الباحث في الشأن الإيراني محمد عبادي لـ«الوشم الأوسط»: «ضربة أصفهان» ليست الأخيرة
طهران تكتفي بـ«الشعارات الرنانة» في حربها ضد تل أبيب

حوار// عاطف سعد
%95 من الإيرانيين يعانون «الفقر والظلم والاستبداد»
نظام إيران يحكم بـ«الحديد والنار».. ولديه قدرة تاريخية على «وأد» الاحتجاجات
قرارات الإفراج عن المعتقلين تهدف لـ«غسل سمعة حكم المرشد» عالميًا
«خامنئي» يصور المحتجين على أنهم «مفسدين».. و«الحكم بالعصا» لن يدوم
قال الباحث في الشؤون الإيرانية، محمد عبادي، إن الاحتجاجات في إيران، ليست الأولى، وسبقتها العديد من موجات التظاهر التي نجحت القبضة الأمنية في التصدي لها منذ سنوات، ويبقى «الفقر والاستبداد» هو القاسم المشترك في اندلاع الاحتجاجات بإيران.
وتطرق أيضًا إلى المكاسب التي غنمتها «دولة الملالي» عسكريًا، من تعاونها مع روسيا في الآونة الأخيرة، وأسباب العقوبات الأوروبية ضد شخصيات وكيانات أوروبية، على وقع الاحتجاجات؛ بداعي انتهاكات حقوقية.
وأضاف محمد عبادي، في حواره لمركز «الوشم الأوسط»، أن إيران وَرَّثَت للحوثيين فكرة «العنف، ونشر الأسلحة المدمرة، ومحاولة السيطرة العنيفة على مفاصل الدولة اليمنية»؛ ما تسبب في ضياع البلد العربي، فضلًا عن دور طهران الواضح في تصدير الأزمات لدول الخليج باستخدام «الذراع الحوثية»، كل هذا وأكثر في السطور التالية:
بداية: كيف ترى مسار الاحتجاجات في إيران؟.. وهل سيكون لها دور في تغيير سياسي قادم؟
منذ العام 2017 وحتى الآن، هناك حالات احتجاجات واحتقانات في إيران، تندلع على فترات متقطعة، وينجح النظام في تصويرها على أن المشاركين فيها «مفسدون في الأرض»؛ بسبب عدد من الأمور، ملخصها «الحالة الاقتصادية الصعبة» التي يعيشها ملايين الإيرانيين، و«القبضة الأمنية الخانقة» وممارساتها غير المحتملة، بينما يعيش النخبة من رجالات السلطة ورجال الأعمال والحرس الثوري والجنرالات والعاملون في المؤسسات الخيرية التابعة للمرشد الأعلى «علي خامنئي» في رفاهية كبيرة، وعددهم لا يتجاوز 5% من تعداد السكان الكادحين، البالغ نحو 85 مليونًا، ولا بد أن تنفجر الأوضاع يومًا دون رجعة.
حدثنا عن أبرز موجات التظاهرات ضد نظام «خامنئي» التي كان لها صدى واسعًا؟
جملة الشباب الإيراني المنفتح على العالم والثقافات، بات يشعر بالفارق والظلم البين الذي يمارسه «نظام خامنئي» و«ولاية الفقيه» بحق بلادهم، وكانت آخر تظاهرات كبيرة في الدولة، عام 2009، وصُنِّفَت كـ«تظاهرات سياسية بحتة»، مع تزوير الانتخابات لصالح «محمود أحمدي نجاد»، ووقتها قاد كلا من «مهدي كروبي» و«حسين موسوي» احتجاجات الشباب في شوارع طهران ومحافظات أخرى، وتم التصدي لها بفعل القبضة الأمنية الحديدية.
تلتها احتجاجات كبيرة خلال فترة حكم حسن روحاني (ديسمبر 2017)، بعد العودة إلى الاتفاق النووي؛ وكانت بسبب «رفع الحكومة لأسعار السلع الغذائية»، وانطلقت آنذاك من مدينة مشهد، وأكملت التظاهرات طريقها في 2018، ثم في نوفمبر 2019؛ مع «رفع الحكومة أسعار البنزين»، وخروج الآلاف إلى الشوارع رفضًا للغلاء، وفي يناير 2020، مع إسقاط الحرس الثوري للطائرة الأوكرانية، ولكنها الاحتجاجات توقفت فترة ما؛ بسبب جائحة كورونا، لكنها عادت بقوة؛ مع شرارة «مقتل الشابة الكردية، مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق» في العاصمة طهران، والتي اندلعت في 16 سبتمبر 2022، وهي مستمرة رغم خفوت حدتها.
لماذا فشلت الاحتجاجات في إقصاء «نظام الملالي» رغم تكررها لسنوات متتالية؟
نظام «ولاية الفقيه» بارع للغاية في تشويه صورة المعارضة في الداخل والخارج، ويصور ممثليها على أنهم أعداء «الدولة والدين»، يأتي ذلك في وقت تفتقد فيه طهران إلى «مجلس أعلى» يدير الاحتجاجات بشكل منظم وفاعل؛ وهو ما يُنجح المنظومة الأمنية كل مرة، في إفشال كل حراك ثوري على الأرض.

