دراسة مقارنة| الشأن العراقي في “العربية” و”الجزيرة”

سعد البحيري// وابامز
تمهيد
رغم أن قناتي “العربية” و”الجزيرة” تركزان بشكل رئيسي على قضايا المنطقة العربية فإن هذا الاهتمام قد يتراجع إلى المرتبة الثانية أو الثالثة، حسب الأحداث الدولية التي يمر بها العالم، وهذا ينعكس على أولوية القضايا والأخبار التي تتصدر برامج كل من القناتين.
وقد شهد العالم خلال الآونة الأخيرة، تسارع إيقاع الأحداث فيما يتعلق بالحرب الروسية-الأوكرانية أو الأزمة الأمريكية-الصينية، كل ذلك شكل عوامل أسهمت في ترتيب أولويات كلتا القناتين، وتراجع الشأن العربي إلى مراتب تالية للشأن الدولي.
ولم يكُن الشأن العراقي ببعيد، فتصاعُد الأحداث في الشارع ونزول آلاف المتظاهرين في الشوارع العراقية سواء من التيار الصدري أو الإطار التنسيقي فيما يعرف باسم “الشارع مقابل الشارع”، دفعا كلتا القناتين إلى إفراد مساحات واسعة من برامجها للحديث عن الشأن العراقي.
التعريف بالدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل اتجاهات تناول الشأن العراقي في قناتي “العربية” و”الجزيرة” لبيان القضايا التي تركز كل قناة عليها، وكيفية التناول واتجاهاته الإيجابية والسلبية، ونوعية الضيوف التي تتطرق إلى الشأن العراقي في البرامج الحوارية في القناتين.
منهج الدراسة
مزجت الدراسة بين منهج تحليل المضمون بشقّيْه الكمي والكيفي والمنهج المقارن، بهدف رصد التغطية الإعلامية خلال فترة الدراسة، ثم مقارنة شكل التغطية وتوجهات الرأي، وإبراز نقاط الإيجابية والسلبية في التناول.
ولإنجاز هذه الدراسة، تم اختيار عينة من برامج القناتين قوامها 1347 دقيقة، أي ما يعادل (23 ساعة إلا ربع) من خلال برنامجي “نشرة التاسعة” على قناة “العربية”، وبرنامج “الحصاد” على قناة “الجزيرة”، وذلك على مدى 16 حلقةً من البرنامجين (8 للجزيرة و8 للعربية)، حيث تم تحليل محتوى البرامج لتتبع الشأن العراقي ودراسة مدى الأولوية التي تعطيها كل قناة للشأن العراقي والمدة الزمنية ونوعية الضيوف وغيرها.
أسئلة الدراسة
تهدف الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
• ما مدى اهتمام كل قناة بالشأن العراقي؟
• ما المدة الزمنية التي تخصصها القناة للشأن العراقي من إجمالي النشرة الرئيسية؟
• ما ترتيب الشأن العراقي في اهتمامات كل قناة على حدة؟
• ما نوعية القوالب الإعلامية التي يتم فيها عرض الشأن العراقي؟
• ما القضايا الرئيسية التي شغلت بال كل قناة وأفردت لها التغطية؟
• ما نوعية الضيوف التي تتم استضافتهم للتعليق على الشأن العراقي؟
• ما توجهات الرأي في كل قناة حيال الشأن العراقي؟
• أي القضايا التي أسهمت في تعزيز الصورة الذهنية للعراق لدى جمهور كلتا القناتين؟
القسم الأول: التحليل الكمي الإحصائي
يتناول هذا القسم القراءة الكمية والمؤشرات الرقمية والإحصائية لبيان كثافة التناول وحجم التغطية الإعلامية، وغيرها من المؤشرات.
1. كثافة التناول
تعكس كثافة التناول مدى اهتمام كل قناة بالشأن العراقي، ومن خلال تحليل محتوى الـ18 حلقة محل الدراسة، نجد أن الشأن العراقي كان حاضرًا في معظم الأيام، لكنه غاب في بعضها رغم استمرار الأوضاع الملتهبة في العراق.
يتضح من الشأن السابق أن 31 في المئة من البرامج خلال فترة التغطية، جاءت دون إلقاء الضوء على الشأن العراقي رغم سخونة الأحداث في العراق، مقابل 69 في المئة من البرامج في القناتين، تم فيها تناول الشأن العراقي بقدر أو بآخر من الاهتمام، كما سيأتي تفصيله فيما بعد.
أما من حيث كثافة التغطية في كل مصدر على حدة، فقد استحوذ الشأن العراقي في “العربية” على 75 من التغطية خلال فترة الرصد، وفي قناة “الجزيرة” اختلف الأمر بشكل واضح، حيث بلغت نسبة التغطية 62 في المئة من البرامج التي تم رصدها خلال فترة الدراسة.
2. المدة الزمنية للبرامج الإخبارية التي تم رصدها
بلغت مدة البرامج التي تم رصدها في القناتين 1347 دقيقة، استحوذت “الجزيرة” على 66 في المئة منها، مقابل 34 في المئة لقناة “العربية”، ويرجع ذلك إلى أن المدة الزمنية لبرنامج “الحصاد” في “الجزيرة” تصل إلى ضعف مدة “نشرة التاسعة” على قناة “العربية”.
3. المدة الزمنية للشأن العراقي في القناتين
بلغ مجموع الدقائق التي خصصتها القناتان في البرنامجين المشار إليهما خلال فترة الرصد، 199 دقيقة (نحو 3 ساعات ونصف الساعة)، وقد تباين حجم اهتمام كل قناةٍ على حدة حسب ما يلي:
ويتضح من الشكل السابق، أن المدة الزمنية التي خصصتها “الجزيرة” للشأن العراقي كانت أكبر بشكل واضح من المدة الزمنية التي خصصتها “العربية”.
يأتي ذلك رغم أن قناة “الجزيرة” تجاهلت الشأن العراقي في 38 في المئة من برامجها، مقابل 25 في المئة لقناة “العربية”، ويعود ذلك إلى المدة الزمنية التي يستغرقها برنامج الحصاد مقارنة مع “نشرة التاسعة”.
لكن عند النظر إلى المدة الزمنية للشأن العراقي مقارنةً بالمدة الزمنية للنشرة الإخبارية الرئيسية في كل قناة، نجد أنها متناسبة كما يلي:
من الجدول السابق، يتضح أنه وإن كانت المدة الزمنية بالدقيقة التي أفردتها “الجزيرة” للشأن العراقي أطول من قناة “العربية”، إلا أن نسبة الشأن العراقي إلى إجمالي المدة الزمنية للبرامج متساوية تقريبًا في كلتا القناتين، بل في “العربية” هناك هامش زيادة طفيف (14.8 في المئة لـ”العربية” مقابل 14.7 في المئة لـ”الجزيرة”).
4. ترتيب الشأن العراقي في العناوين الرئيسية
يعكس ترتيب الشأن العراقي في العناوين الرئيسية لكل قناة، حجم الاهتمام الذي توليه القناة للقضايا العراقية، وقد اتضح من الرصد ما يلي:
تصدر الشأن العراقي العناوين الرئيسية في “نشرة التاسعة” 4 مرات، بينما تراجع إلى المرتبة الثانية في نشرة واحدة فقط، ولم يأتِ الشأن العراقي في العنوان الثالث مطلقًا.
أما بالنسبة إلى قناة “الجزيرة”، فقد جاء الشأن العراقي في العنوان الأول مرة واحدة فقط، وجاء في العنوان الثاني مرتين فقط، بينما لم يأتِ أيضًا في العنوان الثالث مطلقًا.
5. ترتيب الشأن العراقي في الأخبار داخل النشرة
قد يتطابق ترتيب الخبر مع العنوان في النشرة، لكن قد يختلف حسب أهمية الموضوعات التي يتم تناولها خلال نفس اليوم.

