كيف استنزفت أمريكا الدول الأوروبية في أوكرانيا؟

خاص // وابامز

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية؛ والقوى الغربية- المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية- هي جزء أصيل من تلك الحرب؛ باعتبارها من أكثر المساندين والداعمين لأوكرانيا في تلك الأزمة، ولكن بعد قرب مرور عام على بدء تلك الحرب؛ بدا جليًّا أن الولايات المتحدة هي أكبر الرابحين، وأوكرانيا والدول الأوروبية، أكثر المتضررين منها حتى الآن.. فكيف حدث ذلك؟.

بداية.. لم تنس القوة العظمى الأولى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تغفر للأوروبيين يومًا، محاولاتهم- خلال السنوات الأخيرة- التقرب من روسيا، والاعتماد على نفطها وغازها، وربطهم بها بخطوط غاز عملاقة، كخط «نورد ستريم»، بل كانت تحثهم دائما على الاعتماد على الغاز والنفط الأمريكي كبديل للروسي، فسعت اليوم إلى استغلال الحرب؛ لتضييق الخناق على الأوروبيين، وابتزازهم؛ بهدف قطع علاقتهم مع روسيا، وإعادتهم للحظيرة الأمريكية.

أوكرانيا.. ورقة الاستنزاف الأمريكية الجديدة

من المعلوم أن الولايات المتحدة وحلفائها من دول الناتو، أنفقوا تريليونات من الدولارات في حرب أفغانستان، التي مات فيها الآلاف من الجنود الأمريكيين والأوروبيين والبريطانيين، كما قُتل الآلاف من الأفغان، ولكن بعد مرور 20 عامًا؛ انسحبت أمريكا من أفغانستان، دون أن تنجح في تأسيس نظام حكم ديمقراطي هناك.

وعلاوة على ما سبق؛ يعتقد الكثيرون، أن حرب البلقان، هي حرب أمريكية، سعت واشنطن من خلالها إلى فرض سيطرتها على أوروبا، وأن اللعبة الأمريكية تتكرر الآن، باستخدام أوروبا، في حربها ضد روسيا؛ لفرض المزيد من الهيمنة، وتحقيق انطلاقة اقتصادية، أصبح بسببها الدولار، العملة الأقوى في العالم، بعدما كان اليورو يتفوق عليه، حيث أنفقت أمريكا وكندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول أوروبية كثيرة، مليارات الدولارات، وسلَّحت الجيش الأوكراني بأحدث المعدات والأسلحة العسكرية، كما درَّب ضباط أمريكيين وغيرهم من حلف الناتو، عناصر «كتيبة أزوف» النازية في أوكرانيا؛ للقتال ضد روسيا، في مدن يسكنها مواطنون أوكران يتحدثون الروسية.

وأقرت الدول الأوروبية وبريطانيا وأمريكا، عقوبات مالية وتجارية واقتصادية شديدة، ضد روسيا، ومنعت طائراتها من عبور الأجواء الكندية والأمريكية والأوروبية، وجمدت تلك الدول أيضا، الاحتياطي الروسي من العملات الأجنبية في البنوك الأوروبية والأمريكية، وأخرجت روسيا من المعاملات الدولية عبر نظام «سويفت»، وقاطعت كل السلع الروسية، وكذا استيراد الغذاء من روسيا، وفرضت حظرًا على تصدير الفحم والغاز والنفط الروسي إلى أوروبا وأمريكا.

ولكن بعد تطبيق تلك العقوبات القاسية ضد روسيا؛ ارتدَّت آثارها السلبية، ليس على روسيا فحسب؛ بل على الاقتصاد الأوروبي والأمريكي والبريطاني أيضًا، وأثَّرت هذه العقوبات على الاقتصاد العالمي بالسلب.

وفي ظل معاناة المواطنين في أوروبا من العقوبات الاقتصادية القاسية ضد روسيا؛ يواصل الرئيس الأوكراني «فولوديمير زيلينسكي» طلب الدعم الاقتصادي والمالي من الدول الأوروبية؛ وهذا يعنى أن حكومة زيلينسكي في أوكرانيا، تبتز الحكومات الأوروبية؛ لضخ المزيد من المعدات العسكرية والأسلحة والأموال إليها، لكي تستمر في «الحرب بالوكالة» ضد روسيا.

في الزاوية يقول الباحث الروسي في تاريخ العلاقات الدولية سولونوف بلافريف، إن الغرب يكرر نفس استراتيجيته في أفغانستان والبلقان، فمثلما ورَّطت أمريكا، القارة الأوروبية، هناك، لسنوات طويلة؛ فهي أيضا تعمل على توريط أوروبا من جديد، في حرب أوكرانيا.

ويُضيف الباحث الروسي في تاريخ العلاقات الدولية، خلال تصريحاته لمركز «الوشم الأوسط»، أن القارة العجوز ستنفق مليارات الدولارات لدعم النازيين الجدد وحكومة زيلنسكي، بينما شعوبهم تعاني ارتفاع الأسعار في الطاقة والمحروقات والمواد الغذائية، وكلما رفضت كييف المفاوضات والحلول السلمية، واستمرت في نهج تأجيج الحرب؛ كلما تضورت الشعوب الأوروبية جوعا.

ماذا يحدث في القارة الأوروبية؟

تعصف بالقارة العجوز، أزمات في الطاقة، إلى جانب أخرى «سياسية، مالية، اقتصادية»، ولا أحد يملك الحل لإخراج أوروبا من فخ المصيدة الأمريكية على الإطلاق، وما من مخرج يلوح في الأفق بإمكانه إعادة القارة الأوروبية إلى حيويتها.

وهنا يؤكد سولونوف بلافريف، أن تلك  الأزمة، كشفت عن مدى هشاشة الاتحاد الأوروبي، ومدى تبعيته للقرار الأمريكي، فكيف لقارة ترتبط بمصالح دبلوماسية وتجارية واقتصادية مع جارتها روسيا؛ أن توافق على عقوبات، ستكون هي أولى المتضررين منها؟، كل الإجابات تشير إلى الإخفاق، حتى في التبعية السياسية، مع الخوف الأوروبي من استقلالية القرار.

وقد يكون ذلك مجديا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية- التي تربطها بروسيا مصالح اقتصادية محدودة-، بينما يختلف الحال بالنسبة لأوروبا، وتبعات ذلك تبدو واضحة في الأزمات التي تعيشها الدول الأوروبية؛ فقد أدرك الساسة الأوروبيون، أنهم قد تورطوا في الحرب، وأصبحت ألمانيا- التي كانت تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 45%- هي أكبر الخاسرين.

الجميع أدركوا أيضًا أن مقاطعتهم للواردات الروسية- لا سيما واردات الطاقة-؛ كان خطأً استراتيجيًّا قاتلًا، وأن تدمير خطَّي أنابيب نقل الغاز الروسي في بحر البلطيق؛ يكشف بوضوح عن المستفيد الحقيقي من ذلك، إذ تشير أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت تبيع الغاز للدول الأوروبية بــ 4 أضعاف سعره، وأصبحت أيضا هي المستفيد الأول من تعميق الخلافات بين دول القارة، فدولة كـ«النرويج» تبيع الغاز لجيرانها بأسعار مماثلة؛ انطلاقا من مبدأ، أنه «لا لُغَة تعلو فوق العرض والطلب».

استغلال وتورط

الآن، يدرك الساسة الأوروبيون، أن أمريكا ورطتهم في الحرب؛ بعدما أصبح الوضع الاقتصادي في أوروبا صعبًا للغاية، والدليل على ذلك؛ ارتفاع قيمة الدولار مقارنة باليورو، بسبب تأثير منع روسيا لإمدادات الطاقة، والتي تسببت بدورها في تضخم الاقتصاد، ووقف المصانع، ومشكلات أخرى ما كانت لتحدث؛ لولا العقوبات التي فرضتها الدول الأوروبية على روسيا، استجابة لمطالب الولايات المتحدة الأمريكية، التي استغلت أوروبا وآسيا لفترات طويلة الأمد؛ إذ وقَّعت معها اتفاقيات تصل إلى 30 عامًا، لضمان الانتفاع منها، حال انتهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وما دفع أوروبا للانسياق وراء أمريكا؛ هو الحماية التي تشدوها الدول الأوروبية منها.

السكان.. سلاح روسيا

يرى المعسكر الغربي أن روسيا تعمل على تدمير البنية التحتية الأوكرانية؛ لزيادة الغضب الشعبي، ودفع السكان إلى النزوح نحو الدول الأوروبية، ويعتبر هذا الأمر، سلاحًا روسيًّا ذكيًّا وخطيرًا؛ فقد يؤدي إلى تعميق مشاكل أوروبا، وقد يصل الأمر إلى حد إفقارها، فوجود أزمة اقتصادية، مع أزمة ديموغرافية مركبة؛ سيجعل أوروبا مثقلة بتحمل أزمة إنسانية، ليس بمقدورها تحملها، وهذا ما سيجعلها تتخلى، «مُجبرة»، عن دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، نيابة عنها، في حين أن أمريكا لن تستدعيهم، أو تفتح لهم باب النزوح إليها، ولن تقدم أي مساعدات لإيوائهم.

تسعى أمريكا من الجهة الأخرى، إلى إطالة أمد الأزمة الأوكرانية؛ لتتزايد معها الأزمات الأوروبية، ويزداد في المقابل، الدور الأمريكي؛ بعدما كانت أوروبا تسعى في السنوات الأخيرة، للتخفيف من الحماية الأمريكية.

ومن الجدير بالذكر، أنه في الوقت الذي تدعم فيه أمريكا، أوكرانيا، باستمرار؛ يزداد القلق الأوروبي من صفقات الأسلحة؛ نظرا لتكلفتها الباهظة، التي تزيد من وطأة الضغط على الاقتصاديات الأوروبية، فمثلما كانت أمريكا أكبر المستفيدين من الحرب العالمية الثانية- لا سيما من مشروع «مارشال» لإعادة إعمار أوروبا، والذي ربط القارة الأوروبية بأمريكا اقتصاديا لفترة طويلة-؛ ستكون أمريكا أيضا هي المستفيد الأكبر من الحرب الروسية الأوكرانية، فلا صوت يعلو فوق «المصالح الوطنية» لدولة عظمى، كالولايات المتحدة.

وأخيرا، لا يملك الأوروبيون الآن حلولًا كثيرة للخروج من هذا النفق المظلم، وأصبح من الضروري حدوث «استفاقة أوروبية»، وتبني سياسة أوروبية أمنية موحدة، تعمل على إعلاء المصالح الأوروبية فقط، دون الاستجابة لأي مطالب أو ضغوط خارجية، ولا سيما الأمريكية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى