تقدير موقف| محاكمة ترامب في ميزان الشارع الأمريكي.. هل استفاد الملياردير؟

خاص // وابامز
«دونالد ترامب».. عاد الرئيس الأمريكي السابق بقوة إلى الساحة السياسية، ولكن من باب الأزمات المتتالية، ما بين اتهامات جنائية، وتحقيقات عديدة تتعلق بممارساته التجارية، واستحواذه على وثائق سرية، ناهيك عن دوره في أحداث اقتحام الكونجرس.
وتأتي محاكمة ترامب، لتكون الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي لرئيس سابق، مما أثار الجدل داخل الأوساط السياسية، وكذلك الرأي العام الأمريكي، الذي يعكس في الوقت الراهن- وبشكل كبير- اتساع الانقسام السياسي والصراع قبل إجراء الانتخابات الرئاسية بنحو عام و8 أشهر، والتي تنذر- طبقًا للتحركات الداخلية الأمريكية- بصراع، قد يكون داميًا.
أنصار الرئيس السابق ينظرون إلى المحاكمة، على أنها «مؤامرة سياسية» تستهدف إضعاف ترامب، وأيضا «فرصة للفوز بالرئاسة مجددًا»، بل و«إضعاف الجمهوريين بالكامل»، و«ضمان ولاية ثانية سهلة للديمقراطيين» سواء بقيادة بايدن أو نائبته، نظرًا للشكوك التي تحوم حول صحته، وقدرته على إدارة البيت الأبيض لولاية ثانية، في ظل الأزمات التي تواجهها وواشنطن، والتي تعد الأكثر صعوبة- سواء داخليا أو خارجيا- من الحرب العالمية الثانية.
أجواء المحاكمة
من أبرز القضايا التي تلاحق الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة، الاتّهامات الموجّهة إليه بـ«ممارسة ضغوط على مسؤولين عن العملية الانتخابية في ولاية جورجيا عام 2020»، والتحقيق بشأن «طريقة تعامله مع أرشيف البيت الأبيض».
وانعقدت أولى جلسات محاكمة ترامب، في 4 أبريل الجاري، بتهمة أساسية، وهي «دفع أموال خلال انتخابات عام 2016»، كما وجهت له 34 تهمة جنائية، من بينها اتهامات بـ«التآمر، وتوجيه تهديدات، وتزوير سجلات تجارية، وإخفاء معلومات ونشاط غير قانوني عن الناخبين».

