من سوق عكاظ إلى وادي السيليكون العربي.. الرياض تُعيد اختراع اقتصادها الريادي

لم تتحول الرياض إلى مركز ناشئ للشركات الريادية بين ليلة وضحاها، بل إن هذا التحول هو نتيجة مسار تاريخي طويل من التكيف وإعادة الاختراع. لفهم سبب تنامي جاذبية السعودية، والرياض تحديدًا، لرواد الأعمال والمستثمرين العالميين، لا بد من العودة إلى الجذور، حيث كانت الجزيرة العربية شبكة من طرق التجارة والأسواق الموسمية التي جمعت بين الاقتصاد وتبادل المعرفة.
قبل قيام الدولة الحديثة، شكّلت أسواق مثل سوق عكاظ فضاءات للتجارة والشعر والحوار، أي منصات مبكرة لحل المشكلات وتبادل الأفكار. ومع توحيد المملكة عام 1932، دخلت السعودية مرحلة جديدة ارتكزت على مورد واحد هو النفط، خاصة بعد اكتشافه تجاريًا عام 1938. في تلك المرحلة، أصبحت الثروة تُبنى على الاستخراج والتصدير، لا على الابتكار أو إنتاج الأفكار.
رؤية السعودية 2030
إن هذا النموذج، مع دخول القرن الحادي والعشرين، بدأ يكشف عن هشاشته. فالاقتصادات المعتمدة على سلعة واحدة تفتقر إلى المرونة والقدرة على التكيّف. وهنا جاء إدراك القيادة السعودية بأن الاستمرار في هذا المسار يعني الركود على المدى الطويل. من هذا الوعي وُلدت رؤية السعودية 2030، باعتبارها محاولة واعية لإعادة هندسة الاقتصاد والمجتمع معًا.
لم تكن الرؤية مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعًا ثقافيًا واجتماعيًا يعيد تعريف مفهوم المخاطرة، والإبداع، والعمل الحر. ففتح قطاعات الفنون والموسيقى والترفيه لم يكن خطوة تجميلية، بل جزءًا من إعادة تشكيل العقلية المجتمعية باتجاه التجريب والابتكار.
هوية تاريخية
في هذا السياق، بدأت الرياض في استعادة تقليد فكري أعمق. فالجزيرة العربية لم تكن يومًا هامشًا معرفيًا؛ بل كانت جزءًا من منظومة علمية أنتجت الجبر، والبصريات، والفلك، وأسهمت في نهضة أوروبا. استدعاء هذا الإرث يمنح مشروع الابتكار السعودي شرعية ثقافية، ويُخرج الابتكار من كونه “استيرادًا غربيًا” إلى كونه امتدادًا لهوية تاريخية.
اليوم، تبدو الرياض وكأنها تنفجر رياديًا. وفق تقرير الأنظمة الريادية العالمي 2025، قفزت العاصمة السعودية 60 مركزًا لتصل إلى المرتبة 23 عالميًا، والثالثة إقليميًا من حيث التمويل. أكثر من 2.6 مليار دولار من رأس المال الجريء تدفقت إلى الشركات الناشئة السعودية منذ 2018، وكانت الرياض القلب النابض لهذا النشاط.
ما يميز التجربة السعودية هو تزامن ثلاثة عناصر نادرًا ما تلتقي: رأس المال، والسياسات التنظيمية، والطلب السوقي. فقد استحوذت السعودية في 2023 على نحو نصف الاستثمارات الجريئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن كانت حصتها أقل من 15% قبل خمس سنوات فقط.
لكن رأس المال وحده لا يصنع منظومة. لذلك أنشأت الدولة مؤسسات مثل الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC) كصندوق لصناديق، وجادة التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، إضافة إلى أطر تنظيمية مثل “فنتك السعودية” والمناطق التنظيمية التجريبية. كما وفّرت بنية تحتية مادية مثل Digital City التي تجمع بين الشركات العالمية والمواهب المحلية.
التنوع التكنولوجي
الأهم أن السوق بدأ ينتج أمثلة محلية حقيقية. شركات مثل Humain في الذكاء الاصطناعي، وReachware في الأتمتة، وصناديق مثل Nama Ventures، كلها تشير إلى أن الابتكار لم يعد مجرد تدفق أموال، بل قدرة إنتاجية محلية.
إن رؤية السعودية 2030 جاءت كرد استراتيجي على معضلة واضحة: إما التنويع أو الركود. غير أن بناء منظومة شركات ناشئة لا يعتمد فقط على الأموال أو القوانين، بل على ديناميكيات ثقافية واجتماعية يصعب هندستها من الأعلى.
3 تحديات
حددت الحكومة السعودية ثلاث مشكلات رئيسية قبل التحول: ضعف تدفق الصفقات الجيدة، ارتفاع تكلفة البناء بسبب تفضيل الوظائف المريحة، وانتشار ما يُعرف بـ”مسرح الشركات الناشئة”. الاعتراف بهذه التحديات كان خطوة ناضجة، لكن حلها لا يزال قيد الاختبار.
اليوم، تتوافر في الرياض عناصر قد تحسدها عليها عواصم عالمية: سيولة سيادية ضخمة، تنظيمات مرنة، ملكية أجنبية كاملة، وسرعة في الترخيص. غير أن هذه القوة نفسها قد تكون نقطة ضعف. فالمنظومات التي تُبنى من الأعلى غالبًا ما تعاني في خلق ثقافة فشل صحي، ومخاطرة فردية، وتعلم تراكمي.
ثقة المستثمرين
إن التحدي الأكبر هو ما يُعرف بـ”الفجوة الوسطى”؛ نقص تمويل الجولات المتوسطة (Series A وB)، فالكثير من الشركات السعودية تنجح في التأسيس أو الجولات المتأخرة، لكنها تتعثر في مرحلة التوسع. هذه الفجوة لا تُحل بالمال فقط، بل بثقة المستثمرين الخاصين، وخروج الدولة التدريجي من دور الضامن.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل التقدم الحقيقي. فالسعودية لم تعد “حصانًا أسود” في عالم الابتكار، بل لاعبًا جديًا. الفرق أن السباق لم يعد في التمويل، بل في الاستدامة الثقافية.



