فنزويلا تحت القبضة الأمريكية… أين تقف الأمم المتحدة؟

خاص \\ مركز الوشم الأوسط
لم يعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو مجرد واقعة عسكرية أو سياسية عابرة، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لأزمة أعمق تضرب النظام الدولي برمّته. الحدث أعاد إلى الواجهة سؤالًا بات ملحًا: هل ما زالت الأمم المتحدة إطارًا حاكمًا للعلاقات الدولية، أم أنها تحوّلت إلى مؤسسة رمزية عاجزة عن ضبط سلوك القوى الكبرى؟ فحين تُعتقل دولة عظمى رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة دون تفويض دولي، يصبح القانون الدولي نفسه موضع مساءلة.
ميثاق الأمم المتحدة.. النصوص شيء والواقع شيء آخر
يُعد ميثاق الأمم المتحدة الوثيقة الأساسية المنظمة لاستخدام القوة في العلاقات الدولية. وتنص المادة الثانية بوضوح على التزام الدول بحل النزاعات بالوسائل السلمية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
كما تؤكد الفقرة السابعة من المادة ذاتها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا في حالات محددة ضمن الفصل السابع، أي بقرار صريح من مجلس الأمن. غير أن هذه القواعد، على صرامتها النظرية، بدت في الحالة الفنزويلية وكأنها نصوص بلا أسنان.
الفصل السابع ومجلس الأمن.. السلطة المعطّلة
ينظم الفصل السابع (المواد 39–51) آليات التعامل مع التهديدات للسلم الدولي. وهو يمنح مجلس الأمن وحده صلاحية الإذن باستخدام القوة. لكن ما لم يحدث في الحالة الفنزويلية هو صدور أي قرار يشرّع التدخل الأمريكي.
وهنا تتجلّى أزمة مجلس الأمن: هيئة يفترض أن تكون صمام أمان النظام الدولي، لكنها في الواقع مشلولة بفعل تضارب مصالح الدول الخمس دائمة العضوية، واستخدام حق النقض (الفيتو) كأداة سياسية لا قانونية.
المادة 51: الدفاع عن النفس أم ذريعة مفتوحة؟
تعتمد الولايات المتحدة، كما في حالات سابقة، على المادة 51 التي تتيح “الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس” في حال وقوع هجوم مسلح. غير أن تطبيق هذه المادة في الحالة الفنزويلية يثير إشكاليات جوهرية.
فلم تُثبت واشنطن وقوع “هجوم مسلح” مباشر من فنزويلا ضدها، كما لم تُقدّم مبررات واضحة تُقنع المجتمع الدولي بأن ما جرى يندرج ضمن الدفاع المشروع. وهو ما يجعل الاستناد إلى المادة 51 أقرب إلى تأويل سياسي فضفاض منه إلى تطبيق قانوني صارم.
سوابق أمريكية.. نمط متكرر لا استثناء
ما جرى في فنزويلا ليس سابقة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية الأمريكية التي تجاوزت الأمم المتحدة:
- جمهورية الدومينيكان (1965): تدخل عسكري لمنع عودة رئيس منتخب.
- غرينادا (1983): غزو لإسقاط حكومة يسارية.
- بنما (1989): اعتقال رئيس دولة ونقله إلى الولايات المتحدة.
- يوغوسلافيا/كوسوفو (1999): قصف الناتو دون تفويض أممي.
- العراق (2003): غزو كامل بذريعة أسلحة دمار شامل ثبت عدم وجودها.
هذه الوقائع تُظهر أن تجاوز الأمم المتحدة لم يكن انحرافًا طارئًا، بل سياسة ممنهجة.
الأمم المتحدة بين الضعف والتوظيف السياسي
يرى مفكرون غربيون، مثل الفيلسوف الأمريكي روبرت هولمز، أن هذه التدخلات كشفت عن مجلس أمن “ضعيف ومتردد”، سمح للولايات المتحدة باستخدامه أو تجاوزه وفق مصالحها.
حتى عندما تُصدر الأمم المتحدة إدانات أو بيانات قلق، كما فعل الأمين العام أنطونيو غوتيريش، فإنها تبقى بلا أثر عملي، ما يرسّخ صورة مؤسسة عاجزة عن فرض قواعدها على الأقوياء.
ازدواجية المعايير.. الغرب أول من انتهك الميثاق
صحيح أن روسيا هاجمت أوكرانيا، وأن الصين تهدد باستخدام القوة ضد تايوان، لكن المفارقة أن الدول الغربية، التي ترفع راية “النظام الدولي القائم على القواعد”، كانت الأكثر انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
هذا التناقض أفقد الخطاب الغربي مصداقيته، وفتح الباب أمام قوى أخرى لتبرير سلوكها بالمنطق ذاته: إذا كانت القوة تصنع الشرعية، فلماذا يلتزم الآخرون بالقانون؟
العقوبات الأحادية.. سلاح خارج الشرعية الدولية
لا يقتصر تقويض الأمم المتحدة على التدخلات العسكرية، بل يمتد إلى العقوبات الاقتصادية الأحادية، التي تُفرض خارج إطار مجلس الأمن.
كوبا، إيران، فنزويلا، روسيا، وحتى دول ثالثة مثل الهند، عانت من هذه العقوبات التي تُتهم بانتهاك مبدأ السيادة، وتقويض التنمية، والإضرار بالمدنيين، وعرقلة أهداف التنمية المستدامة.
الجمعية العامة للأمم المتحدة دأبت على إدانة هذه الإجراءات، لكن دون قدرة على وقفها.
فنزويلا كنموذج خطير
ما حدث في فنزويلا ، اعتقال رئيس دولة عضو دون غطاء قانوني دولي ، يُعد سابقة خطيرة، لا تخص القوى العظمى وحدها، بل تمتد آثارها إلى القوى الإقليمية.
فالرسالة واضحة: الشرعية لم تعد تُستمد من القانون الدولي، بل من ميزان القوة. وهو ما يهدد استقرار النظام العالمي، ويفتح الباب أمام فوضى استراتيجية.
سيناريوهات المستقبل
السيناريو الأول: استمرار تآكل الأمم المتحدة حيث يواصل مجلس الأمن عجزه، وتزداد التدخلات الأحادية، ما يحوّل الأمم المتحدة إلى منصة خطابية بلا تأثير فعلي.
السيناريو الثاني: عالم مناطق النفوذ حيث تترسخ سياسة “مناطق النفوذ”، حيث تفرض القوى الكبرى إرادتها في محيطها الجغرافي، وتصبح السيادة مفهومًا انتقائيًا.
السيناريو الثالث: إصلاح أممي مؤجل فلربما تتصاعد الضغوط لإصلاح مجلس الأمن، وتوسيع عضويته لتشمل قوى صاعدة مثل الهند والبرازيل وألمانيا ودولة إفريقية، لكن التنفيذ يبقى رهينة إرادة الدول الخمس الكبرى.
نظام عالمي بلا حكم
تكشف أزمة فنزويلا أن الأمم المتحدة، بصيغتها الحالية، لم تعد قادرة على ضمان نظام دولي عادل. فحق النقض، واختلال ميزان القوة، وازدواجية المعايير، جعلت القانون الدولي خاضعًا لإرادة الأقوى.
وفي عالم كهذا، لا يكون الخطر في سقوط دولة بعينها، بل في سقوط فكرة القانون نفسها، واستبدالها بمنطق القوة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السلاح.



