يهود أمريكا وترامب.. علاقة متقلبة بين الدعم والانتقاد

خاص // الوشم الأوسط
تتجلى العلاقات بين القادة السياسيين والجاليات التي يدعمونها غالبًا في مزيج من المصالح المتبادلة والتوترات الخفية.
ويظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نموذجًا فريدًا لهذه العلاقة، إذ شكّل حضوره في الساحة السياسية مصدر جدل بين مؤيديه ومعارضيه، خاصة في أوساط الجالية اليهودية.
فرغم دعمه الكبير لإسرائيل، فإن سياساته الأخرى تركت آثارًا عميقة على الولايات المتحدة والعالم، ما جعل مواقفه محط نقاش مستمر داخل الأوساط السياسية والمجتمعية.
نقل السفارة والاعتراف بالقدس
تشير صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية إلى أن ترامب كان أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين دعمًا لإسرائيل، حيث نفّذ خطوة تاريخية طال انتظارها تمثلت في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. هذا القرار الذي تردد فيه رؤساء سابقون عزّز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وأكّد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل.
كما شهدت فترته تعزيزًا غير مسبوق لدعم الجيش الإسرائيلي، إذ قدمت إدارته مساعدات عسكرية واسعة النطاق مكّنت إسرائيل من تعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة تهديدات من إيران وحزب الله وحماس، هذه الخطوات لاقت ترحيبًا كبيرًا في إسرائيل وداخل بعض الأوساط اليهودية في الولايات المتحدة.
سياسات ترامب الخارجية
على الرغم من دعمه الكبير لإسرائيل، فإن سياسات ترامب الخارجية أضرت بالولايات المتحدة على المستوى العالمي. فقد انسحبت إدارته من عدة اتفاقيات دولية وأضعفت تحالفات تاريخية مع حلفاء رئيسيين مثل كندا وألمانيا وفرنسا. كما تسببت حروبه التجارية مع الصين وفرضه تعريفات جمركية على الشركاء التجاريين في توتر العلاقات الاقتصادية الدولية.
هذه السياسة الخارجية المتذبذبة لم تؤثر فقط على صورة أمريكا عالميًا، بل جعلتها أكثر عزلة، وهو أمر قد ينعكس سلبًا على إسرائيل نفسها التي تعتمد في جزء كبير من قوتها على الدعم الأمريكي المستقر في المحافل الدولية.
تأجيج الانقسامات
تميزت إدارة ترامب بمواقف متناقضة تجاه اليهود في الداخل الأمريكي. فمن جهة، أصدر أوامر تنفيذية لمكافحة معاداة السامية في الجامعات الأمريكية، معتبرًا أن معاداة الصهيونية شكل من أشكال العداء لليهود. ومن جهة أخرى، لم يتردد في استخدام خطاب شعبوي أجّج الانقسامات العرقية والدينية داخل المجتمع الأمريكي، ما ساهم في تصاعد نبرة الكراهية والعنف السياسي.
ورغم تصديه للعداء لليهود في بعض المواقف، فإن سياساته القائمة على تأجيج الخلافات السياسية والاجتماعية ساهمت في خلق بيئة غير مستقرة، ما جعل بعض أفراد الجالية اليهودية ينظرون إليه بحذر.
السياسات الاقتصادية والاجتماعية
على الصعيد الداخلي، تبنت إدارة ترامب سياسات اقتصادية واجتماعية كان لها أثر مباشر على الفئات الأضعف، بما في ذلك المسنون والأشخاص ذوو الإعاقة والمهاجرون. فقد سعت إدارته إلى تقليص ميزانيات الرعاية الصحية والبرامج الاجتماعية مثل “الضمان الاجتماعي” و”المساعدات الغذائية”، وهي برامج لطالما دعمتها الجالية اليهودية نظرًا لارتباطها بقيم العدالة الاجتماعية والتكافل المجتمعي.
كما أثار خطابه تجاه المهاجرين واللاجئين جدلًا واسعًا، حيث استخدم لغة وصفتهم بالمجرمين، متجاهلًا المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية التي تشدد عليها التعاليم اليهودية فيما يتعلق برعاية الغريب والمحتاج.
نرجسية القيادة
من عملوا عن قرب مع ترامب، بمن فيهم بعض اليهود الذين شغلوا مناصب بارزة، لاحظوا سلوكيات سلطوية وقرارات متقلبة مبنية على مزاجه الشخصي أكثر من كونها قائمة على استراتيجيات مدروسة.
هذا النمط من القيادة جعل اتخاذ القرار في إدارته يتسم بالتردد والتناقض، ما انعكس سلبًا على استقرار السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.
تقييم سياسات ترامب
لا شك أن ترامب قدم دعمًا ملموسًا لإسرائيل، لكن لا ينبغي أن يكون هذا المعيار الوحيد للحكم عليه. إذ لا يمكن التغاضي عن السياسات التي أضرت بالنسيج الاجتماعي الأمريكي، ولا عن توجهاته التي قوّضت التحالفات التاريخية وأضعفت مكانة الولايات المتحدة عالميًا.
بالنسبة لليهود الأمريكيين، يبقى التحدي الأكبر هو الموازنة بين الاعتراف بإسهاماته الإيجابية في دعم إسرائيل، وبين الانتقاد الموضوعي لسياساته التي لم تكن دائمًا في مصلحة المجتمع الأمريكي أو القيم التي يؤمنون بها. إن الولاء للقيم والمبادئ لا يجب أن يكون مشروطًا بالاعتبارات السياسية، بل يجب أن يبقى نابعًا من التزام أخلاقي وإنساني أوسع.



