مع التغيرات المناخية التي تشهدها مناطق القطب الشمالي، باتت هذه المنطقة التي كانت في السابق نائية ومنسية، تشكل نقطة صراع استراتيجية بين القوى الكبرى.
ففي فبراير الماضي، أطلقت القوات المسلحة الفنلندية نداء استغاثة طلبًا للمساعدة بعد حدوث “هجوم”، مما استدعى استجابة سريعة من القوات الأمريكية التي أرسلت جنودها من فرقتها القطبية الجديدة في ألاسكا. هذا السيناريو الذي تم تجسيده في تدريب عسكري لم يكن مجرد محاكاة، بل يمثل واقعًا مُحتملًا في عالم يتغير بسرعة. الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا والصين وأوروبا بدأت تستثمر بشكل متزايد في تطوير قدراتها العسكرية في القطب الشمالي استعدادًا لأي صراع قد ينشأ في هذه المنطقة الحساسة.
التنافس على القطب الشمالي
في فبراير الماضي أيضًا، أرسلت القوات المسلحة الفنلندية رسالة عاجلة مفادها: “نحن نتعرض لهجوم… نحتاج إلى المساعدة”. فورًا، استجابت الولايات المتحدة بإرسال مئات الجنود من فرقتها القطبية الجديدة، المتمركزة في فيربانكس، ألاسكا. حلقت طائراتهم فوق القطب الشمالي وهبطت في مطار روفانيمي شمال فنلندا، حيث شرع الجنود في نشر معداتهم العسكرية وسط غابات مكسوة بالثلوج.
وتشير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أنه رغم أن هذه الأحداث كانت جزءًا من تمرين عسكري، إلا أن السيناريو بات أكثر واقعية من أي وقت مضى. مع ذوبان الجليد في القطب، أصبحت المنطقة أكثر قابلية للوصول، وأكثر عرضة للتنافس بين القوى الكبرى مثل أمريكا وروسيا والصين وأوروبا، التي باتت كلها تستعد لسيناريو حرب شتوية.
أهمية القطب الشمالي
قال الجنرال الكندي روبرت ماكبرايد، أحد المشرفين على التمرين: “خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة فقط، تحولت أنظار الجيوش من الحرب على الإرهاب إلى تحديات جديدة، وعلى رأسها القطب الشمالي”. وأضاف: “أصبحت هذه المنطقة تحتل مركزًا استراتيجيًا متقدمًا”.
التدريب العسكري جاء في وقت مضطرب سياسيًا، خاصة مع ميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتقارب مع روسيا، وتزايد الحديث الأوروبي عن بناء قدرة دفاعية مستقلة، تحسبًا لأي انسحاب أمريكي.
مخاوف فنلندية
رغم التغيرات السياسية، ظلت النظرة إلى روسيا في فنلندا ثابتة، حيث تعتبرها عدوًا محتملًا دائمًا. ويعبر مسؤول الدفاع الفنلندي يانّي كوسويلا عن هذه النظرة بمثل شائع: “روسيا تأخذ كل ما لا يُثبّت بالمسامير”. وأكد المسؤولون الفنلنديون أنهم لا يشعرون بالقلق من مواقف ترامب طالما أن التعاون العسكري الأمريكي لا يزال قائمًا.
التعاون في التمرين كان وثيقًا؛ حيث أظهر الفنلنديون مهارات عالية في الهجوم المتنقل باستخدام الزلاجات، بينما ثبت الأمريكيون أسلحتهم على التلال الثلجية وحفروا مواقع دفاعية.
تحديات القتال
أشار العقيد الأمريكي كريستوفر براولي إلى أن القتال في القطب الشمالي يشبه العمل في الفضاء: “البيئة وحدها قادرة على قتلك، ولا أحد سيأتي لإنقاذك”. التحدي الأكبر هو البقاء جافًا، إذ أن البلل في درجات الحرارة المنخفضة قد يؤدي إلى تجمد الأطراف.
جندي فنلندي يُدعى جاكسون كريتس فيدمان، وهو نصف أمريكي، روى تجربته في اختبار قاسٍ: يجب على الجندي أن يغوص بثيابه كاملة في نهر جليدي ثم يخرج ويبدل ملابسه خلال دقيقتين فقط، قبل أن يبدأ جسمه بالتجمد.
جنود مدربون على الصقيع
فنلندا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 5.6 مليون نسمة، تحتفظ بالخدمة العسكرية الإلزامية نظرًا لقربها من روسيا، حيث تمتد حدودها المشتركة معها لمسافة 830 ميلاً، وهي الأطول في حلف الناتو.
مع خسائر روسيا في أوكرانيا، يُقدّر الخبراء الفنلنديون أن قدراتها العسكرية على الحدود الشمالية ستحتاج 5 إلى 10 سنوات للتعافي، رغم أنها قبل الحرب كانت تطور قوات قطبية خاصة ومركبات مصممة للبرد القارس.
الجيش الأمريكي يوسع قدراته القطبية
في عام 2022، خصصت الولايات المتحدة فرقة “الفرقة 11 المحمولة جوًا” كأول فرقة قطبية لها. تتخذ من ألاسكا قاعدة لها، وتجري تدريبات على استخدام الزلاجات القتالية وتجهيزات ميدانية جديدة.
خلال التمرين، عرض الجنود الأمريكيون مركبة مجنزرة جديدة قادرة على التسلق فوق المنحدرات المتجمدة. كما استخدموا وجبات ميدانية ذات سعرات حرارية مرتفعة لتوفير الطاقة اللازمة لمواجهة البرد القارس.
القطب في الصيف ليس أكثر سهولة
رغم أن الشتاء يبدو الأكثر تحديًا، إلا أن الصيف القطبي ليس أقل صعوبة. فالشمس لا تغيب أبدًا، مما يحيّد ميزة أجهزة الرؤية الليلية، كما تتحول الأرض إلى مساحات موحلة يستحيل التنقل فيها بسهولة.
لكن خلال التمرين، استغلت القوات المهاجمة الأنهار المتجمدة كطرق سريعة لعبور الوحدات، في مشهد يُظهر قدرة الجيوش على التكيف مع الظروف الفريدة للمسرح القطبي.
عندما سُئل الجنرال الفنلندي سامي-أنتي تاكاما عن مدى قلقه من سياسات ترامب، أجاب بهدوء: “لا يقلقني ذلك على الإطلاق. ما يهمني هو أن فرقة أمريكية محمولة جوًا جاءت من ألاسكا… وهذا ما يهم”.