تقدير موقف| مكاسب تركيا من الحرب الروسية الأوكرانية

عاطف سعد// وابامز
تسعى تركيا جاهدة إلى الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، لوقف الحرب بينهما والعمل على تقريب وجهات النظر، وربما استغلال المواقف أحيانًا أملًا في تحقيق مكاسب، إذ ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع كلا البلدين، كما أنها تجدها فرصة ذهبية لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
يأتي ذلك عبر التأكيد على محورية دورها بالنسبة إلى الأمن الأوروبي وأهمية موقعها في استراتيجية أمريكا وحلف الناتو لاحتواء أحلام روسيا وجموحها، خاصةً بعد التقارب الشديد الذي حدث بينهما على مدار السنوات العشر الماضية، لدرجة أن علاقة أنقرة بدول الناتو توترت وطالبت دول الحلف بطردها في وقت ما بسبب تناقض سياساتها.
مصالح ونقطة تلاقٍ
الملاحة في المضايق البحرية: النظام التركي بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، يحاول استغلال موقعه الاستراتيجي إذ يتحكم في حركة المرور من وإلى البحر الأسود الذي يشترك في حدوده مع روسيا، عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، حيث تسمح تركيا للسفن التابعة للناتو بالمرور إلى البحر الأسود، وتتحكم في مضيق البوسفور الذي يعد نقطة المرور الرئيسية لروسيا نحو البحر المتوسط، وكانت تركيا تعتبر خط الدفاع الأول لأوروبا أمام الأطماع الروسية.
برنامج مقاتلات “إف 35”: ترى أنقرة أن دعمها لأوكرانيا يؤدي بلا شك لتحسين علاقاتها بالولايات المتحدة وحل خلافاتها معها، والتي يأتي على رأسها استبعاد تركيا في (سبتمبر 2020) من برنامج مقاتلات “إف 35” لاقتنائها منظومة إس 400 الدفاعية الروسية، حتى تتمكن من إتمام صفقة لشراء 40 مقاتلة أمريكية جديدة من طراز إف 16، مقابل 1.4 مليارات دولار، لمواجهة الخطر المتزايد في البحر الأسود من جانب روسيا.
علاقات تجارية مع أوكرانيا: كما تحاول تركيا تعزيز علاقتها مع كييف لتكون مخلب قط على الحدود مع روسيا، إذ تتمتع بعلاقات استراتيجية وثيقة مع أوكرانيا على جميع الأصعدة، حيث اتفق البلدان في عام 2011 على تأسيس المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى، وتمت ترقية العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، كما بلغ حجم التجارة بين البلدين 7.4 مليارات دولار عام 2021، وتخطط الدولتان لرفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 10 مليارات دولار.
تعاون عسكري: تعد أوكرانيا من أبرز مستوردي الطائرات المُسيّرة التركية، وتشترك أيضًا في إنتاجها، فبجانب تصنيع طائرات بيرقدار على الأراضي الأوكرانية، تنتج أوكرانيا محركات بعض الطائرات المُسيّرة التركية مثل “آقن جي”، عبر شركة مشتركة اسمها Black Sea Shield المتخصصة في الصناعات الجوية، لتصميم وتطوير أجيال جديدة من الطائرات المُسيّرة بعيدة المدى، بالإضافة إلى تصنيع صواريخ وأنظمة رادار وتوجيه.
وتقوم شركات أوكرانية بتزويد تركيا بمحركات لمروحيتها القتالية ATAK-2، فضلًا عن وضع هيكل أول فرقاطة أوكرانية حديثة يتم بناؤها في تركيا.
ورقة ضغط (دخول فنلندا والسويد حلف الناتو)
تمتلك تركيا نقطة تفوق كبيرة في علاقاتها مع الغرب حاليًّا، وهي تمرير مسألة انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو رسميًّا، بعد ما تقدمت ستوكهولم وهلسنكي بالانضمام منذ أيام (تبنت الدولتان لفترة طويلة علاقات قوية مع موسكو وسياسة عدم الانحياز)، بفعل تخوفات أمنية عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية (فجر الخميس 24 فبراير 2022) وسط ترحيب الولايات المتحدة.

