مستقبل السودان السياسي.. هل ما زال السلام ممكنًا؟

بقلم: د. عبدالناصر سلم حامد

لم تنفجر الحرب في السودان فجأة، بل انفجر معها تاريخ دولة لم يكتمل يومًا. فالأزمة التي تفجرت في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن حدثًا عابرًا ولا صدامًا عسكريًا بين قوتين، بل لحظة انكشاف شامل لبنية سياسية هشة حملت بذور انهيارها منذ سنوات الاستقلال الأولى. الحرب لم تصنع الأزمة، بل كشفتها على حقيقتها: أزمة دولة تواجه تاريخها لا خصومها.

أزمة متجذرة

منذ 1956، لم يُبنَ السودان كدولة حديثة تمتلك مشروعًا جامعًا ومؤسسات قادرة على إدارة مجتمع متعدد ومتباعد جغرافيًا وثقافيًا. ورث السودانيون جهازًا إداريًا صنعه الاستعمار لإدارة الموارد لا لبناء دولة وطنية. ومع الزمن تضخم المركز وتهشمت الأطراف، وتكررت الانقلابات العسكرية التي أعادت توزيع السلطة داخل النخبة دون أن تعالج الخلل البنيوي: دولة قوية شكليًا، ضعيفة وظيفيًا، تقوم على موازنة القوى لا على قوة المؤسسات.

وتعددت مراكز السيادة شيئًا فشيئًا. فمع حروب الجنوب ودارفور، بدأت تظهر كيانات محلية ومسلحة تؤدي أدوار الدولة، وشرعيات بديلة تقوم على الحماية والانتماء، فيما تراجعت قوة الدولة على الأرض. وهكذا بدأ الانهيار التدريجي لاحتكار الدولة للعنف المشروع، وهو الشرط الأول لوجود الدولة الحديثة. وفي ظل هذا التفكك، لم تعد الدولة قادرة على فرض القانون، ولا على تمثيل الجميع، فازدادت الشرعية هشاشة وانكمشت الثقة..

سقوط الأقنعة

وحين وُقّعت اتفاقية جوبا عام 2020، لم تُطرح بوصفها مسعى لإعادة تأسيس الدولة، بل كاتفاق سياسي لتقاسم السلطة. تجاهلت الاتفاقية الأسئلة الكبرى: من يحتكر السلاح؟ كيف تعود الأطراف إلى مركز سياسي واحد؟ وكيف تُبنى دولة قادرة على إدارة الصراع بدلًا من أن تصبح طرفًا فيه؟ ولهذا لم تصمد الاتفاقية أمام أول اختبار، لأنها حاولت ترتيب فوق البنية بينما كانت البنية نفسها تتداعى.

ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكون لحظة سقوط الأقنعة. ففي ساعاتها الأولى، ظهر جليًا أن الدولة فقدت سيادتها على العاصمة، وأن الشرعية الرسمية لم تعد متطابقة مع السيطرة الفعلية على الأرض. إنها اللحظة التي يسميها الباحثون “انكشاف الدولة”: حين تسقط الرمزية وتبقى القوة. تفكك العقد الاجتماعي، وتولدت شرعيات جديدة على أساس القوة والحماية والانتماء المحلي، ما جعل الدولة طرفًا بين أطراف أخرى، لا مرجعًا أعلى يحكم الجميع.

وجاء سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 ليكون اللحظة المفصلية الأكثر دلالة في هذا المسار. فالفاشر لم تكن مجرد مدينة كبيرة، بل كانت آخر عقدة سيادية تربط الدولة بإقليم دارفور. سقوطها لم يغير فقط ميزان القوة، بل أعاد تعريف الدولة في وعي السودانيين: هل الدولة هي الأرض التي تسيطر عليها فعليًا، أم الشرعية التي تدّعيها؟ وهل يمكن لدولة تفقد مركزها الإقليمي الأخير أن تبقى دولة بالمعنى السياسي؟ لقد مثّل سقوط الفاشر إعلانًا غير مكتوب بأن مفهوم الدولة السودانية كما عرفه الناس منذ الاستقلال وصل إلى نقطة النهاية.

مصالح القوى الدولية والإقليمية

ويتعقد المشهد حين يوضع ضمن الجغرافيا السياسية المحيطة بالسودان . فالبلاد تقع عند نقطة التقاء ثلاثة أقاليم مضطربة: البحر الأحمر، والساحل والصحراء، والقرن الأفريقي. وفي هذه البيئات المتوترة تتقاطع مصالح القوى الدولية والإقليمية، حيث تشكل السودان ساحة مفتوحة للتنافس على الموارد والموانئ والطرق العابرة. ومع غياب الدولة المركزية القوية، أصبحت هذه التدخلات جزءًا من بنية الأزمة نفسها، مما زاد من صعوبة صياغة مسار سياسي مستقل.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو مبادرات الوساطة—سواء كانت إقليمية أو دولية—كأنها تعالج أزمة بين طرفين، بينما الحقيقة أنها تقف أمام أزمة دولة تتفكك. فلا اتفاق قادر على النجاح إذا كانت الأرض التي سيُطبق عليها الاتفاق نفسها ممزقة. ولا تسوية سياسية يمكن أن تصمد إذا كانت المؤسسات التي يجب أن تنفذها عاجزة أو غير موجودة. فالأزمة السودانية ليست مسألة تفاوض، بل مسألة إعادة تأسيس سياسي كامل.

وهنا يأتي السؤال الأكثر جوهرية: هل ما زال السلام ممكنًا؟

نعم، لكنه ليس سلامًا يولد من تسوية سياسية عابرة، ولا من هدنة تُفرض بالضغط الدولي، بل من دولة تُعاد صياغتها من الجذور. سلام يقوم على مؤسسات تمتلك سلطة واحدة موحدة، وعلى نظام قانوني قادر على فرض نفسه فوق الجميع، وعلى مركز سياسي يستطيع استيعاب الأطراف لا تهميشها. سلام لا يعيد إنتاج الأزمات، بل يعالج أسبابها الأولى.

نتيجة

يقف السودان اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن يستمر في الدوران داخل حلقة التفكك، أو يشرع في مشروع وطني جديد يعيد بناء الدولة من أساسها.

وهذا المشروع ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية. فالدولة ليست مجرد جهاز حكم، بل الإطار الذي يضمن بقاء المجتمع واستمرار الحياة المشتركة.

وحده هذا المشروع—مشروع إعادة التأسيس—هو ما يمكن أن يجعل السلام ممكنًا. فالسلام ليس وثيقة، بل فعل دولة.

المصدر: مركز أبحاث IGP

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى