صعود الصين البحري يضع “الكواد” أمام اختبار الردع الحقيقي

خاص // الوشم الأوسط

في الشهر الماضي، شهدت العاصمة الهندية نيودلهي اجتماعًا غير مسبوق لقادة الجيوش من الولايات المتحدة، وأستراليا، والهند، واليابان، الدول الأعضاء في التحالف الرباعي المعروف بـ “الكوَاد”.

على الرغم من أن التحالف يؤكد دومًا أنه ليس تحالفًا عسكريًا، فإن هذا اللقاء العسكري يعد استثناءً نادرًا يعكس تصاعد القلق الأمني المشترك.وكان اجتماع وزراء خارجية الكواد في يناير قد سلط الضوء بشكل غير معتاد على الملفات الأمنية، ما يعكس تحوّلاً تدريجيًا في توجه المجموعة نحو تنسيق دفاعي أوسع لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد.

أهداف التحالف

تأسس تحالف الكواد لمواجهة تحديات غير تقليدية كالكوارث الطبيعية والصيد غير القانوني، دون الخوض في التنسيق العسكري التقليدي. لكن هذا الحذر قد يصبح ترفًا غير ممكن. فمع تزايد قوة الصين وتوسع نفوذها البحري، لم يعد بمقدور الولايات المتحدة وشركائها تجاهل ضرورة تعزيز التعاون العسكري في منطقة المحيط الهندي.

رغم الأهمية الاقتصادية للمحيط الهندي، طالما اعتبره المخططون الأمريكيون منطقة ثانوية مقارنة بالمحيط الهادئ، حيث تكمن التهديدات المباشرة من الصين وكوريا الشمالية. لكن البحر الذي يربط آسيا وأوروبا والشرق الأوسط بات ساحة استراتيجية متنامية، لما يحتويه من ممرات تجارية وموارد بحرية حيوية للأمن الغذائي العالمي وسلاسل التوريد.

تمدد صيني يغيّر قواعد اللعبة

تستغل الصين هذا الفراغ الاستراتيجي لتوسيع نفوذها، من خلال مشاريع البنية التحتية وشراء الولاءات السياسية، وبناء قدرات بحرية متقدمة تتيح لها جمع المعلومات وتوسيع وجودها العسكري. إذا لم تتصدَ الولايات المتحدة وشركاؤها لهذه التحركات، فإنهم سيجدون أنفسهم عرضة للابتزاز الصيني.

الاستراتيجية الأمريكية التي أشارت إليها مجلة فورين آفيرز الأمريكية، في منطقة المحيطين تفتقر إلى التحديد، حيث تكتفي بشعارات فضفاضة مثل “منطقة حرة ومفتوحة”. هذه الشعارات، رغم توافقها العام، لا توفر أساسًا واضحًا للتحرك الفعّال في مواجهة التحديات الصينية المتصاعدة.إذ يتمثل التهديد الحقيقي في التفوق الصيني على قدرات الدول الإقليمية، لا سيما في مجال الغواصات والعمليات الاستخباراتية. وعلى الرغم من نشاط البحرية الهندية، فإن وتيرة تحديثها لا تواكب الطموحات الصينية.

التعاون العسكري

تحقيق التوازن في المنطقة يتطلب من الولايات المتحدة رفع مستوى التعاون العسكري ضمن الكواد. فقد ركز التحالف على قضايا مدنية مثل توزيع لقاحات كوفيد، وبناء البنية التحتية الرقمية، والإغاثة في الكوارث. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تكفي لردع بكين عسكريًا.

حتى الآن، تجنّب تحالف الكواد أي نشاط عسكري قد يُفسر كتحالف هجومي. التدريبات البحرية المشتركة مثل “مالابار”   تُنظم خارج إطار الكواد، في محاولة لطمأنة دول جنوب شرق آسيا. لكن هذه الحيطة تقلل من قدرة الكواد على التأثير في ميزان القوى العسكري في المحيط الهندي، ما يضعف قدرتها على الردع الحقيقي.

مزود الأمن الصافي

تلعب الهند حاليًا دور “مزود الأمن الصافي” في المنطقة، عبر تقديم مساعدات إنسانية ودعم أمني للدول الصغيرة. كما بدأت منذ عام 2023 بالتعاون مع قوات بحرية متعددة الجنسيات في مكافحة القرصنة. لكن هذه الجهود، على أهميتها، تظل محدودة أمام التوسّع البحري الصيني المتسارع.

لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية ترتكز على تعزيز “الأسس التمكينية” للقوة العسكرية، والمعلومات الاستخباراتية، زالعمليات المشتركة، والجاهزية، والتحديث التكنولوجي. هذه الركائز يمكن أن تخدم في مهام إنسانية وأمنية وقتالية على حد سواء. وكذلك تحقيق وعي بحري أفضل ومشاركة دقيقة للمعلومات بين القوات الأميركية والهندية، مثلًا، يمكن أن يحسن الأداء المشترك ويوفر قدرة ردع حقيقية.

كما يمكن استلهام نموذج “مركز العمليات الجوية الموحدة” في قطر لتنسيق العمليات في المحيط الهندي. لكن النجاح يتطلب توسيع حقوق الوصول والتمركز للقوات الأمريكية، وكذلك تبادل هذه الامتيازات بين أستراليا والهند. كما يجب الاستثمار في تحديث العتاد وتطوير سلسلة توريد دفاعية مشتركة، لتسريع نشر تقنيات مثل الطائرات تحت الماء بدون طيار وأجهزة تتبع الغواصات.

غياب استراتيجية موحدة

رغم وجود بعض المبادرات الثنائية والمتعددة، إلا أن غياب استراتيجية موحدة من واشنطن يجعل هذه الجهود متناثرة وغير مترابطة. يجب أن يصدر التوجيه السياسي من أعلى المستويات الأمريكية لتوحيد الرؤية، وتسهيل التنسيق مع الشركاء.

الهند هي القوة المحورية في المحيط الهندي، بينما تلعب أستراليا دورًا فاعلًا في مراقبة الممرات البحرية الشرقية. ويمكن لفرنسا وإندونيسيا واليابان الانضمام إلى هذا التوجه. كل شريك يقدم مساهمة فريدة، لكن الجميع يربح من التعاون مع واشنطن لتعزيز قدراته السيادية والردعية في وجه الصين.

رغم اضطرابات السياسة الأمريكية، لا تزال المؤسسة العسكرية الأمريكية ملتزمة بتعزيز تعاونها مع الحلفاء في مواجهة تمدد بكين. فقد بُني التحالف الرباعي لهذا الهدف لاعتماد خطوات عسكرية جدية تندرج ضمن مفهوم “المصلحة العامة الدولية”، ولكبح الطموحات الصينية وبناء توازن إقليمي مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى