“بوليتيكو” تجيب عن السؤال الصعب.. كيف يمكن للغرب الحصول على ما يريده من بوتين؟

ترجمات – وابامز
تقام مفاوضات الأسبوع الجاري بين روسيا وحلف شمال الأطلسي حول التوتر في أوكرانيا، تتبعها جولة أخرى من المفاوضات في منظمة الأمن والتعاون الأوروبية. وقبيل هذه المحادثات اعتبرت واشنطن أنه “من المبكر القول ما إذا كان الروس جادين بشأن سلوك طريق الدبلوماسية”، كما صرحت الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي.
ويرى الكثيرون أن جميع المحادثات التي تجرى في الوقت الراهن بين الولايات المتحدة وروسيا حول الأمن الأوروبي ستكون صعبة؛ لأن البلدين لا يثقان ببعضهما، ولو حتى قليلًا.
وفي تلك الجزئية طرحت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية سؤالًا: كيف يمكن للغرب الحصول على ما يريده من بوتين؟
يرى الغرب أن موسكو تسعى بكل قوة نحو إفشال المحادثات ليكون مبررًا لمهاجمة أوكرانيا، وما يحدث على الأرض يثبت أن هذا القرار بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تنفيذه بالفعل، بحسب الصحيفة الأمريكية.
الملعب الأوكراني
بحسب الرؤية الغربية، مهد بوتين لاجتياح أوكرانيا من خلال إعلانه عن مشروعي معاهدتين -واحد بين روسيا وأمريكا والآخر بين روسيا والناتو- يشددان على الحصول على ضمانات غربية مرتبطة بأمن روسيا، وبشروط غير مقبولة بشكل واضح، مثل منع توسيع الناتو، وحظر أي تعاون أمني أمريكي مع دول الاتحاد السوفيتي السابقة.
أما الرؤية داخل الأوساط الأمريكية فتشير إلى أنه ينبغي على واشنطن أن تطلب من روسيا سحب قواتها من حدود أوكرانيا قبل الاتفاق على بدء مفاوضات.

لكن المؤكد، بحسب الصحيفة الأمريكية، أن روسيا ستحتفظ بقواتها وأسلحتها في مكانها حتى بدء مفاوضات جديّة، إن لم يكن أطول من هذا، حيث بدأت روسيا حشد قواتها حول أوكرانيا من عام 2015 فصاعدًا، على الرغم من تعزيزها لأعداد قواتها مؤخرًا. علاوة على هذا، تفيد تقارير بأن بوتين أخبر خارجيته في منتصف نوفمبر أن مستوى معينًا من التوتر سيجبر الغرب على التعامل بجدية مع روسيا.
هدف أمريكا من المحادثات
بالرغم من المحادثات، سعى الرئيس الروسي إلى إشعال فتيل أزمة أوكرانيا، إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وافقت بحكمة على بدء محادثات دون شروط مسبقة.
وأقرت الإدارة أن بعض المقترحات الروسية يمكن أن تكون أساسًا للمحادثات، بالرغم من رفضها تمامًا مقترحات أخرى، في تلك الزاوية أوضح البيت الأبيض أيضًا أن المحادثات لا يمكن أن تركز بشكل حصري على شواغل روسيا الأمنية؛ لأن الغرب لديه قائمة بسلوكيات روسية مُهددة وغير مقبولة، تمتد لعقود من الزمن، يريد مناقشتها مع روسيا.
إن الهدف الفوري لهذه المحادثات هو نزع فتيل الأزمة الراهنة. لكن هذه المحادثات توفّر فرصة لإدارة بايدن لفعل شيء أكبر وأكثر دوامًا: تأسيس نظام أمني أوروبي يضم روسيا، ويقلل من خطر نشوب أزمات ومواجهات في القارة.
كيف يمكن تحقيق هذا؟
نقطة البداية هي الاعتراف بأن المبادئ الأمريكية والروسية إزاء الأمن الأوروبي لا يمكن التوفيق بينها لعدة أسباب.
أولًا: يرتكز الموقف الأمريكي على فكرة أن الدول الأوروبية (لا سيما أوكرانيا) هي دول سيّدة، ولها الحق في اختيار البلدان التي تتحالف معها، وأن هذا يتناقض مع إصرار روسيا على أنها بحاجة إلى مجال نفوذ في أوروبا من أجل الشعور بالأمن.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، من الصعب حدوث توافق في تلك الجزئية لأنها تنطلق من مفاهيم مختلفة للهوية الوطنية وبناء الدولة، وشددت الصحيفة خلال تقريرها على ضرورة تجنب الدخول في نقاشات عبثية حول المبادئ الأولى، والانتقال عوضًا عن هذا إلى مناقشة اتخاذ خطوات ملموسة لنزع فتيل التوترات وتعزيز الاستقرار.

ثانيًا: تصرّ إدارة بايدن على أن حلفاءها وشركاءها يجب أن يشاركوا في المفاوضات، وأنه لا قرارات سيتم اتخاذها بشكل منفرد من جانب روسيا وأمريكا. لكن المحادثات متعددة الأطراف يمكن أن تؤدي لحالة جمود، فهي قد تسمح للحليف أو الشريك الأكثر تعنتًا بتعطيل أي تقدم أو حتى الاعتراض عليه.
وهنا أكد تقرير الصحيفة أن الإصرار على مشاركة أطراف متعددة، يتجاوز حقائق القوة في القارة الأوروبية. فالولايات المتحدة الضامن الأساسي لأمن أوروبا، وروسيا القوة الرجعية الأبرز، وهما البلدان الوحيدان اللذان لديهما القوة العسكرية القادرة على تغيير ميزان القوى.
ومن أجل تأسيس نظام أمني أوروبي يضم روسيا ويقلل من خطر نشوب أزمات ومواجهات في القارة؛ هناك خطة أولى ينبغي اتخاذها، وتتمثل في الاتفاق على إعادة بدء حوار روتيني عبر قنوات روسية – أمريكية ثنائية (مثل بين وزيري خارجية ودفاع البلدين)، وعبر قنوات متعددة الأطراف (مجلس روسيا وحلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، مع التركيز على إعادة إحياء وتحديث إجراءات بناء الثقة خلال الحرب الباردة والتي اختفت بمرور الزمن.
وأشار التحليل الأمريكي إلى أن من مصلحة روسيا والناتو تجنب حوادث خطيرة في البحر والجو، لا سيما في منطقتي بحر البلطيق والبحر الأسود، حيث أصبحت مثل هذه الحوادث شائعة.
ولمنع تصاعد مثل تلك التصادمات، من المفيد دراسة إجراءات من بينها تبني الشفافية فيما يخص التدريبات العسكرية، على سبيل المثال، عبر توفير إنذار مسبق، ووضع قيود متبادلة على نشر قوات وطائرات هجومية وصواريخ.
هناك أمر أكثر تعقيدًا، لكن يمكن على أساسه التوصل لاتفاق مبكر، وهو الالتزام بعدم نشر صواريخ باليستية متوسطة المدى في أوروبا، حيث وافقت روسيا والولايات المتحدة على حظر عالمي على هذه الأسلحة بموجب معاهدة حظر القوات النووية المتوسطة المدى، بعد أن انسحبت واشنطن من هذا الاتفاق عام 2019 بسبب الانتهاكات الروسية المتواصلة للمعاهدة، ولكن أيضًا بسبب رغبتها في الحصول على هامش لنصب مثل هذه الصواريخ في آسيا، حيث نشرت بعض الدول، وأبرزها الصين، هذه الصواريخ بالفعل بأعداد كبيرة.
وعودة واشنطن للاتفاقية ستساعد فقط في نزع فتيل الأزمة الراهنة، لكنها ستمنحنا وقتًا لمعالجة القضايا الأهم والأكثر تعقيدًا؛ مثل توسيع الناتو وتسوية شاملة لصراعات مجمّدة ومتواصلة في أوروبا.
معضلة التوسع شرقًا
أوضحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو أنه لا يمكنهم القبول بطلب موسكو بأن يوقف التحالف روسيا أي توسّع ناحية الشرق، كما رفضوا أيضًا إلغاء “إعلان بوخارست” الصادر عام 2008 والذي فتح الباب أمام عضوية أوكرانيا وجورجيا في الناتو.
كما أكّدوا أن أوكرانيا لن يتم إجبارها على القبول بالحياد ضد رغبتها، وأن فكرة مجالات النفوذ، عمومًا، هي فكرة رجعية، بالرغم من أن دولًا غربية رئيسية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لطالما كان لديها مجالات نفوذ.