من الجدول السابق، يتضح أن الشأن العراقي جاء في الخبر الأول في قناة “العربية” 3 مرات مقابل مرتين في قناة “الجزيرة”، بينما تساوت القناتان في ترتيب الشأن العراقي في الخبر الثاني من النشرة الرئيسية.
وانفردت “الجزيرة” مرة بوضع الشأن العراقي في المرتبة الثالثة، بينما تراجع الشأن العراقي في “العربية” إلى المرتبة السادسة في النشر الرئيسية مرة واحدة فقط.
6. نوعية القوالب الإعلامية التي يتم فيها عرض الشأن العراقي
تتعدد القوالب الإعلامية التي يتم عرض الأخبار فيها في القنوات الفضائية العربية كما يلي:
• الخبر
• التقرير
• الإنفوجراف
• الصورة الثابتة
• الصورة المتحركة
• المقابلة
وبالنظر إلى الشأن العراقي في القناتين، نجد أن الشكل الغالب للتغطية كان هو التقارير، حيث يتم تسليط الضوء على القضية موضوع الخبر بواسطة المذيع، ثم الانتقال إلى المراسل الميداني للقناة في العراق الذي يجري بدوره لقاءات مع مختصين وخبراء، كما تتم استضافة ضيف أو أكثر على الهواء في مداخلات مباشرة مع القناة.
7. أهم القضايا العراقية في القناتين
ركزت القناتان بشكل رئيسي على الشأن السياسي العراقي، خاصة مع استمرار التظاهرات والتظاهرات المضادة بين أنصار الصدر وأنصار الإطار التنسيقي.
وجاءت عناوين “العربية” كما يلي:
• الصدر يرفض التراجع عن حل البرلمان.
• الصدر يمهل القضاء أسبوعًا لحل البرلمان العراقي.
• المفوضية العليا تنفي تحديد موعد الانتخابات المبكرة.
• مظاهرات التنسيقية تقترب من المنطقة الخضراء.
• مظاهرات أنصار التيار الصدري.
• ميليشيات حزب الله العراقية تهدد بالتدخل.
أهم عناوين “الجزيرة”
• استمرار الأزمة السياسية في العراق.. والصدر يدعو إلى مظاهرة مليونية.
• العراق بين تصعيد ودعوات الحوار.
• مقتدى الصدر يرى الفرصة سانحة لتغيير جذري للنظام في العراق.
8. الضيوف
تنوع الضيوف في القناتين حسب القضايا التي يتم طرحها، حيث استضافت “العربية” كلًّا من:
• عبد السلام برواري: النائب السابق في برلمان كردستان عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.
• بسام القزويني (مرتين): كاتب ومحلل سياسي.
• عصام الفيلي: أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية.
• محمد سلمان الطائي (مرتين): النائب السابق في البرلمان العراقي.
• زياد العرار: باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية.
• ماجد حميد: مراسل قناة “العربية”.
أما قناة “الجزيرة”، فقد استضافت كلًّا من:
• علي فضل الله: كاتب ومحلل سياسي.
• غالب الدعمي: أستاذ ورئيس قسم الصحافة في جامعة أهل البيت.
• سرمد البياتي: الخبير الأمني والباحث بالشؤون السياسية والاستراتيجية‎.
• واثق الجابري: كاتب ومحلل سياسي.
• مجاشع التميمي: كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والدولي.
• عباس العرداوي: كاتب ومحلل سياسي.
• زياد عرار: باحث سياسي.
• نسيم عبدالله: نائب عراقي مستقل.
• محمد العكيلي: باحث في الشأن الأمني والسياسي.
• مناف الموسوي: مدير مركز بغداد للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية.
القسم الثاني: التحليل الموضوعي
يتناول هذا القسم تحليل اتجاهات الرأي حول القضايا المرصودة، وبيان أهم العوامل المؤثرة في الصورة الذهنية التي حاولت كل من “الجزيرة” و”العربية” رسمها في أذهان المشاهد.