إلا أن فريقًا أوروبيًّا تتزعمه تركيا، يعارض الانضمام بعد فشل جولة محادثات سياسية ثلاثية انتظرت أوروبا نتائجها، جمعت مسؤولين من (تركيا وفنلندا والسويد) دون الإعلان عن موعد استئناف الجولة القادمة، بينما تشترط أنقرة عدم إيواء الدولتين إرهابيين أكرادًا.
خيارات صعبة
العقوبات الغربية: يرى الباحث في الشأن التركي، محمود البتاكوشي، أن الأزمة الكبيرة التي قد تواجه تركيا تكمن في تحديد موقفها من العقوبات الغربية على موسكو، فهي تشترك معها بمصالح اقتصادية؛ أبرزها في مجالات الطاقة، وهو ما يصعّب من خياراتها في الوقوف إمّا إلى جانب موسكو أو كييف والغرب الأوروبي.
وأضاف محمود البتاكوشي، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن الجانب الروسي يعد أكبر مزوّدٍ للطاقة بالنسبة إلى تركيا التي تعتمد أيضًا في قطاع السياحة إلى حدٍّ كبير على السيّاح الروس والأوكرانيين، علاوةً على وجود ملفات خارجية مشتركة بين موسكو وأنقرة؛ بينها الأزمتان السورية والليبية ومسائل الطاقة المتوسطية.
مصالح اقتصادية: تمتلك تركيا صلات وثيقة مع روسيا وأوكرانيا في آنٍ واحد، فإلى جانب علاقاتها الدبلوماسية مع كلا البلدين، لدى أنقرة مصالح اقتصادية مشتركة مع موسكو وكييف، أبرزها في مجالات الطاقة والمواد الغذائية أيضًا، ففي العام الماضي، استوردت أنقرة 80% من حاجتها من القمح والحبوب والزيوت من روسيا وأوكرانيا.
منظومة “إس 400” والغاز الروسي: تعتمد تركيا بشكل كبير على الغاز الروسي لسد احتياجاتها من الطاقة، ويزورها عدد كبير من السياح الروس سنويًّا، وتعتبر روسيا سوقًا مهمة للمنتجات الزراعية التركية، كما قامت أنقرة بشراء نظام الدفاع الروسي “إس 400″، فضلًا عن التأثيرات السلبية على علاقاتها بروسيا في مناطق الصراع في الشرق الأوسط قد لا تستطيع تحمل تكلفته.
استفادات تركية واسعة
احتضان رؤوس الأموال الروسية: يرى الباحث في الشأن الدولي، محمد عبادي، أن تركيا استفادت كثيرًا من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بعد هروب العديد من الاستثمارات ورؤوس الأموال الروسية ورجال الأعمال من عواصم أوروبا الرافضة للحرب إليها، وهو ما أنعش اقتصادها وأسهم في تخطي معدلات البطالة وتحرك المؤشرات للأفضل وزيادة نسبة السياحة فيها، وتصدير منتجاتها العسكرية إلى كييف كمسيرات “بيرقدار” والذخائر.
وقال الباحث محمد عبادي، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”، أن تركيا تحاول أن تبتز أوروبا قدر الإمكان بحجة خطر حزب العمال الكردستاني ووجود أكراد إرهابيين في فنلندا والسويد، ويسعى أردوغان للحصول على امتيازات أكثر بالوجود في مناطق من سوريا أمام الوجود الأمريكي والروسي، وأيضًا للبحث عن دور أكبر لنظامه في أوروبا وهو ما كانت تطمح له أنقرة كثيرًا.
التواصل التركي الروسي
يقول الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، إنه من المعروف أن تركيا دولة ناجحة جدًّا في تطبيق استراتيجية التوازن عبر التعاطي مع القضايا القريبة منها، وهي تطبق ذلك حرفيًّا في أزمة “روسيا – أوكرانيا”، فهي تستفيد من الجانبين ولا تزال تحافظ على علاقتها بروسيا التي لم تبد اعتراضًا على إمداد أنقرة لـ”كييف” بمسيرات بيرقدار أو ذخائر وأسلحة.

وأضاف طه أوغلو، في تصريحات خاصة لمركز “الوشم الأوسط”: قد تكون الدولة التركية الوحيدة التي يتواصل رئيسها مع فلاديمير بوتين باستمرار، بعد ما تأزمت الأمور بين فرنسا وروسيا عقب اتهامات غربية إلى موسكو بارتكاب جرائم حرب واغتصابات جماعية في بوتشا وماريوبول الأوكرانيتين، لكنها أيضًا أغلقت مضيق البوسفور في وجه السفن الروسية، وتتواصل أيضًا مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي وتدعمه في المحافل الدولية وتعترض رسميَّا وعلانية على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.
مكاسب عسكرية
– حالة التقارب التركية الحالية مع دول الغرب الأوروبي رغم أزمة الحكم بالسجن على المعارض التركي عثمان كافالا، خاصة مع الأمريكان بعد حالة فتور بين جو بايدن ورجب طيب أردوغان.
– إضعاف الترسانة الروسية يصب في صالح حالة التوازن العسكري في المنطقة، خاصة في الملف السوري كون روسيا خصمًا غير معلن للأتراك في بعض الملفات مثل روسيا وليبيا.
– تقاربت تركيا جدًّا مع شركائها في حلف الناتو، وأعادت دورها هناك بعد حالة ضعف أثبتتها الحرب الروسية الأوكرانية، وهي أن الغرب الأوروبي لا يستطيع الدخول في مواجهة طاحنة لردع روسيا، وإلا فالكلفة العسكرية ستكون فادحة في الأفراد وعلى المستوى العالمي، وستكون تباشير لاندلاع حرب عالمية ثالثة، قد تمتد لمواجهة نووية تأتي على الأخضر واليابس.
مغانم اقتصادية: قد تستغل أنقرة غياب الدب الروسي عن المشهد الأوروبي فيما يعلق بتعطل سلاسل إمداد الطاقة بفعل العقوبات الغربية أو الحصار على الشحنات والعمل على تسوق للفائض من النفط التركي، خاصةً بعد عمليات التنقيب التي بدأتها في البحر الأبيض المتوسط بعد اتفاقيتها الأخيرة مع دولة ليبيا.
وكذلك محصول القمح، ربما تبدأ في التوسع في زراعته استغلالًا لغياب المنتج الأوكراني والروسي بفعل الحرب وتأخر عمليات التجارة وتعطل سلاسل الإمداد الغذائي حول العالم ونقص المخصبات الزراعية الروسية والأسمدة التي تمتلك منها خطوط إنتاج متميزة وتستطيع تعويض الاحتياج من أسواق آسيا لتحقيق رغباتها الاقتصادية والزراعية.
يؤكد ما سبق أن تركيا تطبق استراتيجية التوازن في أوروبا والسعي لإنهاء الحرب من أجل تحقيق مصالحها والحفاظ على دورها وعدم خسارة طرف إلى ما لا نهاية.



