الإعلام الوطني والصورة الذهنية للمملكة

بقلم| د. مها الدخيل
هناك فرق كبير بين أن تحاول دولة تحسين صورتها، وبين أن تفرض حضورها بما تحققه من إنجازات. فالصورة الذهنية لا تتغير بقرار ولا تُشكَّل بين ليلة وضحاها وإنما تتكون لدى العالم من خلال ما يراه من منجزات وما يلمسه من تطور وما يترسخ لديه من انطباعات. ولهذا فإن السمعة الحقيقية لأي دولة لا تصنعها الرسائل الإعلامية وحدها بل يصنعها سجل متراكم من النجاحات والوفاء بالوعود، والقدرة على تحويل الطموحات إلى واقع يراه العالم ويحكم عليه بنفسه. ويأتي الإعلام بعد ذلك شريكاً أساسياً في نقل هذه الصورة وإبراز أبعادها وتعزيز حضورها، لأنه يمنح الإنجاز تألقاً وينقل رسالته إلى العالم.
وتقدم المملكة العربية السعودية اليوم مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة. فما تحقق خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد مشاريع تنموية أو مؤشرات اقتصادية متقدمة، بل تحول متكامل أعاد تشكيل الانطباع العام عن المملكة في كثير من دول العالم. ولم يكن الإعلام ليحظى بهذا الحضور في نقل التجربة السعودية لولا وجود قصص نجاح واقعية تستحق أن تُروى، كما أن هذه الإنجازات اكتسبت انتشاراً وتأثيراً أكبر بفضل منظومة إعلامية احترافية واكبت هذا التحول، وقدّمته للعالم بلغة يفهمها ويثق بها.
ولعل من أبرز الشواهد على ذلك نجاح المملكة في تحقيق مستهدف 100 مليون سائح قبل الموعد المحدد في رؤية السعودية 2030، لتصبح من أسرع الوجهات السياحية نمواً على مستوى العالم. كما جاء فوز مدينة الرياض باستضافة معرض إكسبو 2030، وإعلان المملكة مستضيفاً لكأس العالم 2034، ليعكس حجم الثقة الدولية في قدراتها التنظيمية والتنموية. فهذه الإنجازات إنما هي رسائل غيّرت الانطباعات، ورسخت مكانة المملكة بوصفها دولة قادرة على التخطيط والتنفيذ واستشراف المستقبل.
كما ان أكثر ما يميز هذا التحول أنه لم ينشغل بإقناع العالم بقدر ما انشغل بتحقيق مستهدفاته. فعندما تتقدم الخطط بثبات وتتحول الوعود إلى مشاريع قائمة وتصبح النتائج ملموسة فإن الصورة الذهنية تتعزز بصورة طبيعية وتلقائية، وهنا يبرز دور الإعلام بوصفه الناقل الأمين لهذه الحقائق، فيقدمها للعالم بصورة مهنية، ويمنحها المساحة التي تستحقها.
ولم يقتصر أثر هذه المنجزات على حضور المملكة خارجياً، بل انعكس داخلياً في عدة أمور منها “جودة الحياة وتسارع التحول الرقمي وتطور الخدمات الحكومية وارتفاع كفاءة البنية التحتية وتوفير فرص جديدة للاستثمار والعمل” وهي تحولات أسهمت في تعزيز ثقة المواطن والمقيم والزائر، وأصبحت شاهداً حياً على ما تشهده المملكة من تطور متسارع.
ومع ذلك، فإن الصورة الذهنية ليست مكسباً دائماً، بل مسؤولية تتجدد مع كل مرحلة. فكل نجاح يتحقق يرفع سقف التوقعات، وكل إنجاز جديد يجعل العالم أكثر متابعة لما سيأتي بعده. ولهذا فإن المحافظة على المكانة لا تقل أهمية عن الوصول إليها، فالدول التي تبني سمعتها بالعمل تدرك أن استمرارها مرهون باستمرار جودة الأداء والتطوير والقدرة على مواكبة المتغيرات. ويبرز هنا دور الإعلام الوطني، الذي لا يقتصر على نقل الخبر، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير التحولات وإبراز أبعادها وبناء جسور التواصل مع الرأي العام العالمي. وقد بدا ذلك واضحاً في التغطيات الإعلامية المصاحبة لمواسم الرياض، ومؤتمر LEAP التقني، وكأس العالم للرياضات الإلكترونية، وغيرها من الفعاليات الدولية التي استقطبت اهتمام وسائل الإعلام العالمية، وأسهمت في نقل صورة حديثة عن المملكة تقوم على الابتكار والانفتاح والتنظيم الاحترافي.
كما أن المواطن يمثل عنصراً مهماً في ترسيخ الصورة الذهنية لوطنه، فطريقة تعامله واحترامه للأنظمة والقوانين وإتقانه لعمله وحسن استقباله للزائر، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تترك أثراً عميقاً في تكوين الانطباع لدى من يزور المملكة.
ختامًا؛ الصورة الذهنية أصبحت رصيداً استراتيجياً ينعكس على السياسة والثقافة والسياحة وعاملاً في جذب الاستثمار واستقطاب الكفاءات وتعزيز الحضور الدولي. وما حققته المملكة يؤكد أن الإنجاز هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، وأن الإعلام الوطني كلما اقترب من الحقيقة وقدّمها بمهنية ووعي، كان شريكا داعماً في تعزيز مكانة المملكة وإيصال قصص نجاحها إلى العالم بأكمله.
نقلا عن “الرياض“



