النفوذ الروسي.. كيف استمر تأثير موسكو في الفضاء السوفيتي؟

خاص // الوشم الأوسط
عندما بدأت الحرب بين روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، كانت توقعات الكثير من المحللين الغربيين أن دول الفضاء السوفيتي السابق ستتضامن مع أوكرانيا ضد الهجوم الروسي، وذلك بسبب مخاوف من أن تصبح هي الأخرى هدفًا لموسكو.
كانت هذه الدول قد سعت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى تعزيز استقلالها، عبر بناء روابط مع الغرب وبعض القوى الإقليمية، مع إدراكهم أن روسيا تظل قوة مؤثرة في المنطقة. وفي هذا السياق، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ بداية حكمه في عام 1999 يولي أهمية كبرى لاستعادة السيطرة على ما يسميه “جوار روسيا القريب”، من خلال سياسة إعادة إحياء النفوذ الروسي في هذه الدول.
استعادة نفوذ روسيا
في السنوات الأولى من حكمه، ركز بوتين على استعادة السيطرة على الشيشان، التي كانت قد سعت للاستقلال عن روسيا. ورغم التحولات الداخلية التي شهدتها روسيا، والتي كانت تتطلب معالجة القضايا الاقتصادية والداخلية، إلا أن بوتين لم ينسَ الحفاظ على نفوذ روسيا في الفضاء السوفيتي السابق.
ومع مرور الوقت، بدأ بوتين في اتخاذ خطوات تصعيدية لمواجهة التأثير الغربي في هذه المنطقة. فحرب روسيا مع جورجيا في عام 2008 جاءت تحت ذريعة “حماية النفوذ الروسي” في القوقاز، وهو نفس التوجه الذي تعزز لاحقًا في أوكرانيا، حيث قام بوتين بإطلاق ما أسماه “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا في عام 2022.
مواقف الدول السوفيتية السابقة تجاه روسيا
بينما توقع الكثيرون أن تخشى الدول السوفيتية السابقة، خاصة التي تحد روسيا جغرافيًا، من أن تصبح هي التالية في دائرة الاستهداف الروسي، فإن الواقع جاء مخالفًا للتوقعات. بدلاً من أن تتضامن هذه الدول مع أوكرانيا، عمدت غالبية هذه الدول إلى اتخاذ موقف محايد، معبرة عن قلقها إزاء النزاع، لكنها امتنعت عن إدانة موسكو علنًا.
وكان هذا التوجه مدفوعًا باعتبارات عديدة، أبرزها العلاقات الاقتصادية والسياسية التي لا تزال تربط هذه الدول بروسيا، بالإضافة إلى المخاوف من التداعيات السلبية التي قد تنشأ في حال تبني موقف صارم ضد موسكو. وهكذا، لم تشارك هذه الدول في التصويت لصالح أوكرانيا في الأمم المتحدة، ولم تفرض عقوبات على روسيا في المحافل الدولية.
العلاقات الاقتصادية بين روسيا والدول السوفيتية السابقة
ووفق ما نشرت مجلة فورين آفيرز الأمريكية فإنه على الرغم من الأزمة السياسية التي خلفها الهجوم الروسي على أوكرانيا، شهدت بعض الدول السوفيتية السابقة تناميًا في الروابط الاقتصادية مع روسيا.
على سبيل المثال، شهدت منطقة آسيا الوسطى زيادة في حجم التجارة والاستثمار مع موسكو، وهو ما يساهم في تعزيز الروابط القديمة التي تجمع هذه المناطق. علاوة على تدفق العديد من العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات الروس إلى القوقاز وآسيا الوسطى، حيث وجدت بعض هذه الدول فرصًا جديدة لتعزيز تعاونها مع روسيا. وقد ساعدت هذه العلاقات في تمكين موسكو من التهرب من بعض العقوبات الغربية المفروضة عليها.
استمرار نفوذ روسيا
إن استمرار النفوذ الروسي في الفضاء السوفيتي ليس مجرد نتيجة للخوف من الرد الروسي، بل هو نتيجة للعمل المتواصل من قبل بوتين لتأسيس وتعزيز المؤسسات الإقليمية والشبكات التي تجمع الدول السوفيتية السابقة. حيث أسس بوتين في عام 2002 منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، وهي منظمة أمنية إقليمية تضم عدة دول مثل أرمينيا وروسيا وبلاروسيا وكازاخستان، إضافة إلى دول أخرى مثل قيرغيزستان وطاجيكستان.
كما تأسست في الفترة نفسها مناطق اقتصادية وأمنية تعزز من دور موسكو في هذه المنطقة، مما أتاح لها استخدام سلاسل الإمداد الإقليمية للتهرب من العقوبات الغربية.
التحديات التي تواجه الغرب في التعامل مع هذه الدول
إن موقف الدول السوفيتية السابقة يعكس تحديات كبيرة بالنسبة للغرب في محاولات عزل روسيا أو دفع هذه الدول إلى الوقوف مع أوكرانيا. من الواضح الآن أن هذه الدول لن تتبع بشكل مباشر سياسات الغرب أو تقف ضد موسكو، على الرغم من وجود علاقات مع الغرب.
وبالتالي، يجب على الغرب تبني نهج مختلف للتعامل مع هذه الدول، بعيدًا عن فكرة العضوية السريعة في المؤسسات الأوروبية الأطلسية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو). إن تقديم العروض السريعة لهذه الدول قد لا يؤدي إلى نتائج إيجابية، خاصة في ظل الفوائد الاقتصادية والسياسية التي تحظى بها هذه الدول من علاقاتها مع روسيا.
التعامل مع الواقع الجيوسياسي
من خلال هذه المتغيرات، يتضح أن روسيا لا تزال تلعب دورًا كبيرًا في تحديد مستقبل العديد من الدول السوفيتية السابقة. على الرغم من التطورات السياسية والنزاع العسكري في أوكرانيا، فإن هذه الدول ظلت على علاقة وثيقة مع موسكو.
وهذا يتطلب من الغرب تبني استراتيجيات مرنة تتضمن التنسيق بشكل أكبر مع هذه الدول بشكل فردي، وتقديم حلول تناسب التحديات الجيوسياسية التي تواجهها. من الواضح أن عزل روسيا سيكون مهمة صعبة، وبالتالي يجب أن يكون هناك نهج مدروس للتفاعل مع هذه الدول بناءً على مصالحها وأولوياتها الخاصة.
التحديات الغربية.. لماذا يصعب عزل روسيا عن جيرانها؟
رغم التوقعات بتضامن الدول السوفيتية السابقة مع أوكرانيا ضد الهجوم الروسي، اتخذت معظم هذه الدول موقفًا محايدًا، متجنبة إدانة موسكو أو فرض العقوبات. يعود هذا إلى الروابط الاقتصادية والسياسية المستمرة مع روسيا، التي نجحت في تعزيز نفوذها من خلال منظمات إقليمية مثل “CSTO” والتعاون الاقتصادي. وتواجه الدول الغربية تحديات كبيرة في محاولة عزل روسيا أو إقناع هذه الدول بالتخلي عن علاقاتها مع موسكو.



