ما بعد “قيصر.. 5 إصلاحات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد السوري

في خطوة جديدة تمهد لرفع العقوبات الأميركية التي فرضت على سوريا منذ 2019 بذريعة معاقبة نظام الأسد على الانتهاكات الإنسانية، صوت في الساعات الأولى من صباح، الخميس، مجلس النواب الأميركي على الصيغة النهائية لمشروع قانون إدراج إلغاء قانون قيصر للعقوبات على سوريا ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للعام المالي 2026.
ولم يكن إلغاء عقوبات قيصر بالنسبة للسوريين مجرد حدث سياسي أو قانوني، بل لحظة اختبار فارقة لاقتصاد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والعقوبات وتراجع الإنتاج، واقتصاد آخر تشكل في الظل، بعيدًا عن الرقابة، عبر شبكات مالية موازية ووساطات وسوق سوداء وعمليات نقل غير رسمية للمال والسلع
فرصة سياسية لا تكفي وحدها
القرار الذي جاء بعد أن أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي مسبقًا حذف العقوبات من مشروع ميزانية الدفاع، في تصويت واسع قبل أيام ، رغم أهميته، لا يملك بحد ذاته القدرة على إنقاذ اقتصاد منهك، ما لم يترافق مع إصلاحات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية تمكن الدولة من التقاط هذه اللحظة وعدم هدرها كما حدث في دول أخرى خرجت من أزمات مشابهة.
تلك الخطوة من المقرر أن يتبعها خطوتين آخيرتين، ليبدأ عقبها إلغاء العقوبات مباشرة، حيث يجب أن يتم اعتماد مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني بشكل كامل من قبل الكونغرس (البيتين) بصيغته النهائية، بعد اجتماع لجنة المؤتمر بين مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وبعد ذلك، يوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القانون، ليدخل إلغاء قانون قيصر حيز التنفيذ رسميًا.
وكان يفرض “قيصر” عقوبات واسعة للغاية على الأطراف المرتبطة بالحكومة السورية وعملية إعادة الإعمار، بما يشمل حظر التعاملات التجارية والاستثمارية مع مؤسسات وشركات سورية، وعقوبات ثانوية تستهدف الشركات والدول التي تتعامل اقتصاديًا مع الحكومة السورية، وتجميد أصول أفراد وجماعات مرتبطة بنظام الأسد.
ويجمع الخبراء على أن رفع القيود يشكل فرصة، ، حيث يمهد الطريق لاستئناف التجارة والاستثمار الأجنبي في سوريا، لكنه لا يحمل ضمانة، وأن المساحة الزمنية التي تمنحها هذه العودة إلى الساحة الاقتصادية الدولية ستكون قصيرة ومليئة بالتحديات إذا لم تُستثمر سريعًا وبأدوات مؤسسية قوية.
اقتصاد موازٍ يبتلع الدولة
في هذا الصدد، يرى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية وتحليل السياسات العامة، أبو بكر الديب، أن المشكلة لا تكمن في العقوبات وحدها، بل في طبيعة الاقتصاد الذي تشكل حولها.
خلال سنوات القيود، لم يدخل الاقتصاد السوري في حالة سكون، بل أعاد ترتيب نفسه ضمن اقتصاد غير رسمي بات حجمه أكبر من الاقتصاد الحقيقي، معتمدًا على قنوات مالية بديلة، وشبكات من الوسطاء، وتحويلات تتم بمعزل عن النظام المصرفي، ما خلق اقتصادًا مزدوجًا يصعب ضبطه.
ويؤكد أن لذلك، فإن رفع العقوبات، من دون تفكيك هذا الاقتصاد الموازي، سيعيد تدوير الفوضى ذاتها على نطاق أكبر، بحيث تدخل الأموال عبر القنوات غير الرسمية وتخرج منها، من دون أن تُضخ فعليًا في عمليات إنتاجية أو مشاريع استثمارية قادرة على خلق قيمة مضافة أو فرص عمل.
ويحذر من أن بعض الدول التي خرجت من أنظمة عقوبات مشابهة، مثل إيران وفنزويلا والسودان، لم تستطع الانتقال إلى نمو مستدام لأنها عجزت عن إحداث إصلاحات مالية ومصرفية وهيكلية حقيقية، فشهدت موجات تضخم وفقدان للثقة وانهيارًا في سعر الصرف، رغم الانفراجات الدولية.
أزمة الثقة.. العائق الأكبر أمام الانتعاش
يشير الديب إلى أن الاقتصاد السوري معرض لاحتمال مماثل إذا بقيت القرارات الاقتصادية أسيرة الحلول السريعة وردود الفعل، بدل أن تتحول إلى جزء من رؤية اقتصادية عامة تعيد هيكلة القطاعات المنتجة وتضبط تدفق الأموال وتمنح السوق الثقة اللازمة.
ويعتبر أن حجر الأساس في أي إصلاح يبدأ من المصرف المركزي، الذي لا يمكن أن ينهض بدوره إذا بقي خاضعًا لهيمنة القرار السياسي، أو إذا استمرت سياسة طباعة العملة وتمويل العجز، وهو ما أدى خلال السنوات الأخيرة إلى انفجار غير مسبوق في الكتلة النقدية، وبالتالي ارتفاع الأسعار وانهيار القوة الشرائية.
ويرى أن على المصرف المركزي أن يستعيد استقلاليته التشغيلية، وأن يطلق سياسة نقدية واضحة تقوم على تعويم مدار حقيقي لسعر الصرف، وتوحيد السعر الرسمي والموازي تدريجيًا، وإعادة بناء أدوات السوق المفتوحة، وتطوير أنظمة الدفع والتحويل بما يسمح بإعادة الثقة بين المواطن والمصارف.
كما يشدد على ضرورة وضع حوافز حقيقية لجذب العملات الأجنبية إلى الداخل، عبر شهادات إيداع دولارية، وأدوات ادخارية بعوائد تنافسية، وآليات تسمح بشفافية كاملة في حركة رؤوس الأموال.
بيئة الأعمال.. أصل المشكلة وجوهر الحل
يضيف الديب، أن بيئة الأعمال في سوريا تعاني من هشاشة كبيرة، وأن المستثمرين، المحليين قبل الأجانب، لن يدخلوا في اقتصاد لا يقدم ضمانات قانونية واضحة، ولا يملك جهازًا قضائيًا قادرًا على الفصل السريع في النزاعات التجارية والمالية.
إصلاح منظومة تسجيل الشركات، وحماية الملكية الخاصة، وتبسيط التراخيص، وتفعيل المحاكم التجارية، ليست خطوات ثانوية بل عناصر حاسمة في بناء ثقة السوق.
ويؤكد أن الفساد الإداري لم يعد مجرد خلل، بل تحول إلى تكلفة مباشرة تُضاف إلى تكلفة الاستثمار، تجعل أي مشروع اقتصادي في سوريا أعلى تكلفة وأقل ربحية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى البحث عن أسواق أكثر استقرارًا وانفتاحًا.
ويعتبر أن إعادة تصميم منظومة الدعم باتت ضرورة لا يمكن تأجيلها، إذ تستهلك الدعم الحالي نسبة كبيرة من الإنفاق العام من دون أن يصل إلى مستحقيه، كما يخلق تشوهات واسعة في السوق ويزيد من فرص التهريب.



