شبح المجاعة يهدد 19 مليون شخص.. الأمن الغذائي في السودان ينهار

خاص // وابامز
تكبد الاقتصاد السوداني خسائر كبيرة جراء الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع بما لا يقل عن 15 مليار دولار جراء استمرار الصراع العسكري بالبلاد وتعليق اتفاق الحبوب بين روسيا وأوكرانيا دون التوصل لحل التمديد، ما يهدد بمعاناة ملايين الىسودانيين من فقر مدقع وأزمات جوع وانعدام الأمن الغذائي.
ويتمتع السودان بالعديد من الثروات الطبيعية والموارد الكبيرة التي أصبحت لا شيء، ورغم أن الزراعة تشكل أكبر قطاع اقتصادي في السودان٬ ويعيش حوالي 80 بالمئة من السكان في المناطق الريفية٬ ويشكل الرعاة والمزارعون حوالي 45 بالمئة بينما الصيادون يشكلون 12 بالمئة.
العديد من المنظمات الدولية حاولت مساعدة السودان على الخروج من الأزمة الطاحنة، وقبل أيام، بدأت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، في توزيع البذور على المزارعين في المناطق الرئيسة لضمان توفر الموارد اللازمة لتلبية احتياجات إنتاج الغذاء.
وقال هونقجي يانغ، ممثل الفاو في السودان، إن الهدف هو التغلب على التحديات الأمنية واللوجستية المعقدة لمواصلة الوصول إلى المزارعين في البلاد وتقديم هذه المساعدة الحساسة لهم.
فيما يعاني اقتصاد البلاد من أزمات وراء أزمات وحروب تليها حروب واندلاع صراعات طائفية وعرقية متعاقبة ساءت معها الأحوال المعيشية للمواطن، وساهم ذلك بانطلاق احتجاجات شعبية، إنه واقع مؤلم ومرير لشعب صاحب حضارة وثقافة عريقة.
سلة غذاء العالم العربي سابقًا
كان السودان يُعرف بـ”سلة غذاء العالم العربي” وسط اقتصاد يعتبر صغيرًا نسبيًا ويُقدر بأقل من 50 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، ويحتل المرتبة العاشرة بين أكبر الاقتصادات العربية؛ كما يتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة في المنطقة وخصوصًا لجانب الموارد بما فيها الذهب والفضة والحديد، أصبح اليوم يصارع الأزمات والمجاعات، حسب ما حذرت الأمم المتحدة.
فى تقرير لبرنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة جاء فيه إن 19 مليون شخص سيعانون الجوع وسوء التغذية خلال الأشهر القادمة فى السودان بسبب النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، لا سيما مع انتهاء الموسم الزراعي في أكتوبر المقبل.
وبسبب الصراع الجاري سينخفض إنتاج الغذاء في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بشكل كبير هذا العام، بعد أن كان السودان عاملًا مهمًا في زيادة الأمن الغذائي للعالم العربي بأكمله، ويهدد الصراع الاستثمار والإنتاج الزراعي في السودان، الذي يمتلك أراضي شاسعة صالحة للزراعة تمكنه من القيام بدور حيوي في دعم الأمن الغذائي المحلي والعربي.

فى بداية 2023 كان 16.8 مليون سودانى من إجمالى عدد السكان المقدر بـ45 مليون نسمة يعانون انعدامًا حادًا فى الأمن الغذائى بزيادة مليون شخص عن العام السابق.
وحذرت الأمم المتحدة من أن الولايات السودانية الأكثر تأثرًا ستكون غرب دارفور وكردفان والنيل الأزرق وولاية البحر الأحمر، وشمال دارفور.
وأشار التقرير إلى أنه فى مارس 2023 كانت 14.8 مليون أسرة سودانية أصبحت عاجزة عن شراء السلة الغذائية الأساسية معتبرًا أن ذلك إحصائية مقلقة بالفعل.
وعن تبعات استمرار النزاع؛ حذر الباحث الاقتصادي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار المصري، حسام عيد أبونعمة، من أنه فى حال استمر النزاع يمكن لسعر السلة أن يرتفع بنسبة 25 بالمئة فى الفترة ما بين ثلاثة وستة أشهر ما قد يرفع عدد الأسر غير القادرة على الحصول عليها إلى 18 مليون أسرة.

وقال حسام عيد أبونعمة، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط“، إن الاقتصاد السوداني يعاني من أزمات هيكلية خطيرة وسوء إدارة جعلته لا يستطيع إنتاج المواد الأساسية، وأصبحت أكثر من 30 بالمئة من المصانع السودانية خارج الخدمة ونسبة الفقر تتجاوز 80 بالمئة، وتتفاقم المشكلة بشكل أكبر في ظل الارتفاع المتواصل في معدلات البطالة والتضخم وانهيار العملة وتآكل الأجور وانعدام الخدمات بسبب الصراعات المسلحة.
أضاف الباحث بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار المصري أن الفساد وسوء إدارة الموارد وإهمال الإنتاج وغياب الخطط الحكومية السليمة وتغييب سلطة القانون وتحويل السودان وموارده لمصالح خاصة وإهمال القطاع الإنتاجي وغياب التنمية المتوازنة كلها عوامل تشي بأزمة غذاء متصاعدة.
وتتوقع الأمم المتحدة أن عدد الأشخاص الذين يعانون فقدانًا حادًا في الأمن الغذائي في السودان سيرتفع ما بين مليونين و2.5 مليون شخص، ما سيرفع العدد الإجمالي إلى 19 مليون إذا استمر النزاع الحالي، يأتي هذا فيما أفادت تقارير أن الصراع في السودان تسبب في تشريد نحو مليون شخص وأودى بحياة المئات.
خسائر الاقتصاد السوداني
تزيد الأزمة الحالية الأوضاع سوءًا؛ فالخسائر الاقتصادية في كافة القطاعات ستكون باهظة للغاية، وعابرة لحدود السودان أيضًا؛ حيث من المرجح تضرر نحو 17 دولة.
وترى وكالة موديز للتصنيف الائتمانى أن بوادر تبعات اقتصادية كبيرة على الدول المجاورة بدأت تلوح في الأفق فيما لو استمرت الحرب فترة طويلة؛ حيث توقعت تأثيرًا ائتمانيًّا سلبيًّا على الدول المجاورة.
خروج مطار الخرطوم من الخدمة أدى لحرمان البلاد من منفذ تجاري حيوي يسيطر على 5 بالمئة من إجمالي حجم التبادل التجاري وهناك فاقد 15 مليار دولار هي قيمة إجمالي واردات وصادرات السودان والتي هي شبه متوقفة وهناك 3 مليار دولار قيمة خسائر عائدات صادارت الذهب، والتي تسيطر على 50 بالمئة من إجمالي الصادرات السودانية.

الموقع الجيواستراتيجي الاقتصادي للسوادن لا يهم فقط العالم العربي باعتبار أنه مصدر أمن غذائي أو مصدر ثروات وخلافه، إنما يهم دول إفريقية عديدة.
وتصل قيمة الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بقطاعي الصناعة والمصارف بنحو 5 مليارات دولار؛ وسط توقعات بأن ترتفع الخسائر بشكل كبير إذا لم تتوقف الحرب الحالية، وخرجت أكثر من 900 منشأة تعمل في مجال الصناعات الغذائية والدوائية ومختلف المجالات الأخرى في العاصمة السودانية الخرطوم عن الخدمة تمامًا بعد التخريب الكبير الذي تعرضت له.
خيرات وفيرة.. وأوضاع قاسية
يعد السودان أغنى الدول العربية والإفريقية من حيث ثروته الزراعية والحيوانية والمعدنية، فضلًا عن أنه أكبر بلد في العالم إنتاجًا للصمغ العربي، ويوجد داخل مربع امتياز “أرياب” كميات خام من النحاس تقدر بنحو 1.3 مليون طن، والذهب 140 طنًا، إلى جانب آلاف الأطنان من الفضة و700 ألف طن من الزنك تقدر قيمتها بأكثر من 16 مليون دولار.
السودان صاحب الـ200 مليون فدان أراض زراعية خصبة و11 نهر جاري وسادس أكبر ثروة حيوانية بـ102 مليون رأس ماشية و400 مليار متر مكعب أمطار سنوية و105 أطنان ذهب إنتاج سنوي و1.4 مليون طن يورانيوم و6.8 مليار برميل نفط و85 مليار متر مكعب غاز و42 ألف طن إجمالي إنتاج الأسماك سنويًا وينتج 39 بالمئة من السمسم الأبيض في الإنتاج العالمي و23 بالمئة من السمسم الأحمر بات يعاني.

ويرى أبوبكر الديب الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، أن السودان ينزف والصراع يقترب من مرحلة اللاعودة والوضع الإنساني يزداد قسوةً مع استمرار الحرب بين طرفي النزاع في البلاد، وأن الأمم المتحدة والمنظمات المانحة تكافح لإيصال الإمدادات الغذائية للمتضررين.
وقال أبوبكر الديب في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط” إن الشركات والمصانع والمصارف وسلاسل الإمداد في العاصمة السودانية الخرطوم وغيرها تتعرض لعمليات نهب وتدمير واسعة وتضررت مصانع عملاقة لهم، استغرق تأسيسها عشرات السنين وصرفت عليها أموال ضخمة للغاية.
وأضاف أبوبكر الديب أنه من شأن تصاعد الحرب الحالية أن تدفع الناتج المحلي الإجمالي للتراجع، فضلًا عن تعطل عمل برنامج الغذاء العالمي، والإضرار بملايين السودانيين، بعد أن كانت توقعات صندوق النقد الدولي للنمو الاقتصادي تشير إلى نسبة 1.2 بالمئة وفي حال استمرار التصعيد المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع.
تزداد مخاوف مراقبين من رفض مؤسسات التمويل الدولية الإفراج عن أي مساعدات، فضلًا عن انهيار البنية التحتية للسودان، وشلل كافة المرافق وتوقف برامج الدعم الإنساني مع الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات مما يهدد بأزمة جوع كبيرة .
وتتزامن تلك المخاوف مع فرصة هروب أو خروج ما يفوق 3 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من البلاد خلال الأيام المقبلة وما لا يقل عن 20 مليار من دول جوار السودان حيث تسعى الاستثمارات إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي.

يعلو سقف المخاوف أكثر من تردي الأوضاع الإنسانية والغذائية في السودان لوجود عدد من الدول (الحبيسة) مغلقة اقتصاديًا وتجاريًا، ولا تمتلك موانئ أو منافذ بحرية وتعتمد على السودان عبر ميناء بورتسودان لتوفير احتياجاتها من الخارج، ويشكل لها السودان معبرًا للتجارة مع العالم الخارجي، مثل تشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا ودول أخرى.
خلاصة
باتت الآمال في السودان معلقة أكثر بأي بارقة أمل لإنهاء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لا سيما أن الجهود الدولية أغلبها يقوم على المساعدات وهي حلول وقتية وليست مستديمة للتعامل مع الأزمات والحروب.
يبقى أن التوزيع الطارئ للبذور من قبل منظمة (الفاو) سيسمح للمزارعين السودانيين المعرضين للخطر بزراعة وإنتاج ما يكفي من الغذاء (ما يصل إلى 3 ملايين طن من الحبوب) بين نوفمبر وديسمبر 2023 لتغطية احتياجات حوالي 13 إلى 19 مليون شخص من الحبوب.
وحتى الآن، جمعت (الفاو) ما يقارب 20 مليون دولار من إجمالي حاجتها البالغة 95.4 مليون دولار للوصول إلى 15 مليون شخص بتدخلات متعددة منقذة للحياة بما في ذلك تزويد المزارعين بالبذور والمعدات الزراعية وحماية قطعان الماشية (الأبقار) الخاصة بالرعاة وإعادة توفيرها.
ويبقى شبح المجاعة حاضرًا مع تراجع الإمكانات والمخصصات الحكومية في مجالات الزراعة والري وتوفير المياه اللازمة للموسم الزراعي فضلًا عن شح الغذاء بمناطق وأقاليم كثيرة.



