الحرب الروسية الأوكرانية.. هل ينجح «الناتو» في إيجاد شركاء بآسيا الوسطى؟

عاطف سعد// وابامز
باتت «آسيا الوسطى» ساحةً جديدةً للصراع بين روسيا والدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحاول سحب البساط من تحت أقدام موسكو في آسيا، وظهر ذلك جليًا في جولة أنتوني بلينكن، وزير الخارجية، التي بدأها منذ عدة أيام بمنطقة آسيا الوسطى.
والتقى خلالها وزراء خارجية الجمهوريات السوفيتية الخمس السابقة «كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان»، وذلك في العاصمة الكازاخية «أستانا»، التي شارك فيها في قمَّة «C5+1»، قبل أن يزور طشقند الأوزبكية، الأربعاء، وذلك ضمن الصراع الغربي-الروسي الذي بلغ أقصى مستويات توتُّره إثر الحرب الجارية منذ أكثر من عام في أوكرانيا.
هيمنة النفوذ الروسي
حسب متخصصين بالشؤون الأوروبية، تأتي التحركات الغربية؛ بهدف إخراج دول آسيا الوسطى من عباءة النفوذ الروسي، وعرقلة إمكانية أن تكون مفرًا لموسكو، من أجل الالتفاف على العقوبات الغربية، لا سيما وأن هذه الجمهوريات الخمس في آسيا الوسطى، امتنعت عن تأييد أي من قرارات الأمم المتحدة التي تدين الحرب الروسية في أوكرانيا، واستمروا في علاقاتهم مع موسكو، في إطار المنظمات المشتركة، وعلى رأسها مجموعة «شنغهاي».
وخلال 2022 مثَّلت روسيا الشريك الاقتصادي الأول لكازاخستان، إذ بلغت الصادرات الكازاخية نحوها نحو 5.9 مليار دولار خلال الشهور الأولى من تلك السنة، أي ما يمثل زيادة مهمة قدرها 16% عما كانت عليه في نفس الفترة من عام 2021، وهذا الأمر ينطبق على دول آسيا الوسطى الأخرى، هذا بالإضافة إلى العلاقات العسكرية التي تجمع تلك البلدان بروسيا، إذ تحافظ موسكو على وجودها العسكري بالمنطقة عبر 3 قواعد عسكرية بكل من كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، هذه الأخيرة التي تضم أكبر قاعدة روسية بالخارج بتعداد يبلغ 7 آلاف جندي روسي، وتسعى إلى زيادة جاهزيتها القتالية في آسيا الوسطى؛ مما يجعل نجاح حلف شمال الأطلسي «الناتو» في كسب ولائها، تحولًا خطيرًا في مسار الصراع الغربي الروسي.
مخاوف دول آسيا الوسطى
أهداف وزير الخارجية الأمريكي، من الزيارة لبلدان آسيا الوسطى، لم تكن سرية، إذ أكد دعم واشنطن لهذه الدول؛ لتقليل الاعتماد على روسيا، وفك ارتباطها الاقتصادي بها، معلنًا عن حزمة مساعدات اقتصادية تبلغ نحو 25 مليون دولار، بخلاف مثيلتها التي جرى الإعلان عنها في سبتمبر 2022، لمساعدة آسيا الوسطى على تنويع شركائها التجاريين، وتشمل أهداف هذا التمويل؛ «تعليم الإنجليزية، وتطوير أنظمة الدفع الإلكترونية، وتدريب العمال المهاجرين العائدين».
ويقول الباحث في الشؤون الدولية، محمود البتاكوشي: تلعب أمريكا وحلف الناتو على وتر مخاوف دول آسيا الوسطى، لا سيما الجمهوريات السوفيتية السابقة، من سيادتها على أراضيها، وقلقها من أن تشهد نفس المصير الأوكراني، وهذا ما أعلنه «بلينكن» صراحة، قائلًا- خلال وجوده في كازاخستان-: «إذا ما فشلنا في الوقوف لدعم المبادئ التي انتهكتها روسيا بهجومها على أوكرانيا؛ فقد يخلق ذلك- على ما أعتقد- احتمالية أكبر بأن يمس العدوان الروسي دولاً أخرى».

وأضاف محمود البتاكوشي، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»: شهدت هذه المخاوف صعودًا في كازاخستان، حيث تعيش أقلية روسية في الأقاليم الشمالية للبلاد، مستغلًا تصريحات سابقة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2015، خلال ردّه على سؤال أحد الصحافيين، عما إذا ما كانت كازاخستان ستشهد نفس السيناريو الأوكراني؟، قائلاً: «لم يكن للكازاخيين دولة خاصة بهم»، بنفس المنطق الذي وصف به أوكرانيا على أنها دولة ملفَّقة، قبيل بتر الدونباس والقرم من أراضيها.
تحركات روسيا والصين
يعزز ذلك خطة حلف شمال الأطلسي «ناتو»، لإصدار إعلان مشترك مع 4 دول مراقبة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في اجتماع قمته المقبل، في ضوء التوترات مع روسيا والصين، وذلك بحسب صحيفة «نيكي آسيا» اليابانية، بهدف ردع التحركات الروسية الصينية، وذلك خلال قمة حلف الناتو المقبلة في ليتوانيا خلال يونيو 2023.
كما أعرب مفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن تأييد الاتحاد لتوسيع التعاون مع دول آسيا الوسطى، بما في ذلك بناء ممرات نقل جديدة.
وقال بوريل: «من الواضح أن روسيا والصين قد لعبتا، وما زالتا تلعبان دورًا رائدًا في هذه المنطقة، ومن الواضح أيضًا أن المنطقة تسعى إلى تنويع علاقاتها، وتنظر إلى الاتحاد الأوروبي كشريك مناسب».
وأضاف أن قادة دول آسيا الوسطى ينفذون مختلف برامج الإصلاح، مشيرًا إلى تحسن العلاقات بين دول المنطقة والاتحاد الأوروبي.
وشدد على ضرورة تعزيز العلاقات مع دول المنطقة، والاستفادة من إمكاناتها الهائلة، وخاصة في مجال الطاقة والمواد الأولية، وكذلك إنشاء ممرات نقل جديدة، تكون غير مرتبطة بروسيا، لا سيما عبر بحر قزوين.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية بکلية السياسة والاقتصاد بجامعة السويس، الدكتور أحمد جلال، تبقى استجابة دول آسيا الوسطى لمحاولات التقارب مع الناتو، ضعيفة؛ لتشككها في قدرة الغرب على الوقوف بجانبها، إذا ما استعملت روسيا حجة «الأقليات الروسية» للتدخل في كازاخستان، فالغرب لن يدعمها بنفس الشكل الذي يدعم به أوكرانيا الآن، لعدة أسباب، منها ارتفاع التكاليف والصعوبات اللوجستية، وأيضا لأن الغرب لا يعتبر تلك الدول مهمة له «جيوسياسيًّا».
واستبعد «جلال» حدوث تحول في السياسة الخارجية لدول آسيا الوسطى إزاء روسيا، رغم وجود تقارير غربية كثيرة، تفيد بأن دول تلك المنطقة، تبتعد عن روسيا، وتبحث في إنشاء علاقات جديدة مع الغرب، وأكبر دليل على ذلك؛ أن علاقاتها التجارية مع موسكو، سارية، ولم تتأثر بالحرب الروسية الأوكرانية، وما صاحبها من ضغوط غربية.



