ترامب يعيد تشكيل أمريكا في عصر الديمقراطيات المتراجعة

ترجمة // الوشم الأوسط
منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، أصبحت فكرة تراجع الديمقراطية أمرًا شائعًا، لكن هذا التراجع لا يعود فقط إلى نهجه القومي وتجاهله للمؤسسات الليبرالية، بل إلى السياق الأوسع الذي سمح بازدهار “الترامبية”.
تشهد الديمقراطيات الغربية استقطابًا متزايدًا، فيما يشعر المواطنون بإحباط متزايد تجاه أنظمتهم السياسية.
في مناطق أخرى، يواصل القادة المنتخبون تقويض سيادة القانون لتعزيز سلطاتهم، بينما تظل الأنظمة الاستبدادية القوية مثل الصين وروسيا بعيدة عن أي إصلاح ديمقراطي.
تؤكد الدراسات الحديثة هذا الاتجاه، حيث سجل تقرير “الحرية في العالم” تراجعًا في الديمقراطية عالميًا على مدار 19 عامًا متتاليًا.
أرقام مقلقة حول الديمقراطية عالميًا
سلطت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الضوء على تقرير “الحرية في العالم” الذي ذكر أن 60 دولة شهدت تراجعًا ديمقراطيًا، بينما حققت 34 دولة فقط تحسنًا طفيفًا. كما كشف تقرير وحدة الاستخبارات الاقتصادية أن مستوى الديمقراطية في 130 من أصل 167 دولة إما تراجع أو بقي دون تحسن، مع تصنيف حكومات 60 دولة كأنظمة سلطوية.
ورغم أن 2024 شهد تنظيم انتخابات لنصف سكان العالم، إلا أن ذلك لم يعكس تحسنًا ديمقراطيًا. ففي أكثر من 40% من الدول التي أجرت انتخابات، تعرض المرشحون لهجمات أو محاولات اغتيال، كما شهدت العديد من الدول احتجاجات قُمعت بالقوة بعد الانتخابات، بينما تم التلاعب بالنتائج في الأنظمة السلطوية لضمان بقاء الحكام الحاليين.
تأثير ترامب على الديمقراطية
حافظت الولايات المتحدة على وضعها كـ”ديمقراطية معيبة”، لكن تقرير وحدة الاستخبارات الاقتصادية حذّر من أن فوز ترامب بولاية ثانية قد يؤدي إلى استغلاله لمؤسسات الدولة لملاحقة خصومه السياسيين، مما يهدد بتآكل التوازنات الديمقراطية.
أشار تقرير “فريدوم هاوس” إلى أن عودة ترامب للبيت الأبيض قد تقلل من استقلالية المؤسسات التي تحمي سيادة القانون وتضمن الشفافية.
كما حذّر محللون من أن الولايات المتحدة قد تتحول إلى “سلطوية انتخابية” على غرار هنغاريا، حيث يتم تقييد الإعلام والمعارضة وإضعاف مؤسسات الدولة.
تداعيات التحولات السلطوية في أمريكا
يرى بعض الباحثين أن تزايد سيطرة ترامب على السلطة سيؤدي إلى فرض عقوبات على وسائل الإعلام المعارضة، واستهداف ممولي الأحزاب المنافسة، واستخدام الوكالات الحكومية لترهيب المعارضين.
هذه التحولات ستجعل المعارضة السياسية أكثر صعوبة، مما يدفع كثيرين إلى تجنب المواجهة السياسية.
لم تكن الولايات المتحدة وحدها في هذا التراجع، فقد شملت القائمة دولًا غربية أخرى مثل فرنسا التي شهدت اضطرابات سياسية أدت إلى تصنيفها كديمقراطية أقل كفاءة.
في المقابل، استمرت الأنظمة الاستبدادية في تعزيز قبضتها، حيث أظهرت التقارير أن الديمقراطيات تواجه تحديات خطيرة منذ عام 2006.
تفاقم الأزمات في الدول النامية
أدى انتشار الصراعات في العالم النامي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وتقويض الديمقراطية، كما هو الحال في السودان، حيث تسبب النزاع المسلح في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية وأوقف التحول الديمقراطي.
إضافة إلى ذلك، سيطرت المجالس العسكرية على عدة دول في غرب أفريقيا، بينما ازدادت قوة عصابات الجريمة في أمريكا اللاتينية.
رغم بعض الانهيارات المحدودة للأنظمة السلطوية، مثل تراجع نفوذ نظام بشار الأسد في سوريا والإطاحة برئيسة وزراء بنغلاديش، فإن الاستبداد لا يزال حاضرًا بقوة.
في دول مثل السلفادور وتايلاند، تستخدم السلطات وسائل قانونية لاستبعاد المعارضة وترسيخ حكمها.
دعوات لحماية الديمقراطية عالميًا
تدعو منظمات حقوقية إلى ضرورة تعزيز المؤسسات الديمقراطية داخليًا والتصدي للهجمات على الحريات عالميًا.
وتؤكد هذه الجهات أن حماية الديمقراطية تتطلب دعم المدافعين عن حقوق الإنسان والعمل على بناء أنظمة سياسية أكثر شفافية واستقرارًا.
في ظل هذه التغيرات، يبدو أن الديمقراطية تواجه تحديات غير مسبوقة؛ وبينما يتزايد نفوذ الأنظمة السلطوية، يتطلب الأمر تحركًا عالميًا لمنع تآكل القيم الديمقراطية، خاصة في ظل عودة ترامب وسياساته التي تعكس روح العصر الحالي.



