«العرب قادمون» السعودية والصين آفاق جديدة من التعاون والتقارب

نجاة عون // وابامز
“نؤكد للعالم أجمع أن العرب سوف يسابقون على التقدم والنهضة مرة أخرى، وسوف نثبت ذلك كل يوم”. بهذه الكلمات رسم الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء ملامح المرحلة المقبلة، جاء ذلك في ختام أعمال (قمة الرياض الخليجية الصينية للتعاون والتنمية) التي استضافتها العاصمة السعودية، الرياض.
ووقعت السعودية والصين اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة خلال زيارة رسمية يقوم بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى المملكة، شملت مجالات من بينها الطاقة والبنية التحتية، بقيمة حوالي 30 مليار دولار، حيث تُعد الصين شريكا مهما في أجندة “رؤية 2030″، والمشاركة في مشاريع طموحة عملاقة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن أنواع الوقود الأحفوري، بخلاف المشاركة في مبادرة الحزام والطريق الصينية.
شهدت العلاقات السعودية-الصينية خلال السنوات الأخيرة تطورًا غير مسبوق، شمل التعاوُن في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية، وقد أظهرت كل مِن السعودية والصين رغبات متبادلة في تعزيز العلاقات الثنائية؛ تجلَّت في اعتماد السعودية تدريس اللغة الصينية في بعض المدارس والجامعات الحكوميّة في سابقة عربية فريدة من نوعها، وفتح بنوك صينية في السعودية، وزيادة مؤشرات التبادُل التجاري بين كلا البلدين.[1]
نستعرض في هذه الدراسة المحطات التاريخية التي مرَّت بها العلاقات الصينية-السعودية، العلاقات الثقافية، التبادُل التجاري، النفط، التعاوُن الأمني والعسكري، العوامل التي أسهمت في تطوّر العلاقات بين البلدين، دوافع كلا البلدين للتعاوُن والتقارُب، والآفاق المستقبليّة للعلاقة بينهما.
العلاقات التاريخية بين الماضي والحاضر
تضرب العلاقات الصينية-السعودية في أعماق التاريخ، فقد تواصَل الصينيون والعرب منذ قرونٍ عدة. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وصل التجَّار والبحَّارة العرب إلى جنوب الصين، وازدهرت تجارة النسيج والصمغ والبخور والأواني الخزفية بين الجانبين، حيث كان البحَّارة العرب يُهيمنون على مثلث التجارة في بحر العرب بين الخليج وجنوب الجزيرة العربية وشرق إفريقيا مِن جهة، وبين السواحل الغربية لدولة الهند مِن جهة أخرى.
وتُشير بعض الدلائل التاريخية عن زيارات بعض التجّار والبحّارة الصينيين إلى موانئ الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، والموانئ الجنوبية للجزيرة العربية. ولعلَّ مِن أشهر هذه الرحلات، الرحلة التي قام بها البحّارة الصيني المُسلم “زنج هي” في عدة رحلات بحرية، خلال حُكم أسرة منج عام 1405م، إلى 37 بلدًا في سواحل جزيرة العرب وإفريقيا وجنوب آسيا، حيث زار كذلك سواحل مكة المكرمة والخليج العربي.
مِن خلال هذا التداخل التجاري والحضاري بين الجانبين، تعرّف جزء مِن الشعب الصيني على الحضارة الإسلامية والثقافة العربية. وهكذا كانت التجارة الإقليمية تحمل طابعًا حضاريًّا وثقافيًّا، أثّر في تاريخ الشعبين الصيني والعربي، وترك بصمات عميقة على حياة الناس وذاكرتهم الاجتماعية وثقافتهم.[2]

وفي العصر الحديث، نجد أنه بالرغم مِن أن البلدين وقَّعا أوّل معاهدة صداقة في 15 نوفمبر 1946 في مدينة جدة بالسعودية فإن البدايات الفعلية للعلاقات الرسمية الكاملة بين الدولتين تأخرت حتى عام 1990.
فمنذ بداية التسعينيات حتَّى عام 1998، شهدت العلاقات بين البلدين تطوُّرًا ملحوظًا، تلخص في 16 زيارةً واتفاقيات تعاون رفيعة المستوى في مختلف المجالات.[3]
هنا نذكُر أنه في أبريل 1993، فتحت الصين قنصلية في مدينة جدة بالسعودية. وفي أبريل 1998، وافقت الصين على أن تفتح السعودية قنصلية عامة في مدينة هونغ كونغ.[4]
ومنذ نهاية التسعينيات حتى الوقت الحاضر، تسارَعت وتيرة اللقاءات والاجتماعات الثنائية بين البلدين، ففي مارس 2017، زار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الصين في زيارة رسمية، وتم توقيع اتفاقيات تجاوزت قيمتها 65 مليار دولار، مِن بينها إنشاء مصنع صيني للطائرات العسكرية من دون طيار في السعودية.
