سيناريوهات المواجهة الأخيرة بين موسكو والعالم.. الجميع سيدفع الثمن

روسيا تعزز ترسانتها النووية في بيلاروسيا

عاطف سعد // وابامز

تحركت روسيا منذ لنقل جزء من ترسانتها النووية التكتيكية إلى بيلاروسيا، في خطوة تحدثت عنها موسكو كثيرًا، مهددة الدول الغربية المساندة لأوكرانيا بالمال والسلاح.

ورغم أن الإجراء الروسي أغضب القوى الغربية- لا سيما مع رفض الرئيس الأمريكي جو بايدن-؛ إلا أن أوكرانيا ربطت بين تلك الخطوة، ومساعي روسيا لإفساد هجوم أوكراني مضاد يتم الإعداد له بعتاد وأسلحة غربية قوية، لاستعادة أراضٍ سيطرت عليها روسيا في الشهور الأخيرة، ويبقى الإجراء الروسي «نافذة» تجلب رياح القلق للعالم؛ خشية اندلاع صراع نووي مدمر عالميًا.

وزيرا دفاع روسيا وبيلاروسيا، سيرجي شويجو وفيكتور خرينين، وقَع على وثائق- الأسبوع الماضي، في مينسك- تحدد إجراءات الاحتفاظ بالأسلحة النووية الروسية غير الاستراتيجية، في منشأة تخزين خاصة على أراضي بيلاروسيا، وأوضح وزير الدفاع الروسي، أن خطوة بلاده، تعد جزءًا من الرد على «حرب غير معلنة» شنتها دول غربية ضد موسكو ومينسك، ما أدى لترجمة العزم الروسي على الانتشار النووي الذي أعلن عنه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 25 مارس 2023، إلى أمر واقع.

التحرك الروسي يفاقم المخاوف الأوروبية جراء مزيد من التصعيد العسكري في أوكرانيا، ويهدد الاستقرار في القارة العجوز وربما العالم أجمع، لا سيما أنه وفقًا للاستخبارات الأمريكية، تمتلك روسيا حوالي 2000 سلاح نووي تكتيكي، يبلغ مداها أقل من 500 كيلومتر برًا، وتصل لـ600 كيلومتر جوًا وبحرًا، ما يعني أن عواصم أوروبا قد تكون في مرمى تهديدات نووية روسية مباشرة.

وتبقى «سيناريوهات اندلاع المواجهة النووية» مؤرقة لدول أوروبا والعالم، وما زال حاضرًا في الأذهان ما حدث في «هيروشيما وناجازاكي» اليابانيتين منذ عقود.

السيناريو الأول

خسارة عالمية

يقول الباحث بمركز الخليج للدراسات السياسية، محمود رأفت: الغرب يدرك أن الجميع سيخسر؛ إذا وقعت أي مواجهة نووية، وكذلك روسيا، ولكن كلما زادت الخسائر الروسية في المعارك الدائرة في أوكرانيا؛ كلما خرج فلاديمير بوتين والقادة الروس، وهددوا باستخدام السلاح النووي واندلاع الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحقيقة أنهم لن يستخدموه أبدًا؛ إلا إذا هُدِّدَت الأراضي الروسية نفسها، وبات نظام بوتين في مهب الريح، أي أنهم لا يمكن أن يستخدموه إلا إذا اندلعت حرب عالمية.

تحركات غربية وغضب روسي

هناك بعض الإعلاميين الروس المقربين من دوائر صنع القرار في روسيا، مثل، فلاديمير سولوفيوف، قال في تصريحات للتليفزيون الروسي الرسمي: «إن الولايات المتحدة الأمريكية تشك بأن روسيا قد تستخدم السلاح النووي، ولذلك دعمت واشنطن أوكرانيا بـ(مقاتلات إف-16)»، مضيفا: «يجب أن نسحق بريطانيا بالسلاح النووي الإشعاعي كي تختفي شكوكهم من أدمغتهم المتعجرفة”.

كل ذلك أغضب قادة حلف الناتو، الذين يدركون أن الخطوات الروسية هذه المرة «خطيرة»، و«تنتهك حظر الانتشار النووي»، حيث انتقد الحلف قرار روسيا نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا، كما شكك قادته في الادعاءات الروسية عن «التزام موسكو بمبادئ حظر انتشار الأسلحة النووية»، لا سيما وأنها علقت مؤخرًا مشاركتها في معاهدة «ستارت» الجديدة.

لكن الاستفزازت الأمريكية والغربية أيضًا، قد تؤدي إلى تأجيج الوضع، فوزير الخارجية الألماني السابق، زيجمار غابرييل، قال عن الهجوم المضاد المرتقب لأوكرانيا: «سيكون أكبر معركة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية».

والسيناتور الأمريكي، ليندسي غراهام، قال، في حديث مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، معلقًا على المساعدات الأمريكية لأوكرانيا: «كن حرًا أو مت، الآن الروس يموتون، هذه أفضل أموال أنفقناها على الإطلاق».

مثل هذه التصريحات، ومد أوكرانيا بـ«إف- 16»؛ جعلت وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، يقول: «إن الولايات المتحدة تلعب بالنار، وهي تظن أنها بمأمن وهي وراء المحيط الأطلسي؛ عندما تحرض الأوروبيين، وتجر العالم إلى الحرب العالمية الثالثة».

الباحث محمود رأفت، أضاف، في تصريحات خاصة لمركز «الوشم الأوسط»: المحصلة هي أن الحرب النووية المستبعدة بين روسيا والغرب، إن اندلعت؛ ستكون مدمرة، وستدمر كامل أوروبا وروسيا، لذا، فهي- حال بدءها- ستكون في المرحلة الأخيرة من «حرب عالمية» قد تستمر أعوامًا، يستخدم فيها السلاح التقليدي وأسلحة العصر، من «مسيرات، وطائرات حربية، ومدرعات، ودبابات، وأسلحة ليزرية، وحاملات طائرات» أولًا، ثم ستكون «الأسلحة النووية التكتيكية المحدودة أو الشاملة»، هي الخيار الأخير؛ لأن الجميع سيخسر فيها.

السيناريو الثاني

حيلة للضغط

خطوة الاتفاق بين روسيا وبيلاروسيا على نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى مينسك؛ تمثل نوعًا من التصعيد في الصراع بين روسيا والقوى الغربية، حسب ما يرى محللون، لا سيما، مع تراجع فرص السلام، أو التوصل إلى اتفاق تهدئة في الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 24 فبراير 2022، ويعزز ذلك، استمرار الإمدادات الغربية لـ«كييف» بالأسلحة والذخائر والعتاد، وحِزَم المساعدات المالية.

وقال محللون، إنه على الرغم من الاتفاق بين موسكو ومينسك على نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروسيا؛ إلا أن الكيان الروسي يدرك تمامًا خطورة التعامل مع السلاح النووي، الذي يعني نهاية العالم، وضرورة الحذر بشأن مسألة استخدامه، فهو بمثابة سلاح (يوم القيامة)، وبالتالي فالتلويح بنقل الأسلحة؛ عبارة عن «حيلة للضغط على الغرب» في سياساتهم ضد موسكو، كما أن السلاح النووي المنقول إلى أراضي بيلاروسيا، يبقى تحت تصرف وسيطرة وتحكم الجانب الروسي.

أمثلة مؤرقة

هيروشيما وناجازاكي.. إن اندلاع الحرب النووية؛ سيكون بمثابة نهاية العالم، ولا يُنسى كيف أحدثت قنبلتي الولايات المتحدة الأمريكية، دمارًا هائلًا في اليابان، عام 1945، ما أجبر الإمبراطور الياباني- وقتئذ- على الاستسلام في الحرب، بعد موت عشرات الآلاف من شعبه، بفعلي قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، اللتان حسمتا الحرب العالمية الثانية لصالح الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة.

التسريبات الإشعاعية من مفاعل تشيرنوبل في أبريل عام 1986
التسريبات الإشعاعية من مفاعل تشيرنوبل في أبريل عام 1986

كارثة تشيرنوبل.. التسريبات الإشعاعية من مفاعل تشيرنوبل في أبريل عام 1986، والتي امتدت آثارها المدمرة– آنذاك- بفعل السحب الإشعاعية، لتغمر أجزاءً واسعة من الاتحاد السوفييتي وتمتد إلى العالم، لَهِيَ أمثلة دالة على خطورة استخدام الأسلحة النووية، أو تسرب الإشعاعات النووية.

السيناريو الثالث

تهديد كربوني

التلويح باللجوء إلى الخيار النووي، كان تهديدًا روسيًا غير جديد، أعلن عنه الرئيس فلاديمير بوتين، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، مع الانحياز الغربي الواسع لأوكرانيا، وتجاهل مطالب موسكو بابتعاد تهديدات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، ونشر الصواريخ قرب الحدود الروسية، وفي أبريل 2023، أعلنت الدولة الروسية عن الشروع في تدريب عسكريين من بيلاروسيا على استخدام أسلحة نووية تكتيكية.

الأسلحة بعيدة المدى

ربط خبراء بين إتمام روسيا خطوتها بنقل أسلحة نووية تكتيكية، كنوع من التصعيد- بعد نقل أسلحة طويلة المدى من الجانب الغربي إلى أوكرانيا، بينها ذخائر ذات مدى يتعدى الـ300 كيلومتر، سبقها منظومات باتريوت وصواريخ كروز، وبين إطلاق الولايات المتحدة- منذ أيام- يد دول أوروبية، في إمداد كييف بمقاتلات «إف- 16» الأمريكية، والتي توصف بأنها القادرة على مجابهة المقاتلات الشبحية الروسية (سوخوي 35) المتفوقة في سماء المعركة، وقد تفقد روسيا سيادتها الجوية؛ ما يعزز فرص الدولة الأوكرانية في الحرب، ويقلص فرص السيطرة داخل المدن الأوكرانية، ويعيق تحركات القوات الروسية وقوات «فاجنر» الخاصة على أرض المعارك.

اليورانيوم البريطاني

هناك أيضًا غضب روسي، واضح جراء إعلان وزارة الدفاع البريطانية، عن إمداد أوكرانيا بقذائف مزودة باليورانيوم المنضب، تخترق الدروع؛ وذلك لاستعمالها في دبابات «تشالنجر 2» البريطانية الصنع، والتي منحتها للجيش الأوكراني؛ ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى الرد قائلًا: إن بلاده «سترد بشكل مناسب».

روسيا ردت أخيرًا على إعلان بريطانيا عزمها إمداد أوكرانيا بذخيرة اليورانيوم المنضب، بالإعلان عن «خطط لنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، بل إنها نشرت بالفعل في بيلاروسيا 10 طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية تكتيكية».

وتعد روسيا هي القوة النووية الأولى في العالم، مع مخزون بنحو 4500 رأس نووية، وفق تقديرات «معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام».

خاتمة

تنبع التفسيرات المبدئية لمحللين عسكريين، لـ«حالة الترقب في الدول الأوروبية، للاتفاق على نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى مينسك»؛ من مميزات الأسلحة النووية التكتيكية، كونها ذات حجم أو مدى محدد، كما أن استخدامها، قد يكون قاصرًا على أهداف عسكرية محدودة، دون إبادة منطقة بأسرها، والتسبب في تداعيات إشعاعية واسعة النطاق، كما حدث في اليابان قبل عقود، وبالتالي، قد تكون هناك ضربات نووية، في حالة أخيرة، وهي «استهداف كاسح»، أو «خطر داهم لأراضي روسيا»، ولكنه يبقى خيارًا صعبًا وممكنًا ف الوقت ذاته؛ في حال كانت هناك دوافع اضطرارية لحدوثه، لأن الضرر سيطال الجميع في العالم، وليست أوروبا وحدها من سيدفع الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى