أمريكا والصين.. صراع الهيمنة على الصناعة العالمية

في سماء مفتوحة على احتمالات التغيير، وعلى متن طائرته الرئاسية، نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المياه التي منحها اسمًا جديدًا «خليج أمريكا». هناك، وبين طيات السحب، أعلن عن قرارات اقتصادية تهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم، واضعًا تعريفًا جديدًا للعولمة قائمًا على الحماية الاقتصادية.

لكن المفارقة أن واشنطن، التي لطالما انتقدت سياسات الصين الاقتصادية، باتت اليوم تسير على خطاها، متبنيةً سياسات أقرب إلى القومية الاقتصادية الصينية منها إلى الليبرالية الغربية.

الرسوم الجمركية واستراتيجية الحماية

في خطوة غير مسبوقة، فرض ترامب في بداية ولايته الثانية رسومًا جمركية على جميع واردات الصلب والألمنيوم، ثم أصدر مذكرة رئاسية بتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة. هذه الإجراءات تعكس تحولًا جذريًا في النهج الاقتصادي الأمريكي، حيث انتقل من دعم العولمة والانفتاح إلى تبني سياسات حمائية.
يركز ترامب منذ بداية حكمه على إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، محذرًا الشركات من مغبة الإنتاج في الخارج. وعلى الرغم من أن واشنطن لطالما حثت بكين على تفكيك الحواجز الاقتصادية، يبدو أن الولايات المتحدة باتت تتبنى السياسات ذاتها التي انتقدتها لعقود.

الأمل في انفتاح الصين

في تسعينيات القرن الماضي، بدت الصين في طريقها نحو اقتصاد أكثر تحررًا، حيث قاد دينغ شياو بينغ، القائد الأعلى للصين ومهندس سياسة الإصلاح والانفتاح (1978-1992)، وجيانغ زيمين، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني (1989-2002) ورئيس جمهورية الصين الشعبية (1993-2003)، عملية انفتاح اقتصادي واسعة.
كانت الآمال الغربية معلقة على أن يقود هذا الانفتاح إلى إصلاحات سياسية، لكن الصين واصلت تعزيز دور الدولة في الاقتصاد، في حين تكبدت الولايات المتحدة خسائر صناعية بسبب التدفق الكبير للمنتجات الصينية.

المواجهة الأمريكية للهيمنة الصينية

مع صعود هو جينتاو، الذي شغل منصب رئيس جمهورية الصين الشعبية (2003-2013)، ثم شي جين بينغ، الذي تولى الرئاسة منذ عام 2013، تبنت الصين سياسات دعم هائلة لقطاعاتها الاستراتيجية، مما جعلها مركز التصنيع العالمي. كما ارتفعت مساهمتها في الإنتاج الصناعي العالمي من 9% عام 2004 إلى 29% في 2023، وفقًا للبنك الدولي، بينما تراجع التصنيع في الولايات المتحدة بشكل متسارع.

طوال السنوات الماضية، حاولت واشنطن دفع بكين نحو إصلاحات اقتصادية أكثر انفتاحًا، مطالبةً بإزالة الحواجز أمام الاستثمارات الأمريكية وتقليل الدعم الحكومي للصناعات الصينية. لكن الصين تجاهلت هذه الدعوات واستمرت في تعزيز اقتصادها عبر سياسات قومية توسعية.
الاستراتيجية الأمريكية البديلة

مع تزايد النفوذ الاقتصادي الصيني، حاولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مواجهة ذلك عبر اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)، إلا أن معارضة الاتفاقيات التجارية في الداخل الأمريكي أدت إلى انسحاب واشنطن منها.
وبعد فشل واشنطن في دفع الصين نحو تغيير سياساتها، تبنى البيت الأبيض النهج ذاته عبر فرض القيود التجارية والدعم الحكومي للصناعات المحلية.

التوترات الاقتصادية

فور تصاعد التوترات الاقتصادية، تراجعت الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة من 46 مليار دولار عام 2016 إلى أقل من 5 مليارات دولار عام 2022، وفقًا لمجموعة الأبحاث الاقتصادية “روديم”.
وعلى الرغم من انتقاد واشنطن للسياسات الصينية الداعمة للصناعة، لجأت الولايات المتحدة إلى دعم صناعي هائل، حيث خصصت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن 1.6 تريليون دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية والرقائق الإلكترونية والطاقة النظيفة.

تشكيل النظام الاقتصادي العالمي

بات واضحًا أن الولايات المتحدة، التي كانت رائدة في تشكيل النظام الاقتصادي العالمي القائم على التجارة الحرة، تجد نفسها اليوم مضطرة للتكيف مع نظام اقتصادي تتصدره الصين.
وفي عالم حيث تسيطر بكين على الإنتاج الصناعي، وتفرض الدول الكبرى قيودًا تجارية، يبدو أن حقبة جديدة من السياسات الاقتصادية قد بدأت، حقبة تكون فيها الحمائية هي القاعدة، وليس الاستثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى