انقسام داخل قاعدة ترامب الانتخابية.. صدعٌ يتّسع في جدار الجمهوريين

في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدارة عامه الأول من ولايته الثانية، تبدو صورته السياسية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في التجمعات الانتخابية الصاخبة؛ فبينما يحافظ ترامب على تماسك تحالفه الانتخابي في الظاهر، تكشف مجلة “بوليتيكو” الأمريكية عن تصدّعات متنامية داخل قاعدته الانتخابية التي أعادته إلى البيت الأبيض عام 2024.

رغم هيمنة خطاب “اجعلوا أمريكا عظيمةمجددًا”(ماغا)، يظهر أنّ جزءًا معتبرًا من ناخبيه لا يعرّف نفسه باعتباره تابعًا لحركة “ماغا”، ما يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه القاعدة وما إذا كانت قادرة على الصمود حتى انتخابات 2028.

ثغرات التحالف الانتخابي

تكشف بيانات الاستطلاع الذي أجرته مجلة بوليتيكو أن أكثر من ثلث الناخبين الذين صوتوا لترامب في 2024 لا يعتبرون أنفسهم جمهوريين منتمين إلى “ماغا”. وهذه النسبة ليست مجرد تفصيل إحصائي؛ إذ تُظهر توجهًا واضحًا يشير إلى وجود كتلة انتخابية صوتت لترامب دون أن تكون جزءًا من مشروعه السياسي أو هويته الأيديولوجية. كما تظهر النتائج أن هذه الكتلة أقل ولاءً للرئيس، وأكثر ميلًا إلى انتقاده، بل إن جزءًا منها بدأ بالفعل في تحميله مسؤولية تدهور الاقتصاد.

في المقابل، تبدو كتلة “ماغا” أكثر تماسكا وأشد دفاعًا عن ترامب، إذ تستمر في تبنّي روايته حول الاقتصاد والسلطة والمسؤولية. ويعكس هذا التباين وجود تحالف انتخابي هشّ ومبني على مصالح ظرفية أكثر منه على قناعة متجذّرة.

لوم مباشر للرئيس 

يشير الاستطلاع إلى أنّ الناخبين غير المنتمين لماغا يلقون باللوم على ترامب في الأداء الاقتصادي الحالي أكثر من أتباع الحركة. فبينما يرى 47٪ من جمهور ماغا أن الاقتصاد ما زال نتيجة سياسات بايدن، لا يتفق سوى 26٪ من غير المنتمين لماغا على هذا الرأي. ويُترجم ذلك إلى فجوة في إدراك الواقع الاقتصادي بين الفئتين.

ويتعدى الأمر حدود التقييم المالي إلى مسألة الثقة السياسية. فحين يتعلق الأمر بالحزب الأكثر قدرة على إدارة الاقتصاد، يدعم 88٪ من جمهور ماغا الحزب الجمهوري، مقابل 63٪ فقط من جمهور غير ماغا. أما البقية فتميل إلى عدم الوثوق بأي من الحزبين، وهو مؤشر على تململ خفي داخل الطبقة الجمهورية الأوسع.

ملف تكاليف المعيشة

تكاليف المعيشة، التي اعتبرها ترامب عامل القوة الذي أعاد انتخابه، تشكّل اليوم مصدر قلق أكبر لدى غير المنتمين لماغا. إذ عبّر 59٪ منهم عن قلق بالغ تجاه تكاليف الحياة، مقابل 48٪ من جمهور ماغا. ويكشف هذا الفرق أن الضغوط الاقتصادية اليومية تُترجم إلى هشاشة سياسية فعلية داخل التحالف الجمهوري.

كما أن تقييم الحالة المالية الشخصية يعكس الانقسام ذاته: 52٪ من أنصار ماغا يرون أن أوضاعهم تحسنت خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل 24٪ فقط من نظرائهم غير ماغا.

والأسوأ أن هذه الفئة باتت أقل تفاؤلًا بشأن المستقبل، ما يهدد تماسك الدعم السياسي للرئيس خلال العامين المقبلين.

فجوة التوقعات المستقبلية

من أبرز ما كشفته نتائج الاستطلاع هو الفارق العقائدي في النظرة للمستقبل. فـ73٪ من أنصار ماغا يتوقعون تحسّن وضعهم المالي في السنوات الخمس المقبلة، مقابل 57٪ فقط من غير ماغا. وتعكس هذه الفجوة اختلافًا عميقًا في العقلية، إذ يتعامل جمهور ماغا مع الواقع من خلال “مرآة ترامب” وروايته الشخصية، بينما يتعامل الآخرون من خلال تجربتهم المباشرة.

وتظهر بيانات أخرى أن 49٪ من مؤيدي ماغا يشعرون أنهم أفضل حالًا من المواطن الأمريكي العادي، مقابل 17٪ فقط من غير المنتمين للحركة. أما البقية فتبدو مترددة، وكأنها تعيش حالة من اللايقين السياسي والاقتصادي.

تحديات الجمهوريين قبل 2028

تشير بيانات الاستطلاع إلى أن تحالف 2024 بدأ يتفكك داخل الانتخابات الجزئية، حيث ظهرت تحولات ملموسة بين اللاتينيين والرجال الشباب لصالح الديمقراطيين. وعلى مستوى التصويت الأساسي، دعم 92٪ من جمهور ماغا المرشح الجمهوري في الاقتراع الافتراضي، بينما فعل ذلك 62٪ فقط من غير ماغا.

هذه المعطيات تؤكد أن الحزب الجمهوري يواجه مهمة عاجلة خلال السنوات الأربع المقبلة: تحويل ناخبي ترامب إلى جمهوريين ثابتين. فنجاح ترامب في بناء تحالف واسع في 2024 كان استثناءً لا قاعدة، وقد يكون من الصعب جدًا تكراره دون تغيير في الخطاب، والإستراتيجية، والسياسات الاقتصادية.

تحالف على خط الانقسام

تكشف نتائج “بوليتيكو” أن قاعدة ترامب ليست كتلة صلبة كما تبدو، وأنها مزيج من جمهور عقائدي شديد الولاء، وآخر براجماتي قابل للتحول. ومع اقتراب انتخابات 2028، يبدو أن التحدي الأكبر أمام الجمهوريين لن يكون الديمقراطيين بل الحفاظ على أصواتهم داخل البيت الواحد. فبين التفاؤل المفرط لدى أنصار ماغا، والتشاؤم المتصاعد لدى بقية الناخبين، يتجه التحالف نحو اختبار قد يعيد رسم خريطة اليمين الأمريكي بالكامل.

المصدر : صحيفة IGP

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى