رهان واشنطن المستحيل.. كسب روسيا وخسارة الحلفاء

خاص // الوشم الأوسط 

لا يزال صدى تأثير وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر في أروقة صنع القرار في واشنطن حاضراً بقوة، إذ يرى كثير من صناع السياسة الخارجية الأمريكية فيه نموذجاً مثالياً للدبلوماسية المحنكة والموازنة الدقيقة للمصالح الجيوسياسية. وتُعدّ خطوة التقارب الأميركي الصيني عام 1972 إحدى أبرز محطات إرثه الدبلوماسي.

واليوم، ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يراود بعض السياسيين الأمركييين حلم تنفيذ ما يُعرف بـ”الانعكاس الكيسنجري” عبر استمالة روسيا من أجل كبح صعود الصين، في خطوة معاكسة لما فعله كيسنجر حين قرّب الصين من الولايات المتحدة على حساب الاتحاد السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي.

مشروع “كيسنجر العكسي”

في عام 2021، اقترح تقرير صادر عن مجلس الأطلسي أن تعيد واشنطن تقييم علاقتها مع موسكو لمنع تعميق التحالف بين روسيا والصين. هذا الطرح بدا له صدى داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأهمية فتح قنوات مع روسيا حتى لا تصبح “تابعة تمامًا” للصين.

واستخدم ترامب هذا الطرح كتبرير سياسي لتقاربه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باعتباره امتداداً لنهج واقعي براغماتي، مشابه لما قام به كيسنجر في سبعينيات القرن الماضي.

تقارب موسكو وبيكن

لكن هذا التشبيه التاريخي يعاني من خلل جوهري، إذ لم تكن الولايات المتحدة حينها هي من خلق الانقسام بين الصين والاتحاد السوفييتي، بل استغلت انقسامًا كان قائمًا بالفعل. أما اليوم، فالعلاقة بين موسكو وبكين تشهد تقاربًا غير مسبوق، مبنيًا على مصالح استراتيجية وقيم مشتركة في الحكم السلطوي.

بوتين لا يملك دافعًا حقيقيًا للتخلي عن الدعم الصيني الواسع، والذي يشمل الاقتصاد المدني والصناعات الدفاعية، مقابل وعود أمريكية غير مضمونة قد تتبدد مع نهاية ولاية ترامب المحتملة في عام 2028.

فصل روسيا عن الصين

تفترض مجلة فورين آفيرز الأمريكية أن واشنطن نجحت في فصل روسيا عن الصين، فإن تقاربًا جديدًا مع الكرملين لن يجلب مكاسب كبيرة للأمريكيين، بل قد يكلفهم الكثير. بوتين لن يساعد الولايات المتحدة على احتواء الصين، بل سيستغل الوضع للعب على تناقضات واشنطن وبكين لتعزيز قوته.

علاوة على ذلك، فإن مغازلة موسكو ستؤدي إلى توتر مع الحلفاء الأوروبيين، الذين يُعدّون أكثر قيمة لأمريكا عسكريًا واقتصاديًا من روسيا الضعيفة والمعزولة. وهكذا، ستكون واشنطن قد استبدلت حلفاء موثوقين بشريك غير موثوق.

التقارب الأمريكي الصيني

تعود جذور التقارب الأمريكي الصيني إلى الرئيس ريتشارد نيكسون نفسه، الذي دعا في مقال شهير عام 1967 إلى إدماج الصين في النظام العالمي. وبحلول أواخر الستينيات، كانت الصين والاتحاد السوفييتي في حالة عداء مكشوف، وصلت إلى اشتباكات مسلحة على الحدود في جزيرة تشنباو.

وعندما وصل كيسنجر إلى بكين عام 1971، لم يكن بحاجة لإقناع الصين بالابتعاد عن موسكو؛ فقد كانت العلاقات بينهما منهارة، والصين تعاني داخليًا من فوضى الثورة الثقافية وتعزّلات سياسية.

معارضة الهيمنة الأمريكية

أما اليوم، فالعلاقة بين روسيا والصين تقوم على رؤية مشتركة تعارض الهيمنة الأميركية وتسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيتي شي جين بينغ يتقاسمان الخوف من الديمقراطية ومن الدعم الأمريكي للثورات الملونة، ويعتبران واشنطن تهديدًا وجوديًا لنظاميهما الداخلي والخارجي.

رغم أن ترامب لا يولي أهمية كبرى لنشر الديمقراطية، إلا أن بوتين وشي يعلمان أن هذا التوجه قد يتغير في أية لحظة مع وصول إدارة أمريكية جديدة، ما يعزز من تقاربهما الاستراتيجي طويل الأمد.

مواجهة الغرب

يتشارك قادة روسيا والصين الرغبة في خلق نظام عالمي يُشرعن الحكم السلطوي والتنمية بقيادة الدولة، على حساب الديمقراطية والرأسمالية. ويعملان على تفعيل رؤيتهما من خلال مؤسسات إقليمية كـ”بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، التي تهمّش دور الولايات المتحدة.

العلاقة الشخصية القوية بين بوتين وشي تعزز هذا التحالف. فكلا الرجلين يرى في الآخر شريكًا موثوقًا، وتجمعهما لقاءات متكررة، وتاريخ شخصي يعكس إدراكًا استراتيجيًا بأهمية الشراكة الثنائية في مواجهة الغرب.

تعاون اقتصادي وعسكري  

شهدت العلاقات بين روسيا والصين توسعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022. فقد بلغت التجارة الثنائية في 2023 أكثر من 240 مليار دولار، وهو رقم قياسي. ومع خسارة روسيا لأسواقها الأوروبية، باتت تعتمد بشكل شبه كلي على الصين في تمويل حربها.

كما توسعت صادرات الصين من السلع الاستهلاكية إلى روسيا، وارتفعت حصتها في سوق السيارات الروسية من 9% إلى 61% بين عامي 2021 و2023، وهو مؤشر على تعمق الاعتماد الروسي على الشريك الصيني.

لا مكان لـ”كيسنجر العكسي”  

التاريخ لا يكرر نفسه بنفس الطريقة. ومقارنة واقع اليوم بظروف سبعينيات القرن الماضي فيها قدر كبير من التبسيط الخادع. تحالف روسيا والصين عميق ومتعدد الأوجه، ولن تنجح واشنطن في خلخلته بسهولة. بل إن محاولة ذلك قد تؤدي إلى خسارة الحلفاء دون تحقيق مكاسب حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى