال الموارد الطبيعية؛ فهي منتج رئيسي لأكثر من 70 بالمئة من المعادن المهمة للصناعات العالمية، مثل «اليورانيوم» المستخدم في إنتاج الطاقة، و«البلاتين» المستخدم في المجوهرات والتطبيقات الصناعية، و«النيكل» المستخدم في الفولاذ المقاوم للصدأ والمغناطيس والعملات المعدنية والبطاريات القابلة لإعادة الشحن، و«خام الألومنيوم والكوبالت» المستخدمان في أصباغ الألوان.
كما تستحوذ «القارة السمراء» على نحو ربع إنتاج العالم من الذهب والأحجار الكريمة العالية القيمة مثل «الألماس»، إضافةً إلى النفط والغاز.
وكشفت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا، أن معدل الفقر المدقع في دول غرب إفريقيا، ارتفع عام 2021بنسبة 2.9 بالمئة، مشيرةً إلى ارتفاع نسبة الأشخاص الذين يقل دخلهم اليومي عن 1.9 دولار من 2.3 بالمئة عام 2020 إلى 2.9 بالمئة عام 2021.
فوضى التنقل وحلم الثروات الضائعة
يرى خبير الشؤون الإفريقية «مادي إبراهيم كانتي»، خلال استضافته بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أن دول الساحل والصحراء، لا توجد بها قيود على حركة الأفراد، ولا رقابة على الحدود، ولا صعوبات في التنقل من مكان لآخر، فضلًا عن سهولة الحصول على إذن سفر، وجنسية إحدى الدول الـ15 بمنظمة «إيكواس»، وهي أمور سَهَّلَت حركة المجموعات الجهادية المتطرفة، كما أن جماعة «بوكو حرام» تستفيد من هذه الحدود المفتوحة كثيرًا؛ لتتمكن من التنقل من بلد لآخر بمنتهى السهولة.
وقال «كانتي»: هناك شركات غربية لديها علاقات وثيقة مع الجماعات المتطرفة، تسهل حركة أعمالها، وثمة انتقال مخيف لحركة أموال واسعة من دولة لأخرى، ومن حسابات متعددة لا يمكن تتبعها بسهولة، ولهذا، فمن السهل توفير تمويل كثيف للجماعات المتطرفة، والتي تمكن الكثير منها كذلك من السيطرة على «حقول للنفط» أو «مناجم للمعادن الثمينة».
ومن جهته، تحدث الخبير الاقتصادي «السيد خضر»، لـ«الوشم الأوسط»، قائلًا: إن إفريقيا تنعم بوفرة هائلة من الموارد الطبيعية، مثل «الذهب، والبوكسيت، والمنجنيز، وزيت النخيل، والليثيوم، والكاكاو، والأخشاب»، فضلا عن الأراضي الصالحة للزراعة، وغيرها من الموارد المهمة للأسواق العالمية، لكن رغم ذلك؛ لا تزال أكثر من 70بالمئة من شعوب القارة، تعيش تحت خط الفقر، وتكابد؛ من أجل الحصول على الغذاء والدواء والخدمات التعليمية.
وأضاف السيد خضر، أن الجشع والفساد وانعدام الرؤية؛ من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى عدم استفادة إفريقيا من مواردها الطبيعية، وبالتالي ترزح تحت نير الإرهاب، في ظل انشغال عالمي بحرب روسيا وأوكرانيا، وأزمات عالمية اقتصادية، وملفات أخرى مشتعلة في الكوريتين (الشمالية والجنوبية) وتايوان وإيران، وقضايا الشرق الأوسط بينها اليمن وسوريا والعراق وليبيا.
مؤشرات مقلقة
وفقًا لتقديرات مؤشر الإرهاب للعام 2022، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام؛ فشلت الاستجابات الدولية والإقليمية للعنف، في وقف الزيادة المتواصلة في مستويات الإرهاب، وذلك بسبب النمو السكاني العالي في المنطقة، والزيادات الكبيرة في معدلات النزوح، جراء معاناة أكثر من 30 بالمئة من السكان، من «انعدام الأمن الغذائي» الذي تفاقم بفعل «الحرب في أوكرانيا»، وعوامل «التغير المناخي» و«النزاعات الأهلية».

واعتلت «بوركينا فاسو» و«مالي» و«النيجر»، قائمة بلدان المنطقة من حيث عدد ضحايا الإرهاب، إذ سقط في البلدان الثلاثة مجتمعة، نحو 2000 شخص خلال 2022، أما في «نيجيريا»، فبعد انخفاض بلغ 51 بالمئة في عدد ضحايا الإرهاب، في أعقاب مقتل زعيم جماعة بوكو حرام «أبو بكر الشكوي» في يونيو 2021؛ عادت المعدلات إلى الارتفاع مجددًا في 2022، وخلال الأسابيع الأولى من 2023.
خاتمة
البيئة في إفريقيا مواتية لاستمرار وتصاعد وتوغل الحركات الإرهابية، وجاءت حصيلة النشاطات الإرهابية «مرعبة»؛ في ظل مقتل أكثر من 100 شخص منذ بداية العام 2023، وتشريد عشرات الآلاف من مناطقهم الأصلية، لا سيما، في كل من دول «مالي» و«بوركينا فاسو» و«نيجيريا».
كما أن الضمانات الغربية- سواء الدور الفرنسي أو الروسي أو الأمريكي أو حتى الصيني- ليست إلا ادعاءات مفتعلة، فالغرب يعمل لمصالحه، والتي قد ترتبط في المقام الأول بـ«استمرار الإرهاب في المنطقة»؛ لضمان استمرار سيطرته على المصادر الإفريقية من الثروات والمقدرات.