وفي فبراير 2019، زار ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الصين كمحطة ثالثة في جولته التي شملت الهند وباكستان، تم خلالها توقيع العديد من الاتفاقيات، وكانت تلك هي الزيارة الأولى لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلى الصين عام 2016، وقَّع خلالها اتفاقية مع نائب رئيس الوزراء الصيني لإنشاء لجنة مشتركة سعودية صينية، وتم الاتفاق أيضًا على محضر أعمال الدورة الأولى لهذه اللجنة.
العلاقات الثقافيّة
تتَّسم العلاقات الثقافية بين السعودية والصين بعمق العلاقات بين البلدين وجذورها التاريخية الممتدّة لأكثر مِن ألفَي عام، وهذه العلاقات بين الحضارتين العربية والصينية قائمةٌ منذ فجر التاريخ عبر طريق الحرير، وأنتجت مراكز للإشعاع الثقافي.
هناك تعاون على مُستوى الجانب الحضاري والثقافي، للانطلاق لآفاق أوسع، وهو ما تمثّله رؤية المملكة 2030، خاصةً أن السعودية تمثل العمق العربي والإسلامي، فقد قدَّمت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة لجامعة شنغهاي وجامعة بكين 4 مكتبات مُتخصّصة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتواصلتا لدعم اللغة العربية.
وتمت الموافقة على مشاريع ومذكرات تفاهم بين الجامعات الصينية والمكتبة، ثم تُوِّجت بافتتاح فرعٍ للمكتبة بجامعة بكين لتعميق المقوّمات الإنسانية والشراكة الثقافية بين البلدين، وضمَّت مركزًا للمخطوطات، ومركزًا للدراسات العربية، و3 ملايين كتاب، وسعت إلى تأسيس فعاليات ثقافية مشتركة بين البلدين.[5]
علاوةً على ما سبق، بدأت بالفعل وزارة التعليم والتعليم العالي السعودية بفتح المجال أمام الطلبة الدارسين لتلقّي دراستهم الجامعية والعليا في الجامعات الصينية.
التبادُل التجاري
تسعى السعودية والصين إلى تعميق التعاون الاقتصادي بينهما عبر نقاط الالتقاء بين “رؤية السعودية 2030” ومبادرة “الحزام والطريق” الصينية، التي تُحيي طريق الحرير، حيث تستفيد السعودية من موقعها الاستراتيجي لوصل قارة آسيا بإفريقيا.
وفي ضوء ما سبق، تم تدشين أول مشروعات التعاون السعودي-الصيني في مبادرة “الحزام والطريق” عام 2019، وهو مشروع مصنع شركة “بان آسيا” الصينية للصناعات الأساسية والتحويلية في مدينة جازان جنوب غربي السعودية، وهو باكورة الاستثمار الصيني في هذه المنطقة على وجه التحديد، باستثمار قيمته 1.15 مليار دولار في مرحلته الأولى.[6]
هنا لا بد من ذِكر بعض البيانات الرقميّة التي توضِّح مدى عُمق العلاقات الاقتصاديَّة بين البلدين، والتي تنمو بوتيرةٍ متسارعةٍ للغاية:
– بلغت القيمة الإجمالية للمشاريع المُتعاقد عليها التي أنجزتها الشركات الصينية في المملكة، خلال الفترة ما بين 2014 و2019، نحو 40 مليار دولار، ويمثل هذا المبلغ ضعف القيمة المقابلة للفترة ما بين الأعوام من 2008 و2013.
– قفز التبادل التجاري بين الصين والسعودية من 3 مليارات دولار عام 2000، إلى 67 مليار دولار عام 2020، أي أنه تضاعف أكثر من 22 مرةً خلال عقدين.
– سجّلت التجارة البينية السعودية-الصينية قفزةً كبيرةً خلال عام 2018، إذ ارتفعت بنسبة 32%، لتبلغ نحو 230.3 مليارات ريال مقابل 174.3 مليارات ريال في 2017، لتكون الصين بذلك أهم شريك تجاري للمملكة منذ عام 2018.[7]

– في عام 2021، استحوذت السعودية على 26.3% من التجارة الخارجية للصين مع الدول العربية، والتي بلغت أكثر من 332 مليار دولار خلال العام، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية نحو 87.3 مليارات دولار بزيادة قدرها 30 في المائة عن عام 2020. كما كانت السعودية أكبر مصدر للنفط إلى الصين خلال 2021، إذ زادت حصة المملكة إلى 17% من إجمالي الواردات الصينية.[8]
يؤكد ما سبق حالة النمو والازدهار التي تشهدها العلاقات الصينية السعودية، لا سيما بعد مضاعفة التبادل التجاري بين البلدين.[9]
العوامل التي أسهمت في تطوُّر العلاقات
أولًا: هناك إرادة سياسية قوية لدى الجانبين لدفع العلاقات نحو مستويات أعلى، وقد برز ذلك جليًّا خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني إلى السعودية.