مع هذا، يدرك قادة الناتو عمومًا أنه لا أوكرانيا ولا جورجيا، ناهيك عن دول سوفيتية سابقة أخرى، ستكون جاهزة لعضوية الناتو قبل سنوات، وربما لعقود قادمة من الزمن. ويمكن أن يوفر هذا أساسًا لتأجيل قرار ضمّ أوكرانيا (وجورجيا)، لكن دون إغلاق الباب للأبد، وربما تقبل موسكو بهذه التسوية لأنها تعلم أن الناتو لن يقبل مطلقًا بفرض حظر تام على التوسع شرقًا.
أما بالنسبة للصراعات المستمرة أو المجمّدة الحالية، فإنها تتعلق نوعًا ما بالتمرد الانفصالي، وبحسب الصحيفة الأمريكية سيكون الهدف الأول أن يحدد الغرب وروسيا الشروط المطلوبة لكي تعتبر أعمال تقرير المصير شرعية في أوروبا.
في الحد الأدنى، ينبغي أن يتضمن حق تقرير المصير عقد تصويت يتم الإشراف عليه والتصديق عليه دوليًّا باعتباره حرًّا ونزيهًا، للتأكد من إرادة المجتمع المحلي، فضلًا عن مجموعة من الاتفاقيات الفنية بين الإقليم الانفصالي والدولة التي يرغب في الانفصال عنها.
وأكد تقرير للصحيفة الأمريكية أن كوسوفو والقرم ربما تكونان النموذجين الأبرز والأهم في هذه الصراعات، ويمكن تطبيق هذه الإجراءات بطريقة شكلية للتحقق مما يدركه معظم المراقبين من حقيقة أن كوسوفو ستظل مستقلة عن صربيا، وأن أوكرانيا لن تستعيد القرم، كما ستُستخدم هذه الإجراءات أيضًا للتوصل لتسوية في إقليم دونباس الانفصالي في شرق أوكرانيا.

إن تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وسط المجتمع المحلي، بما في ذلك السكان الذين فرّوا لأماكن أخرى، سيكون مهمًّا للغاية في تحديد ما إذا كان ينبغي أن تستمر “اتفاقيات مينسك” في كونها الأساس لتسوية الصراع. لكن في ضوء شعور المجتمع المحلي بأن جميع أطراف الصراع تخلت عنه، لا أحد يعلم حقًّا كيف ستؤول الأمور فيما يخص هذا التصويت.
لقد ركز القادة المتورطون في هذه الأزمات بشكل مفهوم على خطوات قريبة المدى لتقليل التوتر. وفي مواجهة ما يعتبرونه أزمة صنعتها روسيا، ومحاولة جريئة منها لإعادة صياغة الوضع القائم، يميل القادة الغربيون للدفاع عن الوضع القائم؛ إذ إن أي شيء أقل من هذا سيعتبرونه عملًا من أعمال الاسترضاء.
لكن هذا النظام القائم، الذي يعدّ حلف الناتو عموده الفقري، يتعرض لضغط منذ بعض الوقت، وخصوصًا أن توسيع التحالف شرقًا سيسفر بالتأكيد عن مزيد من الأزمات مثل الأزمة الراهنة، وقد يسفر حتى عن صراع مسلح، على افتراض أننا سنتمكن من منع هذا في هذه الحالة.
وشددت الصحيفة الأمريكية على أنه في الوقت الراهن جميع الأطراف في حاجة لنظام أمني جديد في أوروبا؛ لكن السؤال الآن هو: هل يتطلب الوضع حربًا كبرى لكي نتأكد أننا بحاجة إلى هذا النظام الجديد، كما كان الحال في الماضي؟
فالمحادثات الجارية الآن مع روسيا توفر فرصة لإثبات أن رجال الدولة الحكماء يمكنهم إنشاء هذا النظام دون حرب كبرى تكون دافعًا لهذا النظام، ولا شك أن إقامة هذا النظام دون التضحية بمصالح ومبادئ أمريكا الأساسية، لن يكون عملًا من أعمال الاسترضاء لروسيا، ولكنه سيكون دليلًا على فن ماهر في زيادة تأمين الولايات المتحدة وأوروبا.



