رجل الإليزيه يُغضب قيصر الكرملين.. علاقات روسيا وفرنسا على المحك

خاص// وابامز
أعلن وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان ليكورنو، أن بلاده ستدرب ما يصل إلى 2000 جندي أوكراني على أراضيها، وقال في مقابلة مع صحيفة لو باريزيان: “هؤلاء الجنود سيلحقون بوحداتنا لأسابيع عدة”، مؤكداً أن التدريب سيغطي ثلاثة مستويات: تدريب المقاتلين العام، ثم احتياجات محددة طلبها الأوكرانيون مثل اللوجستيات، ثم مستوى ثالث من التدريب على المعدات التي قدمتها فرنسا لأوكرانيا.
وفجَّرت الإمدادات الفرنسية لأوكرانيا، لا سيما العسكرية، أزمة جديدة بين روسيا وفرنسا، وعلى إثرها استدعت روسيا السفير الفرنسي لديها. وهذا التطوُّر جاء بعد ساعاتٍ مِن تعهد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الأسبوع الماضي، بمواصلة دعم أوكرانيا ماليًّا وإنسانيًّا وعسكريًّا، ومواصلة الدول الأوروبية أيضًا إرسال المزيد مِن الأسلحة إلى أوكرانيا لمواجهة روسيا.
وقال ماكرون إنَّه سيتم تزويد أوكرانيا بمدافع الهاوتزر الفرنسية من طراز قيصر للتصدي للقوات الروسية.
علاوةً على ما سبق، تدرس فرنسا تزويد كييف بستة إلى 12 مدفع قيصر إضافية مُستقطعة مِن طلبية للدنمارك، وتدرس فرنسا أيضًا إمكانيَّة منح كييف 20 مركبةً مدرعةً من طراز باستيون.
موقف فرنسا من الحرب في أوكرانيا
اتخذت روسيا قرارًا متعمدًا بشن حربٍ على أوكرانيا في 24 فبراير 2022 بعد مضي 8 أعوام على ضمها شبه جزيرة القرم وبداية النزاع في شرق أوكرانيا. ومنذ اليوم الأوَّل في النزاع، قرَّرت فرنسا وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي الانخراط بحزم، بغية مُساندة أوكرانيا والشعب الأوكراني.

وفي 23 يونيو، قرَّر رؤساء الدول والحكومات في الاتحاد الأوروبي منح أوكرانيا ومولدوفا وضع الدولتين المُرشَّحتين للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويُمثِّل ذلك بادرة تاريخية أتاحتها الزيارة التي قام بها كل من: رئيس الجمهورية الفرنسية والمستشار الألماني السيد أولاف شولز، ورئيس مجلس الوزراء الإيطالي السيد ماريو دراجي، والرئيس الروماني السيد كلاوس يوهانس إلى كييف. وتُواصل فرنسا وشركاؤها الأوروبيون حشد جهودهم بغية مواكبة أوكرانيا في مسارها الأوروبي.
جزاءات لتعزيز الضغوط على روسيا
اعتمدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن بينهم فرنسا، عدة رزم مِن الجزاءات ضد روسيا منذ فبراير 2022. وترمي هذه التدابير إلى عزل روسيا عن النظام المالي الدولي والضَّغط على الذين يدعمون النظام الروسي سياسيًّا واقتصاديًّا.
الدور الفرنسي في الأزمة الإنسانية
أثارت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أزمة إنسانية فادحة، فمنذ بَدء الهجوم الروسي، اضطرَّ ملايين الأوكرانيين إلى مغادرة منازلهم هربًا مِن القتال والقصف. وتمكَّن البعض منهم مِن إيجاد ملجأ في أوكرانيا، في حين غادر البعض الآخر البلد.
وفي ضوء هذه الأزمة، قدَّمت فرنسا مئة مليون يورو لتمويل شراء مستلزمات إنسانيَّة أساسيَّة وتجهيزات صحية لدعم القطاع الزراعي وتقديم آليات الحماية المدنية، وذلك بهدف تلبية احتياجات الأوكرانيين الأكثر إلحاحًا.
وبذلت فرنسا جهودًا استثنائيةً لمساعدة الشعب الأوكراني، وأنشأت صندوقين، سعيًا منها إلى توحيد مساعي أصحاب النوايا الحسنة وجمع المُساهمات المالية بسرعة، وهما:
- صندوق مُخصَّص للسلطات المحلية والإقليمية “صندوق الأنشطة الخارجية للسلطات المحلية والإقليمية”.
- صندوق مُخصَّص لدعم المنشآت.
ومِن الجدير بالذِّكر أنَّ النساء والأطفال يُمثِّلون نسبة 90 في المئة من اللاجئين الأوكرانيين في فرنسا والاتحاد الأوروبي، لذا تضع فرنسا آليات خاصة تتيح لهم الحصول على حقوقهم الأساسية؛ مثل الخدمات الصحية والنقل والإيواء وتعلُّم اللغة الفرنسية.
عملية دعم إعادة الإعمار
مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، بات من المُهم إجراء تنسيق بين الدول لإعادة إعمار أوكرانيا، ومِن المحتمل أن تتركَّز جهود فرنسا وسُلطاتها المحلية والإقليمية على منطقة تشرنيغوف بصورة خاصة، إذ تُقيم المنطقة علاقات وطيدة مع فرنسا، وهي منطقة تضررت بشدَّةٍ مِن جراء القصف الروسي في أسابيع الحرب الأولى.
فرنسا تستنفر طاقتها لمكافحة الإفلات من العقاب
مؤخرًا، تم الكشف عن انتهاكات واسعة النطاق في الأراضي الأوكرانية في المناطق التي كانت تحتلها القوات الروسية، لا سيما في مدينة بوتشا.

وتلتزم فرنسا التزامًا راسخًا بالعمل مع الأوكرانيين وشركائها الدوليين والهيئات القضائية الدولية بغية منع إفلات مَن ارتكبوا أفعالًا قد تُمثِّل جرائم حرب مِن العقاب. وأرسل فريق فني مِن وزارة الداخلية الفرنسية إلى أوكرانيا بغية توفير خبرته للسلطات الأوكرانية في مجال تحديد الأدلَّة وجمعها. وقد يُسهِم الفريق في تحقيق المحكمة الجنائية الدولية إذا وافقت السلطات الأوكرانية على ذلك، وقدَّمت فرنسا مساهمةً إضافيةً بقيمة 500 ألف يورو إلى المحكمة الجنائية الدولية، ووفرت لها قاضيين وعشرة مُحقِّقين.
الإمدادات العسكرية الفرنسية لأوكرانيا
منذ بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قدَّمت فرنسا لأوكرانيا العديد مِن المساعدات العسكرية، حيث تم إرسال 18 مدفعًا مِن نوع قيصر عيار 155 ملم بمدى يصل إلى 40 كم، وصواريخ مضادة للدبابات وطائرات، وعربات مدرعة، ومدافع “تي آر إف 1” عيار 155 ملم.
وتدرس فرنسا أيضًا تزويد كييف بستة إلى 12 مدفع قيصر “CAESAR”، وهي كلمة مأخوذة اختصارًا مِن الفرنسية، وتعني شاحنة مجهزة بنظام مدفعية، من عيار 155، مثبَّتة على هيكل شاحنة 6X6، حيث تم تطويرها وتعرف الآن باسم “نكستر”. وتعدّ فخر الصناعة العسكرية الفرنسية وتنتجها شركة “نيكستر” الوطنية، ولها تاريخ عريق مِن الخدمة حول العالم.
ويتميَّز المدفع:
- بنظام تحكم نيراني بالغ التطوُّر مزوَّد بكمبيوتر لإدارة النيران.
- له رادار مسؤول عن دقة النيران وعمليات الإطلاق.
- يعمل بنظام القصور الذاتي والملاحة بالقمر الصناعي.
- يُغني الجيوش عن استخدام أجهزة قياس الزوايا والفرق الطوبوغرافية.
- مُزوَّد بأنظمة اتصالات وربط مع باقي القوات لتوفير كل أعمال الدعم النيراني.
- يمتلك نظامَ تمدُّدٍ هيدروليكيًّا، وتلقيمًا نصفَ آليٍّ للذخيرة.
- يستطيع إطلاق 6 طلقات وينسحب مِن موضعه في أقلِّ مِن دقيقتين.
- 8 مدافع منه قادرة على إطلاق 1 طن مِن القذائف المزوَّدة بـ1500 قنبلة عنقودية، أو 48 قذيفة ذكية مضادة للدبابات، على أهداف يصل مداها إلى 40 كيلومترًا في أقل مِن دقيقة.
- له 18 قذيفةً على المركبة (6X6) و30 قذيفةً على المركبة (8X8).
- قذيفته شديدة الانفجار مِن طراز M107، يصل مداها إلى 18 كيلومترًا، وهي ذات شحنة متشظية.

- قذيفته مِن طراز Ogre تحمل بداخلها 378 قنبلة عنقودية لاستهداف المركبات خفيفة التدريع ومراكز القيادة وبطاريات المدفعية ومواقع الدعم اللوجيستي.
- يمكن لرشقة نيرانية لـ6 قذائف من طراز Ogre تغطية منطقة مساحتها 30 ألف متر مربع على مسافة 35 كيلومترًا.
- له قذيفة ثالثة تُسمَّى “Bonus” الذكية الحاملة للذخيرة المضادة للدبابات، ويبلغ مداها 34 كيلومترًا، تعمل بأجنحةٍ صغيرةٍ، تبدأ في الدوران وتمسح المنطقة بمستشعرات أشعة تحت الحمراء لمقارنة الأهداف المرصودة بما لديها مِن صورٍ في ذاكرتها، وتهاجم أهدافها بنمط الهجوم العلوي.
- يمتلك أيضًا قذيفة المدى الموسع شديدة الانفجار المزوَّدة بمولد غاز أو شحنة نارية، ويصل مداها إلى 42 كيلومترًا.
- طاقمه من 6 أفراد.
- الشاحنة الحاملة للمدفع بكابينة محصنة ضد الأعيرة الصغيرة وشظايا المدفعية والألغام والعبوات الناسفة.
الجيوش التي تستخدمها
يستخدم عددٌ مِن الجيوش والبلدان حول العالم، مدافع قيصر، حيث تستخدمها القوات البرية الفرنسية، مِن يوليو 2008، والقوات البرية الإندونيسية من 2014، والقوات البرية الملكية المغربية، والجيش الملكي التايلاندي 2008، والقوات العسكرية السعودية من 2010.
ردّ روسيا على إمدادات ماكرون العسكرية لأوكرانيا
استدعت روسيا السفير الفرنسي بيير ليفي بموسكو، لتقديم توضيحات بشأن دعم باريس العسكري التقني لأوكرانيا، كما أبلغ نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، السفير بتقييمات موسكو للدعم العسكري التقني لأوكرانيا من فرنسا والغرب. وأشار المسؤول الروسي إلى خطورة زيادة توريد الأسلحة والمعدات لنظام كييف، وتكثيف البرامج التدريبية للجيش الأوكراني. وأضافت أيضًا الخارجية الروسية في بيان لها أنَّ هذا الخط يتعارَض مع تأكيدات المسؤولين في باريس بشأن اهتمامهم بتسوية سلمية في أوكرانيا.
السيناريوهات المستقبليَّة
السيناريو الأوَّل: استمرار المساعدات والصِّدام
يفترض هذا السيناريو أنَّ غياب فرنسا النِّسبي في أوكرانيا يقوض مساعيها للقيادة في قضية الدفاع الأوروبي، لذا مِن المُحتمل أن يستمر الدعم الفرنسي لا سيما العسكري لأوكرانيا، مما يجعل الصدام العالمي وشيكًا.
وهو ما سيدفع روسيا للضغط المتكرر بورقة النفط والغاز الروسي اللذين كانت روسيا تُصدِّر ما يقرب من 40% منهما قبل الحرب للقارة الأوروبية، وقررت روسيا مؤخرًا قطعهما عن القارة العجوز.
السيناريو الثاني: استمرار العلاقات الوطيدة بين فرنسا وروسيا رغم المساعدات
يستند هذا السيناريو إلى متانة العلاقات الروسية الفرنسية، فروسيا القيصرية كانت حليفًا لفرنسا في فتراتٍ طويلةٍ مِن العصر الحديث، وحتى عندما أصبح الاتحاد السوفييتي عدوًّا للحضارة الغربية الرأسمالية، كانت باريس الأقلّ عداءً له، كما أنّ امتلاكها لأسلحة نووية قادرة على ردع روسيا، جعلها غير قلقةٍ من موسكو نفس مقدار قلق جيرانها الأوروبيين الشرقيين أو الشماليين أو حتى ألمانيا.
ويقوم هذا السيناريو أيضًا على حقيقة أنَّ الحصة الفرنسية مِن شحنات الأسلحة الأجنبية المُقدَّمة إلى أوكرانيا أقلّ مِن 2%، وبالتالي هي مُتخلّفة كثيرًا عن الولايات المتحدة بنسبة 49%، وتقبع أيضًا خلف بولندا (22%) وألمانيا (9%). وبالتالي لن تُسفر تلك المساعدات عن أي تغييرٍ ملحوظٍ في الموقف الأوكراني في الحرب، ومِن ثمَّ ستستمر العلاقات الروسية الفرنسية على ما هي عليه.