1. ملخص اتجاهات الرأي
جاءت التوجهات السلبية في الصدارة، حيث جاءت بنسبة 94 في المئة مقابل 6 في المئة للتوجهات الإيجابية، حيث شهدت فترة الرصد تصاعد المظاهرات الاحتجاجية في العراق، وهو ما أسهم في رسم صورة سلبية بشكل عام عن الدولة وما تشهده من عدم استقرار على كل الصعد.
أما على صعيد مقارنة اتجاه كل قناة، فقد جاءت التوجهات السلبية في قناة “العربية” بنسبة 86 في المئة، بينما جاءت التوجهات الإيجابية بنسبة 14 في المئة تقريبًا.
بينما كانت الصورة لدى قناة “الجزيرة” شديدة السلبية، حيث جاءت كل القضايا في الجانب السلبي، ولم يتم رصد أي توجهات إيجابية في قناة “الجزيرة”.
2. محاور التوجهات السلبية
كانت مظاهرات الفرقاء في العراق هي محور التوجهات السلبية على النحو التالي:
• مظاهرات الإطار التنسيقي في العراق.
• تصعيد أنصار التيار الصدري ومحاولات السيطرة على الشارع.
• دعوة مقتدى الصدر إلى حل البرلمان العراقي والدعوة لانتخابات مبكرة.
• فساد النخبة السياسية في العراق.
3. محاور التوجهات الإيجابية
أما التوجهات الإيجابية، فقد انحصرت في موضوع واحد وهو رفض المفوضية العليا للانتخابات ما طرحه التيار الصدري من الدعوة لانتخابات مبكرة وتحديد موعد لهذه الانتخابات.
القسم الثالث: الخلاصة
• رغم اشتعال الأحداث على الساحة العراقية، فقد غاب الشأن العراقي عن اهتمام القناتين بشكل لافت خلال فترة الرصد، بسبب التطورات التي شهدتها الأراضي المحتلة والهجوم الإسرائيلي على غزة، ما جعل القناتين تتجاهلان الشأن العراقي لفترة مؤقتة.
• فرض الشأن العراقي نفسه، على الساحة الإعلامية، ومع ذلك كان التركيز بشكل أساسي على الشأن السياسي، بينما غاب الشأن الاقتصادي والاجتماعي عن التغطية بشكل لافت.
• كانت صورة العراق في قناة “الجزيرة” شديدة السلبية (بنسبة 100 في المئة)، بينما كانت الصورة في قناة “العربية” إيجابية (بنسبة 14 في المئة فقط).
• بالنظر إلى ترتيب العناوين في النشرة الرئيسية، نجد أن الشأن العراقي جاء في العنوان الأول 4 مرات في “العربية” مقابل مرة واحدة في “الجزيرة”. أما العنوان الثاني في النشرة الرئيسية، فقد تم تخصيصه للشأن العراقي مرتين في قناة “الجزيرة” مقابل مرة واحدة في قناة “العربية”.
• عند النظر إلى ترتيب الأخبار، نجد الشأن العراقي جاء كخبر أول في قناة “العربية” 3 مرات مقابل مرة واحدة في قناة “الجزيرة”، بينما تم تخصيص الخبر الثاني للشأن العراقي مرتين في كل قناة.
• بمقارنة الوقت المخصص للشأن العراقي مقابل إجمالي مدة نشرات الأخبار، نجد أن النسبة واحدة تقريبًا في القناتين بنسبة 14 في المئة.
• مع ذلك، عند النظر إلى المدة الزمنية للشأن العراقي بشكل مطلق، فقد كانت المدة الزمنية في “الجزيرة” ضعف المدة الزمنية التي خصصتها “العربية”، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى مدة برنامج الحصاد في قناة “الجزيرة” التي تصل إلى ضعف مدة “نشرة التاسعة” في “العربية”، وهذا منح القناة ميزة نسبية في تخصيص وقت أكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى