إيران.. وأوهام المجد

بقلم| عبدالله بشارة

ليس جديداً على نظام الحكم في إيران أن يتدثر بمظاهر المجد والأبهة، فالتاريخ الفارسي يتجمل، في كثير من المناسبات، برداء العز والتعالي، فهناك الكثير من المواقف التي طغى فيها الحكم على الواقع، ولا تنحصر هذه الظاهرة في المسار التاريخي لإيران فقط، وإنما توجد، وبكثرة، في خيال قياديين، وطغت فيها التمنيات على حقائق الحياة، لكنها توجد، بكثرة، في التاريخ الفارسي، كما سجلته الأحداث، ولا يوجد هذا النهج في العصر القديم للدولة الفارسية، وإنما كانت طاغية على البلاط الشاهنشاهي خلال حكم آخر الملوك محمد رضا بهلوي، الذي عاش في أيامه الأخيره في مأسأة، تدخل المرحوم الرئيس المصري أنور السادات للتخفيف من آلامها باستضافته في القاهرة، مع توفير تسهيلات يتطلبها وضع الشاه الصحي، حيث توفي في القاهرة ودفن فيها. كانت مأساة مؤلمة لا تتناسب مع مظاهر المجد والدلال التي عاش فيها خلال ممارسته السلطة في إيران.
كنت ضمن الوفد الكويتي الذي رافق المرحوم الشيخ صباح السالم أمير دولة الكويت خلال زيارته الرسمية الى طهران في عام 1966، وشهدت مظاهر الحداثة والأناقة خلال مناسبات الترحيب بالضيف الكبير.

ومن أبرز المظاهر في تلك الزيارة كانت حفلة العشاء التي أقامها الشاه ترحيباً بالشيخ صباح السالم، حيث كانت مختلطة، رجالا ونساء حاملات مظاهر الحداثة، وكانت ظاهرة التدخين بين النساء أكثر ما أثار استغرابي، وبكل آليات الأناقة التي تحتفظ بالتدخين وتوفر السيجارة سهولة التنقل بين صفوف المدعوين والمدعوات.

كانت حالة بارزة في تسيد التقاليد الأوروبية مناخ الترحيب في قصور الشاه. كانت زيارة ناجحة في جدية التفاهمات التي تحققت بين الكويت وإيران، بما فيها التأكيد على التصميم لتخطي التعقيدات التي تمس تحقيق التفاهمات لمعظم القضايا التي كانت ضمن الأولويات. كانت زيارة لامعة في مظاهرها ومفيدة جداً في نتائجها. كشفت الاحتفالات المسافة التي حققها المجتمع الإيراني الارستقراطي في نقل أجواء أوروبا الى بيئة الحكم، وتسللها لتسكن في فروع الطائفة الارستقراطية الإيرانية.

وبصراحة، كانت المرونة التي تبناها الشاه في التعامل مع أولويات البلدين علامة مهمة للتحرك المستقبلي في تعميق التفاهم بين دول الخليج وإيران. وظلت تلك الاجواء الايجابية موجودة في تسيدها لأسلوب العمل مع إيران الشاه، ولكن الوضع تبدل مع التغييرات الأساسية التي الحقت بالوضع في إيران. اختفت من اجواء العلاقات مع إيران الايجابية التي تسيدت مناخ التفاهم السياسي بين البلدين، وجاءت ظاهرة الشكوك والتخوف وكمية الحذر في الاقتراب من خطوات تعزيز العلاقات. جاءت اعتبارات أخرى لا توجد في القواعد المتفق عليها كأساس في العلاقات بين أعضاء الاسرة العالمية، فجاءت إيران بظاهرة تشكل الوصفة الضرورية التي يمكن أن يتقبلها نظام الحكم في إيران، والتي لا تتناغم مع المناخ العالمي الذي يوفر ترتيبات التفاهم بين دول العالم وبين شعوبها. فلم يمارس النظام الإيراني الذي أسقط نظام الشاه حسن التصرف وخرج عن قواعد العمل التي تتبناها الاسرة العالمية، فارضاً مستجدات تحقق له المكاسب على حساب قواعد العمل التي اعتادت عليها الإسرة العالمية، فرأينا ترتيبات إيرانية يسعى النظام الإيراني الجديد على فرضها على الأسرة العالمية، متمرداً على القوانين الدولية وعلى أساليب الحلول الدبلوماسية، متصوراً له كل الحق في فرض رسوم تدفعها البواخر التي تتجاوز الممرات الدولية، ومعلناً بأن مضيق هرمز ممر إيراني تنفرد إيران بتملك كل ما فيه ووفق ما تراه إيران، وبأسلوب يتوفر فيه اللجوء الى القوة. وفتحت إيران، بنظامها الثوري الجديد، أبواب الفوضى التي تعكس طموحات طهران، والتي تهدم قواعد العمل المعترف بها، التي يلتزم بها جميع أعضاء الأسرة العالمية.

ومن هذا الوضع الذي لا يستند إلى منطق ولا إلى قانون، تريد إيران فتح ممرات وصياغة قوانين تناسبها وتحقق طموحاتها، ولا تهتم بما تفرزه من فوضى وما تفتحه من توتر بين أعضاء الاسرة العالمية.

وأكثر إفرازات هذه التحدي الإيراني هو ما نراه من تعامل مع دول الخليج، حيث تلجأ الى القوة لإخضاع دول الخليج لما تريد، لتعطيل قدرة هذه الدول عن الدفاع عن سيادتها. والحقيقة التي لا تريد إيران تقبلها رفض المجتمع العالمي لأطروحاتها ولقواعد التعامل السياسي التي تريد تطبيقها على النظام العالمي، وفوق ذلك لا تتردد في اللجوء الى العنف لتأمين الوصول إلى ما تريد، ونحن في دول الخليج سنكون ضحايا هذا التصور الإيراني التي تريد طهران فرضه بالقوة، وربما من المفيد أن تستمع حكومة إيران الى اعتراضات الأسرة العالمية على النهج الذي تتبناه طهران وتسعى لفرضه على العالم بكل ما فيه من عيوب تؤذي العلاقات بين أعضاء الأسرة العالمية. كانت الآمال أن تتقبل إيران الاجماع العالمي، لكن عجز عقلاء إيران، ومحدودية نفوذهم، ترك مصير القضايا بيد القوى الإيرانية المتطرفة، التي تسبب المتاعب لشعب إيران وللأسرة العالمية بجميع أطرافها. ولا داعي للتأكيد على أن سلامة الممرات الخليجية تخدم المصالح العالمية كلها، وأن اللجوء الى العنف سيؤدي الى حجم كبير من الأذى ليضرب جميع سكان الكرة الأرضية.

وستخرج من الاضطراب والفوضى بعض مراكز القوة التي ستعمل على تحقيق ما تريد لها وللآخرين من أعضاء الأسرة العالمية، وستكون إيران الضحية الكبرى لهذه التحولات التي تخرج من عجز سلطة إيران على فهم الحقائق التي تؤمّن قواعد الاستقرار العالمي، ولا شك بأن من استمع الى تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب يدرك بأن الاضرار ستصيب إيران أكثر من غيرها، وسيتعرض الخليج لفترة من الاضطراب، سيأتي بعدها الاستقرار والازدهار، ليس لنا فقط، وإنما لجميع الأعضاء في الأسرة العالمية، وسنقف جميعاً على ضياع إيران في فضاء الأوهام.

المصدر|  “القبس”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى