إيران في عهد مجتبى خامنئي: انحسار الأيديولوجيا وصعود “دولة المصالح”

تقدير موقف – عبدالله ناصر العتيبي
أولاً: تمهيد وسياق الحدث
يمثل إعلان مجلس خبراء القيادة انتخاب “مجتبى خامنئي” مرشداً أعلى خلفاً لوالده لحظة فارقة في تاريخ إيران الخمينية. هذا الانتقال يؤرخ لتحول بنيوي، حيث ينتقل المنصب للمرة الأولى إلى “الجيل الثاني”، وضمن سياق يتسم بملامح التوريث السياسي، ما يضع النظام أمام اختبار الحفاظ على شرعيته في ظل غياب الكاريزما الثورية المؤسِسة.
ثانياً: بنية المصالح وشبكات النفوذ العميقة
على مدار ثلاثة عقود من حكم المرشد الأب، تبلورت داخل الدولة الإيرانية “مافيات” سياسية واقتصادية معقدة أصبحت بمرور السنوات هي البنية التحتية للنظام، مثل منظمات وكيانات الحرس الثوري، وكذلك المؤسسات المالية التابعة للمرشد “البنياد”.
وهذا ما يفسر سرعة وسلاسة تسليم السلطة لمجتبى والتي تعكس “اتفاق ضرورة” بين النخب العسكرية والمالية، تهدف بالدرجة الأولى إلى ضمان عدم اهتزاز هذه التوازنات أو فتح باب الصراع على الحصص والنفوذ.
ثالثاً: من “الشرعية الثورية” إلى “شرعية الاستمرار”
نحن أمام انزياح جوهري في مفهوم السلطة بإيران:
1- الجيل المؤسس (المرشد الأب): كانت شرعيته مستمدة من “النضال” والصدام المباشر قبل عام 1979.
2- الجيل الثاني (المرشد الإبن): تستند شرعيته إلى “الاستمرارية المؤسسية” وحماية المكتسبات.
هذا التحول يعني انتقال إيران من “دولة الثورة” التي تسعى لتغيير العالم، إلى “دولة المحافظة” التي تسعى جاهدة لحماية كينونتها الداخلية.
رابعاً: المقاربة السورية “نموذج الملكهورية”
يكرر السيناريو الإيراني تجربة انتقال السلطة في سوريا عام 2000. فكما كان صعود بشار الأسد تلبيةً لرغبة الحرس القديم في الحفاظ على شبكة المصالح العائلية والطائفية، يأتي “مجتبى خامنئي” كضمانة لاستمرار المنظومة التي تشكلت في عهد والده، ما يحول النظام من “جمهور ثوري” إلى نسق سياسي مغلق.
خامساً: تداعيات المشهد العسكري والإقليمي
تتزامن هذه التحولات مع إرهاصات الحرب الحالية في المنطقة. وتشير المعطيات إلى أن الحرب قد تتجه نحو التهدئة لسببين:
– البراغماتية الإيرانية: رغبة القيادة الجديدة في الانكفاء نحو الداخل لتثبيت أركان الحكم وحماية المكتسبات الاقتصادية من الاستنزاف.
– التململ الأمريكي: الميل التاريخي لواشنطن لتجنب “الحروب الأبدية”، ما قد يفتح نافذة لصفقات تضمن استقرار النظام الجديد مقابل تهدئة الساحات الخارجية.
سادساً: انحسار الزخم الثوري العابر للحدود
لطالما كانت الأيديولوجيا هي “القوة الناعمة” والخشنة لإيران في أذرعها الإقليمية. ومع صعود نخب الجيل الثاني الأكثر انشغالاً بالإدارة والمال، من المتوقع أن يشهد الزخم الثوري تراجعاً تدريجيًا. الأولوية الآن هي لـ “إدارة الأزمات” لا لـ “تصدير الثورات”.
سابعاً: معضلة الشرعية والتحدي الشعبي
يواجه المرشد الجديد مأزقاً أخلاقياً وسياسياً؛ فالثورة التي قامت لإسقاط “العرش الطاووسي” بتهمة التوريث والاستبداد، تجد نفسها اليوم تعيد إنتاج ذات النموذج. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع قد يؤدي إلى:
– اتساع الفجوة بين القاعدة الشعبية والنظام.
– تآكل الرصيد الرمزي لمنصب “الولي الفقيه”.
ثامناً: السيناريوهات المستقبلية
1- الاستقرار البارد: نجاح النظام في فرض التوريث مع الانكفاء نحو “الواقعية السياسية” وتقليص المغامرات الخارجية.
2- التآكل الهيكلي: تحول النظام إلى “دولة شبه مدنية” تديرها نخب عسكرية، ما يفقدها بريقها العقائدي وتأثيرها الإقليمي.
3. الانفجار الاجتماعي: صدام حتمي بين جيل إيراني شاب يرفض “حكم الأبناء” وبين سلطة تحاول حماية ثرواتها بقوة السلاح.
الخلاصة
إيران اليوم تدخل مرحلة “ما بعد الثورة”. لقد انتهت الفكرة كحركة تعبويّة، وبقي “الثوار” كطبقة أوليغارشية حاكمة. مجتبى خامنئي هو مرشد “الضرورة” لنخبة تخشى الزوال، ما يجعل بقاء النظام مرهوناً بقدرته على القمع أو المساومة، لا على الإقناع الثوري.