بعد نحو نصف عام من شرارات غاضبة.. ماذا قدم المجتمع الدولي لـ«ثوار إيران»؟
قدمت العديد من الدول ما تستطيع من خطوات، بدأت بالتنديد ضد ممارسات النظام الإيراني، مرورًا بتوجيه اللوم ونشر البيانات والأرقام إعلاميًا وسياسيًا، وصدَّرت لباقي الدول صورة مستحقة للنظام الحاكم أنه «دموي» و«قاتل لشعبه» و«ينتهك حقوق الإنسان»، وتُرجِم ذلك إلى عقوبات ضد جنرالات ووزراء وهيئات الإذاعة والتليفزيون، وغيرها من الكيانات الإيرانية، وللمرة الأولى نشاهد تفاعلًا أوروبيًا إيجابيًا غاضبًا ضد «حكام طهران»، وسط موجة عقوبات قاسية، والسماح في العواصم الأوروبية بـ«تظاهرات رافضة» لممارسات النظام الإيراني.
هل يمثل «الإفراج عن الطبيب والناشط فرهاد ميسامي» بارقة أمل في المجال الحقوقي بإيران؟
لا أعتقد أنها ستمثل بارقة أمل في تحسين أجواء المجال الحقوقي الإيراني، ويبقى قرارًا فرديًا، مرتبطًا بتوازنات وضغوط سياسية، ومن المرجح أن «فرهاد ميسامي» انتهت مدة محكوميته؛ لذلك خرج من السجن، مع إنه مضرب عن الطعام منذ فترة طويلة، وما زال هناك الآلاف من المعتقلين خلف القضبان ،وحالات الإعدام المعلومة، وأخرى غير معلن عنها.

كما أن النظام في طهران، يَعمَد إلى الاستفادة من أي قرارات بالإفراج؛ لأنها مشروطة بتحقيق أهداف متبادلة، وليست لتحسين الجانب الحقوقي أو الإنساني، فهذا أبعد ما يكون عن سياسة الحكام، لا سيما أن المفرج عنهم، يشترط ألا يكون صادرًا بحقهم إدانات في جرائم، أو عليهم أحكام، هذا إلى جانب أن كل قرارات الإفراجات في جوهرها «محاولة لغسل سمعة النظام»، وعند تنفيذ قرارات العفو بمناسبة مرور 44 عامًا على قيام ما يعرف بـ«الثورة الإسلامية»؛ لن يكون مطبقًا بشكل كامل، وقد يخرج المعتقلون من السجون؛ لمجرد التفوه بألفاظ وانتقادات ضد المرشد ومعاونيه.
هل ستتأثر قرارات إيران بالضغوط الدولية في تغيير سياساتها بالشرق الأوسط؟
النظام الإيراني بقيادة المرشد «علي خامنئي»، و«إبراهيم رئيسي» رئيس الدولة، يُصَنَّف كنظام «مُناوِر وبراجماتي»، ينحني لأي رياح عاصفة، ثم يعاود أفعاله وسياسته بكل قسوة وعنف، فهو يواجه حاليًا ضغوطا داخلية متعلقة بالوضع المحتقن، والمحيط الإقليمي الغاضب، والنظرة الدولية الساخطة، لا سيما وأن هناك شراسة أوروبية غير معتادة في الهجوم على النظام، وَمَرَدُّ ذلك؛ إلى معاونة طهران، لموسكو، بـ«المسيرات» و«الأسلحة» في الحرب ضد أوكرانيا؛ بما يمثله ذلك من خطر داهم على أمن دول «القارة العجوز»، خاصة وأن إيران تعتمد على فكرة «تصدير الأزمات» للآخرين، و«بناء حوائط ومصدات» في طريق الدول الأخرى.
ما طبيعة الدور الذي تمارسه دولة الملالي في إحداث الفوضى وتغذية العنف في اليمن؟
طهران تمارس هذا الدور المفسد، منذ قدوم «بدر الدين الحوثي»، الذي ورَّثَهُ إلى «حسين الحوثي» والد «عبد الملك الحوثي»، زعيم الميليشيات حاليًا.
وتطورت الأمور من «جمعية خيرية» إلى «تنظيم شبابي» إلى «ميليشيات مسلحة» تحاول أن تحكم بالحديد والنار» وتُخَرِّب ما تبقى من اليمن، البلد العربي الكبير، ولمدة 6 سنوات؛ كانت إيران تمدهم بالأسلحة، بالتهريب عبر السفن، وحتى قبل سقوط حكم «علي عبد الله صالح» و«عبد ربه منصور هادي».
ما دور «الملالي» في تحريك صناعتي المخدرات والسلاح بواسطة الذراع الحوثية؟
حاكم إيران هو الممول الأول للحوثيين؛ وبالتالي تلك الميليشيات تورطت في كل الموبقات (أسلحة ومخدرات)، لأن قرارهم ليس بأيديهم، وهذا يقودنا إلى نتائج دالة ودامغة على تورط «النظام الإيراني» و«أقطاب من حزب الله» في دعم الحوثيين بـ«المسيرات والصواريخ الباليستية»، بينما كان الحوثي قبل ذلك، يعيش وأتباعه في جبال مدينة صَعدة، كما أن تقارير تؤكد قيادة السفير الإيراني في اليمن، للمعارك مع الحوثيين ضد الدولة اليمنية.
لماذا تصر طهران على اختلاق الأزمات والمشاكل لدول الخليج بـ«احتضان بؤر التطرف»؟
المشروع الأول لإيران مبني على «تصدير الثورة»، و«اختلاق الأزمات» للآخرين، ومحاولات السيطرة بـ«نشر الفتن ووضع العراقيل»، وهو مبدأ «ولاية الفقيه» الأساسي، ولا يمكن إغفال نظرية «أم القرى» للبروفيسور جواد لاريجاني، ومحاولات التسبب في المشاكل لدول الخليج، والتجسس عليها.
ما هي أهداف طهران من التعاون العسكري مع روسيا وإمدادها بـ«المسيرات المتطورة»؟
يعيش نظام إيران حاليًا، حالة أشبه بالقطيعة مع الدول الغربية، وسيستفيد نسبيًا بـ«إبرام شراكة عسكرية» مع روسيا، لا سيما بسبب أزمة الملف النووي التي «زادت الطين بلة» في علاقات طهران بأمريكا ودول حلف الناتو.

أيضًا يأتي التعاون العسكري الواسع بين طهران وموسكو، وإمداد الأولى للأخيرة بالمسيرات في حرب أوكرانيا؛ أمرًا مفيدًا للدولة الفارسية، فإيران تحاول أن تحصل على المال اللازم في أَوْج أزمة اقتصادية خانقة، فاقمتها موجة التعطل بفعل الاحتجاجات المندلعة لأكثر من 5 أشهر ومستمرة، فضلًا عن رغبة حكام الملالي في الحصول على التكنولوجيا العسكرية الروسية المتفوقة في مجال القوات الجوية، وصفقات الطائرات المقاتلة المتطورة «سوخوي 35»؛ باعتبارها نقلة نوعية جوية.
بين توسيع التعاون مع روسيا ثم الصين.. هل تزيد طهران الفجوة مع واشنطن؟ أم أن المصالح ستطغى؟
في وجود نظام براجماتي ونفعي؛ كل شيء وارد، وقد يكون هناك تغيير في سياسات الدولة الإيرانية؛ بالميل مرة أخرى نحو اتجاه الغرب، ومصالحة الولايات المتحدة مثلًا «حال وصول رئيس إصلاحي إلى سدة الحكم»، لكن الأمر حاليًا يسير من جيد إلى أفضل، في ملف «توطيد العلاقات» بين روسيا وإيران والصين أيضًا.
هل تستغل الدول الغربية الرفض الداخلي لديها لـ«ممارسات القمع الإيراني ضد الاحتجاجات» في الملف النووي؟
يحاول الاتحاد الأوروبي وأمريكا، وضع إيران في الزاوية، وتوجيه اللكمات المؤثرة إليها، واستغلال حالة الثورة في الداخل، وغضب الشارع، وتطويع تلك الضغوط؛ بفرض العقوبات على الكيانات والقيادات لصالح «كروت اللعبة» في الملف النووي، وإذا عادت طهران إلى تقديم تنازلات في برنامجها النووي، والالتزام بنسب التخصيب الطبيعية؛ قد يكون هناك تفاهمات مشتركة، لا سيما في ظل حاجة أوروبا الماسة إلى النفط والغاز الإيراني على المدى البعيد، مع تراجع الاعتماد على الوقود الروسي بشكل كبير.
بعد «ضربة أصفهان».. ما هي سيناريوهات الصدام الإيراني الإسرائيلي؟
لن يكون الهجوم الأخير، وستظل حالة الصراع بين إيران وإسرائيل، متمسكة بما يطلق عليه «الحرب الرمادية»، فلن تشتبك إيران وإسرائيل بشكل قوي على الأرض، ويأتي هذا، في ظل «عقيدة الأخطبوط» الإسرائيلية، المتمثلة في «شل قدرات إيران العسكرية من آن لآخر، وضرب مصانع الصواريخ والمسيرات، ومحاولات استهداف المفاعلات ومنشآت البرنامج النووي وأجهزة الطرد، واغتيال العلماء» وغيرها من ممارسات إسرائيلية معتادة.
وإيران تدرك جيدًا «الثمن الفادح» الذي ستدفعه؛ حال الدخول في صراع مباشر مع إسرائيل، وتكتفي طهران بـ«حرب الشعارات الرنانة» أو «استهداف سفينة في أعالي البحار مملوكة لرجل أعمال إسرائيلي»، و«استهداف رجال أعمال إسرائيليين في قبرص أو تركيا» و«الهجمات السيبرانية»، وهذه ردود في مساحات آمنة.