ثانيًا: بالرغم من زيادة المنافسة في أسواق الطاقة العالمية، تبقى منطقة الخليج ذات مكانة استراتيجية بالنسبة إلى الصين، خاصة فيما يتعلق بالنفط، فمِن المتوقع أن تنمو واردات بكين من المنطقة على مدى العقدين المقبلين. الأمر الذي من شأنه تعزيز العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل توجّه المملكة لتطوير الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على استهلاك الوقود الأحفوري، وهو ما يمنح الشركات الصينية فرصًا جيدة في قطاعات؛ مثل الطاقة النووية والطاقة الشمسية.[10]
ثالثًا: أسهمت الاستثمارات المشتركة بين الرياض وبكين في تعميق التعاون والعلاقات بينهما، فالسعودية بها 62 شركة صينية مُسجّلة، يعمل بها 22 ألف فرد، منهم نحو 16 ألف صيني، ويجري العمل بالمملكة في أكثر من مائة مشروع صيني-سعودي مشترك باستثمارات تزيد على 7 مليارات دولار أمريكي.[11]
دوافع البلدين للتعاوُن والتقارب
أولًا: الدوافع السعوديَّة
في تلك الزاوية يقول أبوبكر الديب، رئيس منتدى تطوير الفكر العربي للدراسات، والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي: إن احتضان السعودية لثلاث قمم مع الصين يأتي في ضوء تحول الرياض الي عاصمة للاقتصاد والسياسية بفضل عدة عوامل أبرزها الإرادة السياسية حيث يحرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، علي وضع المملكة في مكانها الطبيعي الريادي في العالم، فضلا عن نجاح رؤية 2030 .
ويُضيف الديب خلال تصريحاته أن الانفتاح السعودي على الصين استثناءً، وإنما هو تعبير عن استراتيجية تبنّتها المملكة تهدف إلى تنويع الحلفاء، والتوجُّه شرقًا باتجاه الصين والهند وروسيا، لكن الأولى أخذت النصيب الأكبر؛ نظرًا للإمكانيّات والمكانة التي تتمتّع بها، بوصفها إحدى الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن، والقوّة الاقتصادية الثانية في العالَم.
ثانيًا: الدَّوافع الصينيَّة
تنظر الصِّين إلى المملكة العربية السعودية على أنَّها دولة مركزية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وسيُضفي التعاوُن معها مشروعية على سياسة الصين الخارجية مع الدول العربية والإسلامية، ويعزّز مكانتها الدولية في علاقاتها وثقلها في موازين القوى الدولية.
مِن جهةٍ أُخرى، وفي صراعها مع أمريكا، وما يستلزمه مشروعها الاستراتيجي (طريق الحرير) مِن تعزيز وجودها في المنطقة العربية مُستقبلًا، وبحُكم الموقع الجغرافي والإمكانيات المادية للمملكة العربية السعودية فإنّ الصين تحرص على منح المملكة العربية السعودية اهتمامًا خاصًّا في استراتيجيتها.
المصادر
[1] السعودية والصين.. حدود الشراكة وآفاقها، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، تاريخ النشر 13 فبراير 2020، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3XDUB3w.
[2] العلاقات السعودية-الصينية، موقع الملحقية الثقافية في الصين، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3F5fKfN.
[3] السعودية والصين.. علاقات متجذِّرة ومصالح كبرى، موقع الشرق، تاريخ النشر 29 مايو 2022، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3F8rIWh.
[4] حسين إسماعيل، مرحلة جديدة في العلاقات الصينية-السعودية، موقع chinatoday، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3ONkMRt.
[5] عبدالرحمن بن ناحي الأيداء، استراتيجية العلاقات السعودية-الصينية، صحيفة “سبق” الإلكترونية، تاريخ النشر 31 أغسطس 2022، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3F7taZ1.
[6] نفس المرجع (4).
[7] نفس المرجع (1).
[8] أمريكا.. كيف ترى تنامي العلاقات السعودية-الصينية؟ موقع “الغد”، تاريخ النشر 24 سبتمبر 2022، تاريخ الاطلاع 26 نوفمبر 2022، http://bit.ly/3Udl4SC.
[9] نفس المرجع السابق.
[10] نفس المرجع (23).
[11] نفس المرجع (5).



