حوار خاص: حيادية الإعلام بين الأسطورة والتوازن

هدير عادل – وابامز
يتعلم دارسو الإعلام على مدار الأعوام التي يمضونها بالجامعة، أهمية وعمق الدور الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الوعي والمجتمعات، وضرورة أن تحرص المؤسسات كافة على تقديم المعلومات للجمهور بمنتهى الصدق والشفافية.
لكن في الوقت نفسه يتعلمون تحليل الخطاب الإعلامي وكيفية اتباع كل وسيلة إعلامية وصحيفة اتجاهاً مختلفاً عن الأخرى، قد يكون مؤيداً أو معارضاً للدولة -على سبيل المثال لا الحصر- الأمر الذي يجعل المادة المقدمة تبدو وكأنها مجتزأة، بنقلها وجهة نظر واحدة.
مركز “الوشم الأوسط” لدراسات السياسة والإعلام تحدث مع أحد الأساتذة المتخصصين في الصحافة والإعلام بالولايات المتحدة بشأن مدى حيادية الإعلام، وما تحتاجه تلك المؤسسات لتتم دورها على أكمل وجه بما يجعل المنفعة مشتركة.
وأخبرنا الدكتور كريم الدمنهوري، أستاذ الصحافة والإعلام الدولي بجامعة دنفر الأمريكية، بأن الحياد في التغطية الإعلامية “أسطورة”، وأن ما نبحث عنه ونسعى له هو الرسالة المتوازنة.
وقال الدمنهوري: إن “فكرة الحياد أو الحيادية المطلقة أسطورة، وغير موجودة ويستحيل وجودها؛ لأن أي شخص في العالم، سواء كان صحفيًّا أو مذيعاً، أو غيره، تؤثر نشأته وخلفيته وتعليمه على رؤيته”.
وأضاف أن “ذلك بدوره ينعكس على كيفية اختياره لعنوان القصة التي يعمل عليها، أو التي ستتناولها تغطية اليوم من عدمها، ناهيك عن تأثيرها على تقييم الشخص لأهم الأخبار الموجودة بجدول الأعمال، ومن ثم أعتبر الحياد أسطورة لا يمكن أن تتحقق ولم تتحقق من قبل”.
وأكد أن “ما نبحث عنه ونسعى إليه هو فكرة التوازن، من خلال عرض الرأي والرأي الآخر”.
أما فيما يتعلق بتوجيه الاتهامات لوسائل الإعلام الأجنبية تحديداً بتبنيها وجهة نظر معينة بقضايا الوطن العربي، فأوضح الدمنهوري أن هذا يرجع للأخذ في الاعتبار السياسات الخارجية لتلك دول.
وقال: “إذا تحدثنا عن فرنسا، على سبيل المثال، فننظر إلى (فرانس فان كاتر) المعروفة بــ(فرانس 24)، أو إذا نظرنا لأمريكا فهناك (فويس أوف أمريكا) أو حتى القنوات الربحية، مثل: (فوكس) أو (MSNBC) أو (CNN)، فنحن ننظر إليها لأننا نقارن وجهة النظر الخاصة بهم فيما يتعلق بسياستهم الخارجية”.
ورأى أنه في النهاية تقوم وسائل الإعلام العربية بالشيء نفسه، قائلًا: “هل مثلاً الجزيرة أو قناة العربية تتبنى وجهة نظر أمريكا عند تغطية قضايا العالم العربي؟ لا، بالتالي فإن الأمر ينطبق على الجانبين”.
لكن من وجهة نظره لا يعني هذا بالضرورة أن الحكومات متحكمة في القنوات، وما يعرض أو لا يعرض، بالرغم أن هذا “في بعض الأحيان موجود في العالم كله، لكن في أحيان أخرى يكون للنشأة أو الخلفية دور، كما ذكرت مسبقًا”.
وضرب الدمنهوري مثالًا على تأثير الخلفية في تناول القضايا، قائلًا: “على سبيل المثال، إذا كنتُ شخصاً مولوداً في روسيا، وأمضيت حياتي كلها هناك، بالتأكيد سيؤثر ذلك على رؤيتي، على عكس شخص آخر مولود في نيويورك وعاش حياته كلها هناك، فبالتأكيد سيكون هناك اختلاف في رؤيتهما للأمور، وهو ما سينعكس بدوره على تغطيتهما للقضايا، والمقالات التي يكتبانها، والنهج الذي يسيران عليه”.
وفي إجابته عن السؤال المتعلق بتأثير الاتجاه العام للدولة على تناول وسائل الإعلام للقضايا المختلفة، قال: إن الاتجاه العام للدولة بالتأكيد يكون له تأثير، لكن يختلف حجم هذا التأثير من دولة لدولة، ومن وسيلة لأخرى.
وأضاف: “في أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهر ما يشبه الإطار النظري لتقييم النظام الإعلامي في بعض الدول، وبدأ بتقييم النظام الإعلامي في الصين وأمريكا والاتحاد السوفيتي وقتها وبريطانيا، وكانت هناك اختلافات؛ فكان هناك النظام السلطوي، والشيوعي، والنظام ذو الطابع الليبرالي، وبمرور الوقت تطور هذا الإطار وتناولته آلاف من الأبحاث”.
وأشار إلى أنه على حسب السياق والخريطة السياسية للدولة واتجاهاتها، وعلى حسب مساحة حرية الإعلام والتعبير في الدولة، وحينها يكون هناك اختلاف على حسب حجم تأثير الدولة على الوسيلة الإعلامية وتغطيتها للأحداث المحلية والدولية.
وانتهى الدمنهوري -هو نفسه- من العمل على بحث من المنتظر أن ينشر قريباً يقارن فيه الفارق في التغطية البصرية عبر “أنستقرام” بين وكالة “شينخوا” التابعة للحكومة الصينية، و”فويس أوف أمريكا” الممولة من وزارة الخارجية الأمريكية لجائحة “كوفيد-19”.
وخلال بحثه، توصل إلى وجود اختلاف شاسع بين الوسيلتين؛ فمن جانب “شينخوا”، “يدور كل شيء في فلك الصين”، المشاكل الموجودة خارجها، بدون تناول الموجودة بالداخل، وهذا من خلال تحليله لآلاف الصور من جانبهم.
وعلى الجانب الآخر، كانت “فويس أوف أمريكا” تنشر صوراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو الرئيس الصيني شي شين بينج، أو حتى الرئيس الإيراني حسن روحاني آنذاك، وكان الحديث يدور في السياق الإيجابي.
وقال الدمنهوري: “هذا يوضح وجود فارق في التغطية، فلا يمكن تقريباً أن تضع شينخوا صورة لزعيم آخر وتتحدث عن مساعداته أو إسهاماته في إنقاذ العالم من الجائحة، بينما في المقابل كانت فويس أوف أمريكا تفعل ذلك”.
أما عن رأيه فيما تحتاجه وسائل الإعلام كي تتم دورها على الوجه المطلوب وتحقيق المنفعة لجميع الأطراف، فقال: إن العالم أجمع يحاول الوصول لصيغة أو معادلة تحقق استدامة المؤسسات الصحفية والإعلامية، وفي الوقت نفسه تحقق الأهداف المرجوة من الصحافة؛ وهي إخبار المتلقي بكل ما يدور حوله ويهمه بشكل مبسط ومتوازن، بما يصقل وعي كل فرد بالمجتمع.
وأشار إلى أن تحقيق المنفعة لصاحب المؤسسة لا يشترط أن تكون ربحية، ففي حين هناك أماكن تستهدف الربح هناك أخرى تسعى لنشر وجهة نظر كيان معين: قد يكون حزباً سياسيًّا أو دولة أو غيره.
ولفت إلى وجود مؤسسات بدأت جهود إنقاذ مجتمعات تعاني نقصاً في وسائل الإعلام والصحف، كما أصبح هناك وجود للمؤسسات الإعلامية أو الجرائد غير الهادفة للربح، وأحياناً يكون الجمهور أو الصحفيون أنفسهم لهم أسهم بالمكان، أو حتى أحياناً يكون هناك تمويل مقدم من جهات تريد إنقاذ الصحافة.
أما بالنسبة للجمهور، وهو الطرف الأهم، فقال: إن “الدراسة بالتأكيد تصقل المهارات، وفكرة تحضير الطلاب للعمل بهذا المجال مهمة للغاية؛ لأن الكلمة أمانة، التقرير الإخباري أمانة، كل دقيقة ببرنامج معين يصل لآلاف المشاهدين وحتى الملايين، كل هذا أمانة، وهنا تأتي فكرة التوازن، ومحاولة السعي وراء الخبر، وعدم الاستكانة لفكرة نقل خبر جاهز من وكالة ما، ويكون هناك وجود للشخص على الأرض، وتفاعله مع المصادر وتسليطه الضوء على الأخبار المهمة”.