«ترامب» الذي بدى هادئًا لمدة ساعة كاملة داخل جلسة المحكمة، أمام القاضي خوان ميرشان، في مانهاتن، أكد أنه «غير مذنب»، ولم يتحدث إلا لـ«الرد على أسئلة القاضي»، ولـ«الدفع ببراءته»، كما «لم يُدلِ بأي تصريحات للصحفيين» لدى مغادرته مبنى المحكمة.
انقسام وتهديدات بالقتل
خلال مارس الماضي، تم رسميا توجيه اتهامات جنائية ضد «ترامب»، وفي تلك الأثناء أطلق الرئيس السابق، تصريحات، على موقع «تروث سوشيال»- شبكة التواصل الاجتماعي المملوكة له- داعيا خلالها أنصاره إلى الاحتجاج والنزول للشوارع، مؤكدا أن هناك محاولات مستميته لـ«القضاء على الديمقراطية الأمريكية».
وبعد دعوة الرئيس السابق للبيت الأبيض، لأنصاره؛ تلقى قاضي المحكمة العليا في مانهاتن، خوان ميرشان، تهديدات بالقتل؛ ولذلك تم تعيين فريق أمني له، وبالمثل، تلقى المدعي العام في مقاطعة مانهاتن، ألفين براغ، تهديدات بالقتل أيضًا.
وضع داخلي يزداد انقسامًا.. فأمنيًا، وضعت شرطة نيويورك خطة مُحكمة؛ للحيلولة دون وقوع أعمال عنف أو اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، وذلك تحسبا لتكرار شبح «اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي- الكابيتول هيل» في 6 يناير 2021.
وسياسيًا.. التزم الديمقراطيون الصمت، وآثروا عدم التعليق على المحاكمة، التي جاءت في وقت عصيب للإدارة الأمريكية الحالية أيضًا؛ نظرًا لـ«التهاب المسرح الدولي»، و«زيادة النفوذ للصين وروسيا»، فعلى الرغم من توصيات قاضي المحاكمة لـ«ترامب»، بعدم الإدلاء بتعليقات «تعرض سيادة القانون للخطر»؛ فإن الأخير أدان التهم الجنائية التي واجهها في نيويورك، قائلاً- لحشد من المؤيدين-: إن «الجريمة الوحيدة التي ارتكبتها؛ هي الدفاع بلا خوف عن أمتنا من أولئك الذين يسعون إلى تدميرها»، معتبرا أن المحاكمة ما هي إلا «ملاحقة سياسية، وتدخلا في الانتخابات على أعلى مستوى في التاريخ» من قبل الرئيس جو بايدن، متوعدا إياه بارتداد هذه الملاحقة عكسيا عليه.
الحزب الجمهوري.. «مؤامرة»
المحاكمة عززت الاستقطابات الحزبية بين الجمهوريين والديمقراطيين، فأعضاء حزب ترامب (الجمهوري) شككوا في نزاهة القضاء، حيث حشد الرئيس السابق دعم 37 جمهوريا في مجلس النواب، أغلبهم أعضاء باللجنة القضائية، ولجنة الرقابة بالمجلس.
كما أكد رئيس مجلس النواب الجمهوري، كيفن مكارثي، أنه سيدفع الكونغرس إلى مساءلة مكتب ادعاء مانهاتن، حيث أن رئيسه الديمقراطي «براغ» استخدم نظام العدالة كـ«سلاح ضد ترامب»، كما استغل سلطاته؛ للتحقيق مع ترامب، والتدخل في الانتخابات الرئاسية، لمحاولة التأثير في شعبية ترامب قبل الانتخابات القادمة.
واستمر الجمهوريون في توجيه سهام النقد إلى خصومهم، حيث أكدت النائبة الجمهورية، مارجوري تايلور جرين، أن «ترامب هو الرجل الوحيد الذي يقف في طريق الديمقراطيين الذين يقاتلون للاستيلاء على السلطة».
أما مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي السابق، فقال في حديث لشبكة «CNN»،: «إن توجيه اتهامات رسمية لـ ترامب؛ يمثل ضربة للديمقراطية الأمريكية»، مضيفا أن الملايين من الأمريكيين، لن يروا في هذه القضية إلا «الاضطهاد السياسي».
بدوره، انتقد رون دي سانتيس- المنافس الأبرز حاليا لترامب- هذه الاتهامات، واصفا الأمر بأنه «مُنافٍ للقيم الأمريكية».
وتشير تقديرات، إلى أن الاتهامات الموجهة لترامب، لن تعوقه عن الترشح للسباق الانتخابي لعام 2024؛ إذ لا يوجد ما يمنع في الدستور الأمريكي من خوض مرشح للانتخابات في أثناء تأديته سنوات العقوبة.
الحزب الديمقراطي.. «إدانة»
اتبع حزب بايدن (الديمقراطي)، سياسة الصمت، منذ بداية محاكمة ترامب، حيث أكد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أن ترامب سيحظى بمحاكمة عادلة تتبع الحقائق والقانون، مضيفا أنه «لا مكان في نظام العدالة لدينا يخضع لأي تأثير خارجي أو ترهيب في العملية القانونية»، في إشارة إلى احتجاجات مناصري ترامب.
كما ركز الحزب الديمقراطي، تحركاته، على «الدفاع عن القضاء»، ومحاولة إظهار الحزب الجمهوري وترامب على أنهم «الأدوات الهدامة» للنظام والعدالة.
وَرَدَّ الديمقراطيون على اتهام الجمهوريين لهم بـ«تسييس القضاء»، بالتأكيد أنهم «يستخدمون مناصبهم في مجلس النواب لصالح ترامب، وليس لصالح الشعب»؛ وذلك بدعمهم لترامب بشكل غير مسؤول، دون مراعاة خطورة التشكيك في النظام القضائي الأمريكي المستقل.
أما على مستوى البيت الأبيض؛ فأعلن أن الرئيس بايدن «على دراية باستدعاء سَلَفِهِ للمحاكمة» وسيتابع الأخبار، لكنه شدد على أنها «ليست محور اهتمامه»، وأضاف أن «الرئيس سيركز على خفض الأسعار للشعب الأمريكي»، في محاولة تجنب مهاجمة ترامب؛ حتى لا تزداد شعبيته.
وسيواصل «ترامب» الجمهوري، مسعاه لخوض الانتخابات الرئاسية 2024، حتى في حال مواجهته تهمًا جنائية، حيث لا يوجد أي بند في الدستور الأمريكي يمنع أحدهم من الترشح للرئاسة، حتى في حال مواجهته أي اتهامات.

ويمنع التعديل الرابع عشر من الدستور فقط، أي شخص «انخرط في تمرد أو عصيان» من تولي منصب منتخب؛ وفي أعقاب أحداث السادس من يناير 2021، عندما اقتحم حشد من أنصار «ترامب» مبنى الكابيتول، سعيا لمنع المصادقة على فوز جو بايدن بالرئاسة؛ صوت مجلس النواب لصالح عزل ترامب بعد هذا الهجوم، ولكن مجلس الشيوخ قام بتبرئته، وفي كل الأحوال، ستتسع الفجوة بين الحزبين الكبيرين اللذان يتناوبان الحكم، وستمر الولايات المتحدة بـ«فترة حرجة» لحين إجراء الانتخابات، وربما تمتد وتزداد صعوبة بعدها.
هل استفاد ترامب؟
حتى الوقت الراهن، لم تؤد محاكمة ترامب إلى الإضرار بشعبيته، بل إنها أدت إلى نتائج عكسية، فقد قدم أنصاره دعما كبيرا قبل بداية حملة الترشح رسميًا، ونجحت الحملة بالفعل في استثمار الأزمة، وجمع أكثر من 10 ملايين دولار، وذلك خلال 5 أيام انقضت منذ إدانة دونالد ترامب من قبل هيئة المحلفين في نيويورك.
ولا يزال «ترامب» يحتفظ بتقدم قوي في استطلاع رأي أجراه موقع «ياهو»، بالتعاون مع خدمة «ونيوز-يوجوف»، حيث تقدم ترامب بفارق 31 نقطة على أقرب منافسيه المحتملين من الحزب الجمهوري (حاكم فلوريدا رون دي سانتيس)، فحصل ترامب على 52% من الأصوات، وجاء «دي سانتيس» في المرتبة الثانية بنسبة 21%، تليه السفيرة السابقة لدى الأمم المتحدة «نيكي هيلي» بـ5%، ثم نائب الرئيس السابق «مايك بنس» بـ3%..
وقال العديد من مؤيدي «ترامب» السابقين، إن دعمهم له «كان في تضاؤل» منذ مغادرته البيت الأبيض، وفوز بايدن، لكن لائحة الاتهام ضد الرئيس السابق، جعلتهم أكثر عرضة لدعمه في 2024؛ لأنهم يشعرون أن غضبه كان مبررا.



